تُقاس صلابة الدول بمدى مرونة اقتصادها وقدرتها على امتصاص الصدمات الجيوسياسية الخارجية دون التأثير في وتيرة الحياة اليومية والتنمية، كذلك تعتمد على قوة مؤسساتها وتماسك جبهتها الداخلية، إن استمرار مملكة البحرين في تنفيذ مشاريع البنية التحتية وضخ الاستثمارات وتنظيم الفعاليات الدولية بالرغم مما تسبب به الصراع الإقليمي من إغلاق الملاحة في مضيق هرمز وتراجع حركة السفن والذي أدى إلى خسائر بسبب عدم القدرة على تصدير الكميات المعتادة من النفط والغاز الأمر الذي أدى إلى تراجع الناتج المحلي الإجمالي.
لكن نجاح الاقتصاد البحريني في التعامل مع الأزمة يعود إلى ركائز استراتيجية متينة قائمة على عدة عوامل منها نجاح استراتيجية التنوع الاقتصادي حيث لم يعد الاقتصاد البحريني رهيناً كليًّا لعائدات النفط الخام المار عبر المضيق، كما أصبحت القطاعات المالية والسياحية والصناعية التحويلية والخدمات اللوجستية هي المحرك الأساسي للنمو، وتوقف أو تباطؤ بعض صادرات الطاقة لا يعني تعطيل طاقات الاقتصاد بل تظل المحركات الأخرى تعمل بكفاءة.
وهذا يبرهن على حكمة وحنكة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله ورعاه الذي يمتلك القدرة العالية على إدارة الأزمات بكل كفاءة واقتدار ويعكس أيضا كفاءة التخطيط الحكومي ليُبرهن على صلابة الدولة وقوتها، ويتجلى ذلك في استمرار عجلة التنمية والبناء في مختلف القطاعات، فأعمال الطرق وتأهيلها وبناء الجسور والأنفاق ومشاريع الصرف الصحي وتطوير شبكات الكهرباء والماء وإعادة تأهيل الطرق وأرصفة المشاة يتم إنجازها حسب الخطة الزمنية المقررة لها وبوتيرة عالية.
كذلك فإن الإنفاق على مؤسسات الدولة كالصحة والتعليم والإسكان والإعلام والشؤون الاجتماعية وجميع القطاعات الأمنية والشؤون الخارجية والقنصلية مستمر ورواتب الموظفين بمختلف القطاعات لم تُمس والدعم الحكومي لمختلف الفئات لم يُمس والفعاليات الوطنية والمعارض الدولية قائمة وتزدهر، والإنفاق على الشؤون الرياضية ودعم الشباب والمشاركة لم يُمس، والبحرين مستمرة في المشاركة في مختلف الفعاليات الرياضية المحلية والدولية على الرغم من الأوضاع الإقليمية المتأزمة التي تشهدها المنطقة، والكثير مما لا يسعنا المجال لذكره.
وعندما نقرأ التاريخ المعاصر ونحلل نماذج صمود مملكة البحرين نجد أن كل النظريات السياسية والاقتصادية تتجسد اليوم على أرض الواقع في نموذج وطني رائد حيث يمثل هذا الثبات والموثوقية رسالة ثقة موجهة إلا العالم بأن مملكة البحرين بقيادة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى بن سلمان آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه قادرة على إدارة وتأمين مصالحها في كل الظروف والمتغيرات وستبقى واحة أمن ومنارة استقرار، وهذا هو نتاج التخطيط الاستباقي للأزمات وسياسات تنويع اقتصادي ناجحة تمكن الدولة من امتصاص الصدمات الخارجية الإقليمية.
ذلك أن بناء اقتصاد مرن ومتنوع والاعتماد على بدائل لوجستية متعددة هو الذي يحمي الدول من الأزمات الإقليمية والدولية، ويجعل حركة البناء والإنفاق الحكومي مستمرة لضمان جودة حياة المواطنين أو خطط البناء المستقبلية، وقد أثبتت المملكة نجاحاً ملموساً في تحويل التحديات الإقليمية إلى فرص حقيقية عبر رؤية البحرين الاقتصادية 2030 وخطة التعافي الاقتصادي.
إن التاريخ الإنساني في جوهره ليس إلا سلسلة من الأزمات والتحولات ولم تكن الحروب يوماً مجرد اختبار للقوة العسكرية الغاشمة، بل هي الاختبار الأعظم لصلابة المجتمعات وديمومة الدول، فعندما تضع الحروب أوزارها لا تنجو الدول الأكثر تسلحاً بالضرورة بل تنجو تلك التي تمتلك مؤسسات مرنة وجبهة داخلية متماسكة وتمتلك اقتصاداً قادراً على التكيف.
وكما قال رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ونستون تشرشل في ذروة الحرب العالمية الثانية: «إذا كنت تمر بجحيم، فاستمر في السير» هذا الاستمرار لا يعتمد على العاطفة، بل على خطط مسبقة واحتياطيات استراتيجية وإدارة واعية للأزمات. إن ثبات الدولة إبان الأزمات يمثل الركيزة الأساسية لحماية السيادة والاستقرار، حيث يتلاحم فيه وعي المواطن مع كفاءة المسؤول لإنتاج نموذج صمود يتجاوز التحديات اللوجستية والعسكرية ليصبح ملحمة بقاء وثبات ونهوض.
{ باحث وكاتب صحفي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك