العدد : ١٧٧٢١ - الثلاثاء ٢٩ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٨ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٢١ - الثلاثاء ٢٩ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٨ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

نجاح الاقتصاد البحريني في مواجهة الأزمات وتداعيات الحرب

بقلم: عبدالهادي الخلاقي

الثلاثاء ٢٩ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

تُقاس‭ ‬صلابة‭ ‬الدول‭ ‬بمدى‭ ‬مرونة‭ ‬اقتصادها‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬امتصاص‭ ‬الصدمات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬الخارجية‭ ‬دون‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬وتيرة‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬والتنمية،‭ ‬كذلك‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬قوة‭ ‬مؤسساتها‭ ‬وتماسك‭ ‬جبهتها‭ ‬الداخلية،‭ ‬إن‭ ‬استمرار‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬تنفيذ‭ ‬مشاريع‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬وضخ‭ ‬الاستثمارات‭ ‬وتنظيم‭ ‬الفعاليات‭ ‬الدولية‭ ‬بالرغم‭ ‬مما‭ ‬تسبب‭ ‬به‭ ‬الصراع‭ ‬الإقليمي‭ ‬من‭ ‬إغلاق‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬وتراجع‭ ‬حركة‭ ‬السفن‭ ‬والذي‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬خسائر‭ ‬بسبب‭ ‬عدم‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تصدير‭ ‬الكميات‭ ‬المعتادة‭ ‬من‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي‭.‬

لكن‭ ‬نجاح‭ ‬الاقتصاد‭ ‬البحريني‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الأزمة‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬ركائز‭ ‬استراتيجية‭ ‬متينة‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬عدة‭ ‬عوامل‭ ‬منها‭ ‬نجاح‭ ‬استراتيجية‭ ‬التنوع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الاقتصاد‭ ‬البحريني‭ ‬رهيناً‭ ‬كليًّا‭ ‬لعائدات‭ ‬النفط‭ ‬الخام‭ ‬المار‭ ‬عبر‭ ‬المضيق،‭ ‬كما‭ ‬أصبحت‭ ‬القطاعات‭ ‬المالية‭ ‬والسياحية‭ ‬والصناعية‭ ‬التحويلية‭ ‬والخدمات‭ ‬اللوجستية‭ ‬هي‭ ‬المحرك‭ ‬الأساسي‭ ‬للنمو،‭ ‬وتوقف‭ ‬أو‭ ‬تباطؤ‭ ‬بعض‭ ‬صادرات‭ ‬الطاقة‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬تعطيل‭ ‬طاقات‭ ‬الاقتصاد‭ ‬بل‭ ‬تظل‭ ‬المحركات‭ ‬الأخرى‭ ‬تعمل‭ ‬بكفاءة‭.‬

وهذا‭ ‬يبرهن‭ ‬على‭ ‬حكمة‭ ‬وحنكة‭ ‬صاحب‭ ‬السمو‭ ‬الملكي‭ ‬الأمير‭ ‬سلمان‭ ‬بن‭ ‬حمد‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬ولي‭ ‬العهد‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬الوزراء‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭ ‬ورعاه‭ ‬الذي‭ ‬يمتلك‭ ‬القدرة‭ ‬العالية‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬الأزمات‭ ‬بكل‭ ‬كفاءة‭ ‬واقتدار‭ ‬ويعكس‭ ‬أيضا‭ ‬كفاءة‭ ‬التخطيط‭ ‬الحكومي‭ ‬ليُبرهن‭ ‬على‭ ‬صلابة‭ ‬الدولة‭ ‬وقوتها،‭ ‬ويتجلى‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬استمرار‭ ‬عجلة‭ ‬التنمية‭ ‬والبناء‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬القطاعات،‭ ‬فأعمال‭ ‬الطرق‭ ‬وتأهيلها‭ ‬وبناء‭ ‬الجسور‭ ‬والأنفاق‭ ‬ومشاريع‭ ‬الصرف‭ ‬الصحي‭ ‬وتطوير‭ ‬شبكات‭ ‬الكهرباء‭ ‬والماء‭ ‬وإعادة‭ ‬تأهيل‭ ‬الطرق‭ ‬وأرصفة‭ ‬المشاة‭ ‬يتم‭ ‬إنجازها‭ ‬حسب‭ ‬الخطة‭ ‬الزمنية‭ ‬المقررة‭ ‬لها‭ ‬وبوتيرة‭ ‬عالية‭.‬

كذلك‭ ‬فإن‭ ‬الإنفاق‭ ‬على‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬كالصحة‭ ‬والتعليم‭ ‬والإسكان‭ ‬والإعلام‭ ‬والشؤون‭ ‬الاجتماعية‭ ‬وجميع‭ ‬القطاعات‭ ‬الأمنية‭ ‬والشؤون‭ ‬الخارجية‭ ‬والقنصلية‭ ‬مستمر‭ ‬ورواتب‭ ‬الموظفين‭ ‬بمختلف‭ ‬القطاعات‭ ‬لم‭ ‬تُمس‭ ‬والدعم‭ ‬الحكومي‭ ‬لمختلف‭ ‬الفئات‭ ‬لم‭ ‬يُمس‭ ‬والفعاليات‭ ‬الوطنية‭ ‬والمعارض‭ ‬الدولية‭ ‬قائمة‭ ‬وتزدهر،‭ ‬والإنفاق‭ ‬على‭ ‬الشؤون‭ ‬الرياضية‭ ‬ودعم‭ ‬الشباب‭ ‬والمشاركة‭ ‬لم‭ ‬يُمس،‭ ‬والبحرين‭ ‬مستمرة‭ ‬في‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬الفعاليات‭ ‬الرياضية‭ ‬المحلية‭ ‬والدولية‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬الأوضاع‭ ‬الإقليمية‭ ‬المتأزمة‭ ‬التي‭ ‬تشهدها‭ ‬المنطقة،‭ ‬والكثير‭ ‬مما‭ ‬لا‭ ‬يسعنا‭ ‬المجال‭ ‬لذكره‭.‬

وعندما‭ ‬نقرأ‭ ‬التاريخ‭ ‬المعاصر‭ ‬ونحلل‭ ‬نماذج‭ ‬صمود‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬النظريات‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬تتجسد‭ ‬اليوم‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع‭ ‬في‭ ‬نموذج‭ ‬وطني‭ ‬رائد‭ ‬حيث‭ ‬يمثل‭ ‬هذا‭ ‬الثبات‭ ‬والموثوقية‭ ‬رسالة‭ ‬ثقة‭ ‬موجهة‭ ‬إلا‭ ‬العالم‭ ‬بأن‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬بقيادة‭ ‬صاحب‭ ‬الجلالة‭ ‬الملك‭ ‬حمد‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬بن‭ ‬سلمان‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬ملك‭ ‬البلاد‭ ‬المعظم‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭ ‬ورعاه‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬وتأمين‭ ‬مصالحها‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الظروف‭ ‬والمتغيرات‭ ‬وستبقى‭ ‬واحة‭ ‬أمن‭ ‬ومنارة‭ ‬استقرار،‭ ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬نتاج‭ ‬التخطيط‭ ‬الاستباقي‭ ‬للأزمات‭ ‬وسياسات‭ ‬تنويع‭ ‬اقتصادي‭ ‬ناجحة‭ ‬تمكن‭ ‬الدولة‭ ‬من‭ ‬امتصاص‭ ‬الصدمات‭ ‬الخارجية‭ ‬الإقليمية‭.‬

ذلك‭ ‬أن‭ ‬بناء‭ ‬اقتصاد‭ ‬مرن‭ ‬ومتنوع‭ ‬والاعتماد‭ ‬على‭ ‬بدائل‭ ‬لوجستية‭ ‬متعددة‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يحمي‭ ‬الدول‭ ‬من‭ ‬الأزمات‭ ‬الإقليمية‭ ‬والدولية،‭ ‬ويجعل‭ ‬حركة‭ ‬البناء‭ ‬والإنفاق‭ ‬الحكومي‭ ‬مستمرة‭ ‬لضمان‭ ‬جودة‭ ‬حياة‭ ‬المواطنين‭ ‬أو‭ ‬خطط‭ ‬البناء‭ ‬المستقبلية،‭ ‬وقد‭ ‬أثبتت‭ ‬المملكة‭ ‬نجاحاً‭ ‬ملموساً‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬التحديات‭ ‬الإقليمية‭ ‬إلى‭ ‬فرص‭ ‬حقيقية‭ ‬عبر‭ ‬رؤية‭ ‬البحرين‭ ‬الاقتصادية‭ ‬2030‭ ‬وخطة‭ ‬التعافي‭ ‬الاقتصادي‭.‬

إن‭ ‬التاريخ‭ ‬الإنساني‭ ‬في‭ ‬جوهره‭ ‬ليس‭ ‬إلا‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬الأزمات‭ ‬والتحولات‭ ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬الحروب‭ ‬يوماً‭ ‬مجرد‭ ‬اختبار‭ ‬للقوة‭ ‬العسكرية‭ ‬الغاشمة،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬الاختبار‭ ‬الأعظم‭ ‬لصلابة‭ ‬المجتمعات‭ ‬وديمومة‭ ‬الدول،‭ ‬فعندما‭ ‬تضع‭ ‬الحروب‭ ‬أوزارها‭ ‬لا‭ ‬تنجو‭ ‬الدول‭ ‬الأكثر‭ ‬تسلحاً‭ ‬بالضرورة‭ ‬بل‭ ‬تنجو‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تمتلك‭ ‬مؤسسات‭ ‬مرنة‭ ‬وجبهة‭ ‬داخلية‭ ‬متماسكة‭ ‬وتمتلك‭ ‬اقتصاداً‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬التكيف‭.‬

وكما‭ ‬قال‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬البريطاني‭ ‬الأسبق‭ ‬ونستون‭ ‬تشرشل‭ ‬في‭ ‬ذروة‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭: ‬‮«‬إذا‭ ‬كنت‭ ‬تمر‭ ‬بجحيم،‭ ‬فاستمر‭ ‬في‭ ‬السير‮»‬‭ ‬هذا‭ ‬الاستمرار‭ ‬لا‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬العاطفة،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬خطط‭ ‬مسبقة‭ ‬واحتياطيات‭ ‬استراتيجية‭ ‬وإدارة‭ ‬واعية‭ ‬للأزمات‭. ‬إن‭ ‬ثبات‭ ‬الدولة‭ ‬إبان‭ ‬الأزمات‭ ‬يمثل‭ ‬الركيزة‭ ‬الأساسية‭ ‬لحماية‭ ‬السيادة‭ ‬والاستقرار،‭ ‬حيث‭ ‬يتلاحم‭ ‬فيه‭ ‬وعي‭ ‬المواطن‭ ‬مع‭ ‬كفاءة‭ ‬المسؤول‭ ‬لإنتاج‭ ‬نموذج‭ ‬صمود‭ ‬يتجاوز‭ ‬التحديات‭ ‬اللوجستية‭ ‬والعسكرية‭ ‬ليصبح‭ ‬ملحمة‭ ‬بقاء‭ ‬وثبات‭ ‬ونهوض‭.‬

 

{‭ ‬باحث‭ ‬وكاتب‭ ‬صحفي‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا