العدد : ١٧٧٢١ - الثلاثاء ٢٩ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٨ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٢١ - الثلاثاء ٢٩ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٨ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

كيف نتصدى لظاهرة التنمرالاجتماعي؟

بقلم: نبيلة رجب

الثلاثاء ٢٩ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

يعرف‭ ‬الناس‭ ‬التنمُّر‭ ‬جيدًا‭ ‬في‭ ‬ساحة‭ ‬المدرسة‭. ‬طفل‭ ‬يُسخر‭ ‬من‭ ‬شكله،‭ ‬وآخر‭ ‬يجد‭ ‬نفسه‭ ‬هدفًا‭ ‬متكررًا‭ ‬لمجموعة‭ ‬اختارته‭ ‬دون‭ ‬غيره‭. ‬يتعاطف‭ ‬الكبار‭ ‬معه‭ ‬ويطالبون‭ ‬بحمايته،‭ ‬ويدركون‭ ‬أن‭ ‬عبارة‭ ‬‮«‬كانوا‭ ‬يمزحون‮»‬‭ ‬لا‭ ‬تكفي‭ ‬لتبرير‭ ‬ما‭ ‬حدث‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬هؤلاء‭ ‬الأطفال‭ ‬يكبرون،‭ ‬ويكبر‭ ‬معهم‭ ‬بعض‭ ‬ما‭ ‬تعلَّموه‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الساحة‭.‬‮ ‬

فالتنمّر‭ ‬يبقى‭ ‬أحيانًا،‭ ‬ويتعلم‭ ‬لغة‭ ‬أكثر‭ ‬قبولًا‭. ‬تكفي‭ ‬صاحبه‭ ‬تعليقات‭ ‬تعود‭ ‬على‭ ‬وزن‭ ‬زميلة‭ ‬كلما‭ ‬حضرت،‭ ‬أو‭ ‬مزحة‭ ‬عن‭ ‬امرأة‭ ‬تأخر‭ ‬زواجها‭ ‬تتجدد‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬لقاء‭. ‬يضحك‭ ‬الحاضرون،‭ ‬وتضحك‭ ‬صاحبة‭ ‬الشأن‭ ‬معهم‭ ‬حتى‭ ‬تبدو‭ ‬متسامحة،‭ ‬والضحكة‭ ‬التي‭ ‬تجامل‭ ‬تُعرف‭ ‬من‭ ‬قِصَرها،‭ ‬ثم‭ ‬يمضي‭ ‬الحديث‭.‬‮ ‬

والحد‭ ‬الذي‭ ‬يبدأ‭ ‬عنده‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬التنمُّر‭ ‬الاجتماعي‭ ‬يقع‭ ‬هنا،‭ ‬في‭ ‬التكرار‭. ‬الكلمة‭ ‬الثقيلة‭ ‬التي‭ ‬تُقال‭ ‬مرة‭ ‬واحدة‭ ‬تبقى‭ ‬زلّة‭ ‬لسان‭ ‬يُعتذر‭ ‬عنها،‭ ‬أما‭ ‬الشخص‭ ‬الذي‭ ‬صار،‭ ‬لسبب‭ ‬ما،‭ ‬هدفًا‭ ‬ثابتًا‭ ‬أمام‭ ‬الآخرين‭ ‬فحالة‭ ‬أخرى‭. ‬فالتكرار‭ ‬يمنحه‭ ‬مكانًا‭ ‬محددًا‭ ‬داخل‭ ‬المجموعة،‭ ‬ويُنتظر‭ ‬منه‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬موضع‭ ‬النكتة‭ ‬كلما‭ ‬اجتمعوا‭. ‬والمجموعة‭ ‬كلها‭ ‬في‭ ‬جهة،‭ ‬وصاحب‭ ‬الشأن‭ ‬وحده‭ ‬في‭ ‬الجهة‭ ‬الأخرى‭.‬

والتنمّر‭ ‬بين‭ ‬البالغين‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬التخفي‭. ‬الطفل‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يقول‭ ‬إن‭ ‬زملاءه‭ ‬يتنمّرون‭ ‬عليه،‭ ‬والبالغ‭ ‬يستثقل‭ ‬الجملة‭ ‬ذاتها،‭ ‬فالكلمة‭ ‬تبدو‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬الموقف،‭ ‬والشكوى‭ ‬قد‭ ‬تجلب‭ ‬إليه‭ ‬تعليقًا‭ ‬جديدًا‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬‮«‬لا‭ ‬تكن‭ ‬حساسًا‮»‬‭. ‬فيبتسم‭ ‬ويغيّر‭ ‬الموضوع،‭ ‬ويكمل‭ ‬جلسته‭ ‬وكأن‭ ‬شيئًا‭ ‬لم‭ ‬يحدث،‭ ‬ثم‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬بيته‭ ‬حاملًا‭ ‬كلامًا‭ ‬لم‭ ‬يقله‭.‬‮ ‬

والنجاح‭ ‬نفسه‭ ‬قد‭ ‬يصبح‭ ‬سببًا‭ ‬للاستهداف‭. ‬شخص‭ ‬يبرز‭ ‬في‭ ‬عمله،‭ ‬فيتحول‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬مادة‭ ‬جاهزة‭ ‬كلما‭ ‬حضر‭. ‬يُذكَّر‭ ‬أمام‭ ‬الجميع‭ ‬بأن‭ ‬الفرصة‭ ‬جاءته‭ ‬أسهل‭ ‬مما‭ ‬جاءت‭ ‬غيره،‭ ‬ويُعاد‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مناسبة‭ ‬الحديث‭ ‬عمّن‭ ‬ساعده‭ ‬على‭ ‬الوصول،‭ ‬بنبرة‭ ‬تجعل‭ ‬الإجابة‭ ‬محرجة‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭. ‬

النقد‭ ‬حق،‭ ‬والاختلاف‭ ‬في‭ ‬تقييم‭ ‬نجاح‭ ‬الآخرين‭ ‬طبيعي‭. ‬أما‭ ‬أن‭ ‬يصير‭ ‬نجاح‭ ‬شخص‭ ‬بعينه‭ ‬موضوعًا‭ ‬دائمًا‭ ‬للتقليل‭ ‬أمام‭ ‬الحاضرين،‭ ‬فالأثر‭ ‬عندئذ‭ ‬أن‭ ‬يُنزَل‭ ‬درجة‭ ‬من‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬وصل‭ ‬إليه‭ ‬بتعبه،‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬يقصد‭ ‬أحد‭ ‬ذلك‭.‬‮ ‬

والعمر‭ ‬مساحة‭ ‬أخرى‭ ‬سهلة‭. ‬من‭ ‬تقدّمت‭ ‬به‭ ‬السن‭ ‬يتأخر‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬تطبيق‭ ‬جديد،‭ ‬فتبدأ‭ ‬النكات‭. ‬يخطئ‭ ‬في‭ ‬اسم‭ ‬منصة‭ ‬أو‭ ‬وظيفة‭ ‬تقنية،‭ ‬فيصبح‭ ‬الخطأ‭ ‬قصة‭ ‬تُروى‭ ‬في‭ ‬المجالس‭. ‬والتعليقات‭ ‬هنا‭ ‬تشبه‭ ‬القرائن‭ ‬في‭ ‬القضايا،‭ ‬الواحدة‭ ‬منها‭ ‬ضعيفة،‭ ‬واجتماعها‭ ‬يصنع‭ ‬صورة‭ ‬كاملة‭. ‬وشيئًا‭ ‬فشيئًا‭ ‬يجد‭ ‬نفسه‭ ‬مطالبًا‭ ‬بأن‭ ‬يثبت‭ ‬أنه‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬جديرًا‭ ‬بمكانه،‭ ‬وكأن‭ ‬التقدم‭ ‬في‭ ‬العمر‭ ‬نقص‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬اعتذار‭.‬

ويظهر‭ ‬الأثر‭ ‬لاحقًا،‭ ‬على‭ ‬مهل‭. ‬تعتذر‭ ‬الزميلة‭ ‬عن‭ ‬دعوة‭ ‬الغداء‭ ‬الجماعي‭ ‬مرة‭ ‬بعد‭ ‬مرة،‭ ‬ويختصر‭ ‬كبير‭ ‬السن‭ ‬كلامه‭ ‬في‭ ‬المجلس‭ ‬كي‭ ‬يتجنب‭ ‬خطأ‭ ‬جديدًا‭ ‬يُحسب‭ ‬عليه‭.‬

يظن‭ ‬الحاضرون‭ ‬أن‭ ‬الغائب‭ ‬انشغل‭ ‬أو‭ ‬تغيّر‭ ‬مزاجه،‭ ‬والحقيقة‭ ‬أنه‭ ‬تعب‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬موضوع‭ ‬الضحك‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مرة‭. ‬وقد‭ ‬يبقى‭ ‬غيره‭ ‬حاضرًا‭ ‬بجسده،‭ ‬يبتسم‭ ‬في‭ ‬المواضع‭ ‬المعتادة‭ ‬ويعدّ‭ ‬الدقائق‭ ‬حتى‭ ‬ينصرف‭.‬‮ ‬

ولعل‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬التنمّر‭ ‬صعبًا‭ ‬على‭ ‬الملاحظة‭ ‬أنه‭ ‬يصدر‭ ‬كثيرًا‭ ‬عن‭ ‬أناس‭ ‬طيبين،‭ ‬بين‭ ‬أصدقاء‭ ‬وأقارب،‭ ‬ويختبئ‭ ‬خلف‭ ‬ألفة‭ ‬العلاقة‭ ‬نفسها‭. ‬ولهذا‭ ‬تقصر‭ ‬النية‭ ‬وحدها‭ ‬عن‭ ‬الحكم‭ ‬على‭ ‬أثره،‭ ‬فقد‭ ‬يرى‭ ‬أحدهم‭ ‬كلامه‭ ‬مزاحًا‭ ‬عابرًا،‭ ‬بينما‭ ‬يتلقى‭ ‬الآخر‭ ‬المزحة‭ ‬ذاتها‭ ‬للمرة‭ ‬العاشرة‭.‬‭ ‬فمن‭ ‬يمازح‭ ‬ينسى‭ ‬المزحة‭ ‬بعد‭ ‬ساعة،‭ ‬ومن‭ ‬وُجّهت‭ ‬إليه‭ ‬يحملها‭ ‬معه‭ ‬أيامًا‭.‬

والقانون‭ ‬يقف‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬كله‭ ‬عند‭ ‬حد‭ ‬واضح‭. ‬فالمساءلة‭ ‬الجنائية‭ ‬عن‭ ‬السب‭ ‬والقذف‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬أركان‭ ‬وشروط‭ ‬محددة،‭ ‬والجريمة‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عبارة‭ ‬جارحة‭. ‬ولهذا‭ ‬تبقى‭ ‬مساحة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬العلاقات‭ ‬الإنسانية‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬يد‭ ‬القاضي،‭ ‬لأن‭ ‬القانون‭ ‬وُضع‭ ‬ليحمي‭ ‬من‭ ‬الاعتداء،‭ ‬وترك‭ ‬تهذيب‭ ‬الكلام‭ ‬اليومي‭ ‬لضمائر‭ ‬الناس‭ ‬وأعرافهم‭. ‬وهذا‭ ‬الحد‭ ‬مفهوم،‭ ‬فلو‭ ‬تدخّل‭ ‬القانون‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مزحة‭ ‬ثقيلة‭ ‬لضاقت‭ ‬الحياة‭ ‬بأهلها‭. ‬وأرى‭ ‬أن‭ ‬الكرامة‭ ‬تُجرح‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يبلغ‭ ‬الجرح‭ ‬حدّ‭ ‬الجريمة‭ ‬بزمن‭ ‬طويل،‭ ‬والعين‭ ‬تسبق‭ ‬النص‭ ‬إلى‭ ‬رؤيته‭.‬

وفي‭ ‬هذه‭ ‬المساحة‭ ‬التي‭ ‬يتركها‭ ‬القانون‭ ‬يحضر‭ ‬ميزان‭ ‬أقدم‭ ‬منه‭. ‬فالقرآن‭ ‬الكريم‭ ‬نهى‭ ‬أن‭ ‬يسخر‭ ‬قوم‭ ‬من‭ ‬قوم،‭ ‬وقال‭: (‬ولا‭ ‬تنابزوا‭ ‬بالألقاب‭)‬،‭ ‬والتنابز‭ ‬أن‭ ‬يُدعى‭ ‬الإنسان‭ ‬بلقب‭ ‬يكرهه‭. ‬واللقب‭ ‬الذي‭ ‬يُعاد‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬جلسة‭ ‬حتى‭ ‬يلتصق‭ ‬بصاحبه‭ ‬وصف‭ ‬دقيق‭ ‬لما‭ ‬قد‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المجالس،‭ ‬جاء‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يعرف‭ ‬الناس‭ ‬كلمة‭ ‬التنمّر‭ ‬بقرون‭.‬

والمزاح‭ ‬في‭ ‬أصله‭ ‬من‭ ‬ودّ‭ ‬الناس،‭ ‬والمبالغة‭ ‬في‭ ‬إطلاق‭ ‬المصطلح‭ ‬قد‭ ‬تفرغه‭ ‬من‭ ‬معناه‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الاستهداف‭ ‬إذا‭ ‬تكرر،‭ ‬وصار‭ ‬شخص‭ ‬بعينه‭ ‬مادة‭ ‬للسخرية‭ ‬والتقليل،‭ ‬ثم‭ ‬احتمى‭ ‬ذلك‭ ‬كله‭ ‬بكلمة‭ ‬‮«‬مزاح‮»‬،‭ ‬فذلك‭ ‬شيء‭ ‬آخر‭ ‬يستحق‭ ‬أن‭ ‬يُسمّى‭ ‬باسمه‭.‬‮ ‬

ويكفي‭ ‬أحيانًا‭ ‬أن‭ ‬يمتنع‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬الجالسين‭ ‬عن‭ ‬الضحك،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬يعيد‭ ‬الحديث‭ ‬إلى‭ ‬مجراه‭ ‬بهدوء،‭ ‬حتى‭ ‬يفقد‭ ‬التعليق‭ ‬جمهوره‭. ‬وتنفع‭ ‬كلمة‭ ‬طيبة‭ ‬بعد‭ ‬انفضاض‭ ‬المجلس،‭ ‬يقولها‭ ‬أحدهم‭ ‬لصاحب‭ ‬الشأن،‭ ‬فيعرف‭ ‬أن‭ ‬غيره‭ ‬رأى‭ ‬ما‭ ‬جرى‭. ‬فالتعليق‭ ‬المتكرر‭ ‬يعيش‭ ‬على‭ ‬الضحكة‭ ‬التي‭ ‬تتبعه‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬يعيش‭ ‬على‭ ‬الكلمة‭ ‬التي‭ ‬قيلت‭.‬

خرج‭ ‬بعض‭ ‬التنمّر‭ ‬من‭ ‬ساحة‭ ‬المدرسة‭ ‬مع‭ ‬أصحابه،‭ ‬وتعلّم‭ ‬كيف‭ ‬يجلس‭ ‬في‭ ‬المجالس‭ ‬بأدب‭. ‬والرحمة‭ ‬التي‭ ‬يلقاها‭ ‬الطفل‭ ‬هناك،‭ ‬يستحقها‭ ‬الكبير‭ ‬في‭ ‬المجلس‭ ‬أيضًا‭.‬‮ ‬

 

{‭ ‬قانونية‭ ‬وكاتبة‭ ‬بحرينية‭.‬‮ ‬

rajabnabeela@gmail‭.‬com‮ ‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا