يعرف الناس التنمُّر جيدًا في ساحة المدرسة. طفل يُسخر من شكله، وآخر يجد نفسه هدفًا متكررًا لمجموعة اختارته دون غيره. يتعاطف الكبار معه ويطالبون بحمايته، ويدركون أن عبارة «كانوا يمزحون» لا تكفي لتبرير ما حدث.
غير أن هؤلاء الأطفال يكبرون، ويكبر معهم بعض ما تعلَّموه في تلك الساحة.
فالتنمّر يبقى أحيانًا، ويتعلم لغة أكثر قبولًا. تكفي صاحبه تعليقات تعود على وزن زميلة كلما حضرت، أو مزحة عن امرأة تأخر زواجها تتجدد في كل لقاء. يضحك الحاضرون، وتضحك صاحبة الشأن معهم حتى تبدو متسامحة، والضحكة التي تجامل تُعرف من قِصَرها، ثم يمضي الحديث.
والحد الذي يبدأ عنده الحديث عن التنمُّر الاجتماعي يقع هنا، في التكرار. الكلمة الثقيلة التي تُقال مرة واحدة تبقى زلّة لسان يُعتذر عنها، أما الشخص الذي صار، لسبب ما، هدفًا ثابتًا أمام الآخرين فحالة أخرى. فالتكرار يمنحه مكانًا محددًا داخل المجموعة، ويُنتظر منه أن يكون موضع النكتة كلما اجتمعوا. والمجموعة كلها في جهة، وصاحب الشأن وحده في الجهة الأخرى.
والتنمّر بين البالغين أكثر قدرة على التخفي. الطفل يستطيع أن يقول إن زملاءه يتنمّرون عليه، والبالغ يستثقل الجملة ذاتها، فالكلمة تبدو أكبر من الموقف، والشكوى قد تجلب إليه تعليقًا جديدًا من قبيل «لا تكن حساسًا». فيبتسم ويغيّر الموضوع، ويكمل جلسته وكأن شيئًا لم يحدث، ثم يعود إلى بيته حاملًا كلامًا لم يقله.
والنجاح نفسه قد يصبح سببًا للاستهداف. شخص يبرز في عمله، فيتحول ذلك إلى مادة جاهزة كلما حضر. يُذكَّر أمام الجميع بأن الفرصة جاءته أسهل مما جاءت غيره، ويُعاد عليه في كل مناسبة الحديث عمّن ساعده على الوصول، بنبرة تجعل الإجابة محرجة مهما كانت.
النقد حق، والاختلاف في تقييم نجاح الآخرين طبيعي. أما أن يصير نجاح شخص بعينه موضوعًا دائمًا للتقليل أمام الحاضرين، فالأثر عندئذ أن يُنزَل درجة من المكان الذي وصل إليه بتعبه، وإن لم يقصد أحد ذلك.
والعمر مساحة أخرى سهلة. من تقدّمت به السن يتأخر في فهم تطبيق جديد، فتبدأ النكات. يخطئ في اسم منصة أو وظيفة تقنية، فيصبح الخطأ قصة تُروى في المجالس. والتعليقات هنا تشبه القرائن في القضايا، الواحدة منها ضعيفة، واجتماعها يصنع صورة كاملة. وشيئًا فشيئًا يجد نفسه مطالبًا بأن يثبت أنه ما زال جديرًا بمكانه، وكأن التقدم في العمر نقص يحتاج إلى اعتذار.
ويظهر الأثر لاحقًا، على مهل. تعتذر الزميلة عن دعوة الغداء الجماعي مرة بعد مرة، ويختصر كبير السن كلامه في المجلس كي يتجنب خطأ جديدًا يُحسب عليه.
يظن الحاضرون أن الغائب انشغل أو تغيّر مزاجه، والحقيقة أنه تعب من أن يكون موضوع الضحك في كل مرة. وقد يبقى غيره حاضرًا بجسده، يبتسم في المواضع المعتادة ويعدّ الدقائق حتى ينصرف.
ولعل ما يجعل هذا النوع من التنمّر صعبًا على الملاحظة أنه يصدر كثيرًا عن أناس طيبين، بين أصدقاء وأقارب، ويختبئ خلف ألفة العلاقة نفسها. ولهذا تقصر النية وحدها عن الحكم على أثره، فقد يرى أحدهم كلامه مزاحًا عابرًا، بينما يتلقى الآخر المزحة ذاتها للمرة العاشرة. فمن يمازح ينسى المزحة بعد ساعة، ومن وُجّهت إليه يحملها معه أيامًا.
والقانون يقف من هذا كله عند حد واضح. فالمساءلة الجنائية عن السب والقذف تقوم على أركان وشروط محددة، والجريمة تحتاج إلى أكثر من عبارة جارحة. ولهذا تبقى مساحة واسعة من العلاقات الإنسانية بعيدة عن يد القاضي، لأن القانون وُضع ليحمي من الاعتداء، وترك تهذيب الكلام اليومي لضمائر الناس وأعرافهم. وهذا الحد مفهوم، فلو تدخّل القانون في كل مزحة ثقيلة لضاقت الحياة بأهلها. وأرى أن الكرامة تُجرح قبل أن يبلغ الجرح حدّ الجريمة بزمن طويل، والعين تسبق النص إلى رؤيته.
وفي هذه المساحة التي يتركها القانون يحضر ميزان أقدم منه. فالقرآن الكريم نهى أن يسخر قوم من قوم، وقال: (ولا تنابزوا بالألقاب)، والتنابز أن يُدعى الإنسان بلقب يكرهه. واللقب الذي يُعاد في كل جلسة حتى يلتصق بصاحبه وصف دقيق لما قد يجري في بعض المجالس، جاء قبل أن يعرف الناس كلمة التنمّر بقرون.
والمزاح في أصله من ودّ الناس، والمبالغة في إطلاق المصطلح قد تفرغه من معناه. غير أن الاستهداف إذا تكرر، وصار شخص بعينه مادة للسخرية والتقليل، ثم احتمى ذلك كله بكلمة «مزاح»، فذلك شيء آخر يستحق أن يُسمّى باسمه.
ويكفي أحيانًا أن يمتنع واحد من الجالسين عن الضحك، أو أن يعيد الحديث إلى مجراه بهدوء، حتى يفقد التعليق جمهوره. وتنفع كلمة طيبة بعد انفضاض المجلس، يقولها أحدهم لصاحب الشأن، فيعرف أن غيره رأى ما جرى. فالتعليق المتكرر يعيش على الضحكة التي تتبعه أكثر مما يعيش على الكلمة التي قيلت.
خرج بعض التنمّر من ساحة المدرسة مع أصحابه، وتعلّم كيف يجلس في المجالس بأدب. والرحمة التي يلقاها الطفل هناك، يستحقها الكبير في المجلس أيضًا.
{ قانونية وكاتبة بحرينية.
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك