تكتسب الهجمات بالطائرات المسيرة أهمية بالغة بالنسبة إلى دول الخليج؛ فمن ناحية أدركت هذه الدول حدود قدرة الولايات المتحدة على توفير حماية كاملة لشركائها الإقليميين، ومن ناحية أخرى يتعين عليها حماية بنيتها التحتية الحيوية من تهديدات الطائرات المسيرة والصواريخ الإيرانية.
وفي ظل هذه الظروف تزداد قناعة دول الخليج العربية بأنها لا تستطيع بناء أمنها استناداً فقط إلى وعود واشنطن وضماناتها.
ونتيجة لذلك، فمن المرجح أن تتجه هذه الدول نحو تنويع علاقاتها الخارجية، وتعزيز التعاون الإقليمي، وتوسيع نطاق علاقاتها مع مراكز قوى أخرى، بدلاً من الاعتماد الكلي على الولايات المتحدة.
إن شراء الأسلحة وأنظمة الدفاع من الولايات المتحدة، في هذا السياق، لا يُعد بالضرورة مؤشراً على استعادة الثقة، بل قد يكون جزءاً من حسابات براغماتية لتلبية احتياجات دفاعية ملحة.
وبعبارة أخرى، قد تواصل دول المنطقة الاستفادة من القوة العسكرية والتكنولوجيا الأمريكية، مع العمل في الوقت ذاته على تطوير خيارات بديلة؛ وذلك لضمان عدم بقائها بلا دعم في حال تغير موقف واشنطن أو تراجع التزاماتها.
ومن شأن هذا التوجه أن يقلل تدريجياً من اعتماد المنطقة الأمني على قوة واحدة، وأن يمهد الطريق لتشكيل ترتيبات أمنية أكثر تنوعاً وتعددية.
لعب أسلوب دونالد ترامب في اتخاذ القرار دوراً في تشكيل هذا الموقف؛ فقد اعتمد الرئيس الأمريكي على افتراض إمكانية تحقيق نتائج سريعة عبر التصريحات الحازمة والتهديدات واستعراض القوة، إلا أنه أخطأ في تقدير رد الفعل الإيراني والقدرات الإيرانية.
ونتيجة لذلك، اضطرت واشنطن إلى العدول عن خطتها الأصلية وتكريس موارد كبيرة لتصحيح مسارها السياسي والعسكري استجابةً للأزمة؛ إذ تحولت العملية -التي كان يُفترض أن تكون خاطفة- إلى أزمة ممتدة، ما رتّب على الولايات المتحدة تكاليف سياسية وعلى صعيد السمعة، فضلاً عن التكاليف العسكرية.
كما كان التحول في نبرة ترامب أثناء الأزمة لافتاً؛ ففي البداية ارتكز خطابه على الحزم والتهديد وإعلان النجاح التام، ولكن مع تطور الأحداث أصبح إنهاء العملية مرتبطاً بشكل متزايد بقبول إيران شروطا محددة والتوصل إلى اتفاق سياسي.
وهكذا، تحولت الولايات المتحدة الأمريكية في خطابها من استعراض القوة إلى التفاوض سعياً لتأمين المكاسب التي كانت قد حققتها بالفعل.
ربما تكمن المسألة الأهم في أن الكلفة الحقيقية لهذه الأزمة بالنسبة إلى الولايات المتحدة لن تنتهي بمجرد انتهاء العملية؛ ففي حين يمثل فشل واشنطن في تحقيق أهدافها المعلنة انتكاسةً سياسية وعسكرية، فإن التبعات اللاحقة لهذا الفشل قد تكون أشد وطأةً على أمريكا.
أولاً: ستزداد صعوبة التفاوض مع دول الشرق الأوسط بشأن الحفاظ على الوجود العسكري الأمريكي أو توسيعه؛ ما يعني أن الدول العربية وإسرائيل ستطالب -على الأرجح- بضمانات أمنية أوسع والتزامات أكثر وضوحاً في أي اتفاقيات جديدة.
ثانياً: قد يفتح الفشل العملي للولايات المتحدة الأمريكية الباب أمام تعاون رسمي أقوى بين دول المنطقة، فضلاً عن إبرام اتفاقيات غير رسمية وخلف الكواليس فيما بينها، ومن دون تنسيق مع واشنطن.
وثالثاً: قد تجعل التجربة الإيرانية من الصعب على الولايات المتحدة الأمريكية تبرير أي عمليات عسكرية جديدة أو توسيع الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة أمام ناخبيها.
وقد يتحول خفض مستوى انخراط القوات المسلحة الأمريكية في الصراعات الخارجية إلى شعار انتخابي، كما سيستغل منافسو ترامب في الحزب الديمقراطي هذه القضية لشن هجمات سياسية على إدارته.
وفي الوقت نفسه، لا تقتصر تداعيات هذه الانتكاسة على الكلفة الخارجية التي تتحملها واشنطن، بل قد تمتد لتشمل عواقب سياسية داخلية في الولايات المتحدة، حيث سيستغلها الديمقراطيون كنقطة ضعف ضد إدارة ترامب.
إن ما يتآكل ليس بالضرورة القوة العسكرية الأمريكية، بل مصداقية التزاماتها؛ فالولايات المتحدة لا تزال تمتلك قدرات عسكرية واقتصادية هائلة، فضلاً عن شبكة من الشركاء الإقليميين، غير أن القوة لا تترجم إلى نفوذ دائم إلا عندما يثق الطرف الآخر في التزامات القوة التي تمتلكها.
وقد عززت تجربة المواجهة مع إيران قناعةً لدى بعض شركاء واشنطن بأن الولايات المتحدة الأمريكية، في أوقات الأزمات، تعطي الأولوية لمصالحها الخاصة على حساب مصالح شركائها الإقليميين.
وفي ظل هذه الظروف، تتحول الولايات المتحدة الأمريكية من ضامن طبيعي للأمن إلى شريك يتطلب كل التزام من جانبه توفير ضمانات والانخراط في مفاوضات وإجراء حسابات دقيقة.
ومن هذا المنظور، لا يشير مصطلح «الشريك المُكلِف» إلى إنهاء العلاقات الأمريكية مع دول المنطقة بقدر ما يشير إلى تحوّل في طبيعة تلك العلاقات؛ إذ باتت علاقاتٍ تراجعت فيها مستويات الثقة، في حين تزايدت فيها مشاعر الحذر، والمطالبة بضمانات، والبحث عن خيارات بديلة.
هل هي نهاية النفوذ الأمريكي أم بداية لإعادة تموضع إقليمي؟
من غير المرجح أن تسعى دول الشرق الأوسط إلى استبدال الولايات المتحدة كلياً بقوة أخرى؛ فالسيناريو الأرجح يتمثل في تنويع العلاقات الخارجية، وتوسيع نطاق التعاون الإقليمي، والتفاعل المتزامن مع مراكز قوى متعددة.
وستعمل هذه الدول على الحد من مخاطر الاعتماد على قوة واحدة، وذلك لتقليل قابليتها للتأثر بالتحولات المفاجئة في السياسة الأمريكية. وبناء عليه، فإن أهم تداعيات المواجهة مع إيران تكمن في التغير الذي طرأ على عقلية حلفاء أمريكا وشركائها.
قد تظل الولايات المتحدة واحدة من أقوى الأطراف العسكرية الفاعلة في الشرق الأوسط، ولكن إذا لم يعد حلفاؤها ينظرون إلى وجودها باعتباره ضمانة دائمة لأمنهم، فإن هيكلية النفوذ الأمريكي في المنطقة ستتآكل تدريجياً من الداخل.
ولعل هذه هي النتيجة الحقيقية لهذه الأزمة؛ فالولايات المتحدة لن تخسر الشرق الأوسط بالضرورة، لكنها لن تعود متمتعة بتلك الهيمنة المطلقة التي كانت تحظى بها سابقاً على الحسابات الأمنية في المنطقة.
{ كاتب طاجيكي مهتم بشؤون
الصراعات والشرق الأوسط.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك