العدد : ١٧٧٢٠ - الاثنين ٢٨ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٧ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٢٠ - الاثنين ٢٨ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٧ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

الصين ودروس المواجهة الاقتصادية بين أمريكا واليابان في الثمانينيات

بقلم: د. حسن يوسف على

الاثنين ٢٨ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

صادفت‭ ‬الذكرى‭ ‬الحادية‭ ‬والأربعون‭ ‬لتوقيع‭ ‬اتفاق‭ ‬‮«‬بلازا‮»‬‭ ‬يوم‭ ‬الثاني‭ ‬والعشرين‭ ‬من‭ ‬سبتمبر‭ ‬لعام‭ ‬1985،‭ ‬وهو‭ ‬الحدث‭ ‬الذي‭ ‬حفر‭ ‬اسمه‭ ‬كأحد‭ ‬أكثر‭ ‬المنعطفات‭ ‬الدرامية‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الياباني‭ ‬المعاصر‭. ‬ففي‭ ‬أروقة‭ ‬فندق‭ ‬بلازا‭ ‬العريق‭ ‬بنيويورك،‭ ‬تلاقت‭ ‬إرادة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬مع‭ ‬زميلاتها‭ ‬في‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ (‬ألمانيا‭ ‬الغربية،‭ ‬وفرنسا،‭ ‬وبريطانيا‭) ‬على‭ ‬صياغة‭ ‬تدخل‭ ‬منسق‭ ‬يرمي‭ ‬إلى‭ ‬تحجيم‭ ‬سعر‭ ‬الدولار‭ ‬أمام‭ ‬الين‭. ‬حينها،‭ ‬كانت‭ ‬أمريكا‭ ‬توجه‭ ‬أصابع‭ ‬الاتهام‭ ‬إلى‭ ‬طوكيو‭ ‬بتعمد‭ ‬خفض‭ ‬قيمة‭ ‬عملتها‭ ‬اصطناعياً،‭ ‬في‭ ‬خطوة‭ ‬اعتبرتها‭ ‬واشنطن‭ ‬طعنة‭ ‬نافذة‭ ‬لصناعاتها‭ ‬وصادراتها‭ ‬الوطنية‭. ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬اللافتة‭ ‬المرفوعة‭ ‬كانت‭ ‬معالجة‭ ‬العجز‭ ‬التجاري‭ ‬الأمريكي‭ ‬المتورم،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الحقيقة‭ ‬المستترة‭ ‬تجسدت‭ ‬في‭ ‬إلقاء‭ ‬العبء‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬فاتورة‭ ‬التصحيح‭ ‬على‭ ‬كاهل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الياباني‭. ‬وفى‭ ‬رأيي‭ ‬فإن‭ ‬اتفاق‭ ‬بلازا‭ ‬كان‭ ‬قنبلة‭ ‬نووية‭ ‬أخرى‭ ‬أسقطتها‭ ‬أمريكا‭ ‬على‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الياباني‭ ‬الذي‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬يعاني‭ ‬ويلاته‭ ‬حتى‭ ‬وقتنا‭ ‬الحالي‭!‬

لم‭ ‬تكن‭ ‬اليابان‭ ‬خصمًا‭ ‬يستهان‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬مضمار‭ ‬المنافسة‭. ‬فقد‭ ‬التقطت‭ ‬بذكاء‭ ‬خيوط‭ ‬الفرصة‭ ‬المنسوجة‭ ‬من‭ ‬رحم‭ ‬أزمة‭ ‬حظر‭ ‬النفط‭ ‬إبان‭ ‬حرب‭ ‬1973،‭ ‬حين‭ ‬قفزت‭ ‬أسعار‭ ‬الخام‭ ‬بضراوة‭ ‬من‭ ‬ثلاثة‭ ‬دولارات‭ ‬إلى‭ ‬اثني‭ ‬عشر‭ ‬دولارًا،‭ ‬لتبلغ‭ ‬سقف‭ ‬السبعة‭ ‬والعشرين‭ ‬دولارًا‭ ‬في‭ ‬غضون‭ ‬عامين‭. ‬أمام‭ ‬هذا‭ ‬الصعود‭ ‬الجنوني،‭ ‬فرّ‭ ‬المستهلك‭ ‬الأمريكي‭ ‬فزعاً‭ ‬من‭ ‬سيارته‭ ‬التي‭ ‬تحتاج‭ ‬محطة‭ ‬للوقود‭ ‬خلفها،‭ ‬باحثاً‭ ‬عن‭ ‬ملاذ‭ ‬في‭ ‬المركبات‭ ‬الصغيرة‭. ‬هنا،‭ ‬كانت‭ ‬المصانع‭ ‬اليابانية‭ ‬تقف‭ ‬بالبديل،‭ ‬تعرض‭ ‬سيارات‭ ‬صغيرة‭ ‬مدمجة،‭ ‬اقتصادية،‭ ‬رفيعة‭ ‬الجودة،‭ ‬وبأسعار‭ ‬لا‭ ‬تُقاوم‭. ‬وهكذا،‭ ‬طفرت‭ ‬صادراتها‭ ‬للسوق‭ ‬الأمريكية‭ ‬من‭ ‬381‭ ‬ألف‭ ‬سيارة‭ ‬في‭ ‬1970‭ ‬لتلامس‭ ‬عتبة‭ ‬المليوني‭ ‬سيارة‭ ‬بحلول‭ ‬1980،‭ ‬وليتضخم‭ ‬نصيبها‭ ‬من‭ ‬كعكة‭ ‬السوق‭ ‬الأمريكية‭ ‬من‭ ‬9‭% ‬إلى‭ ‬22‭%. ‬ولم‭ ‬يقف‭ ‬الزحف‭ ‬عند‭ ‬هذا‭ ‬الحد؛‭ ‬فبحلول‭ ‬1988،‭ ‬التهمت‭ ‬الشركات‭ ‬اليابانية‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬السوق‭ ‬العالمية‭ ‬لأشباه‭ ‬الموصلات،‭ ‬واشترت‭ ‬الشركات‭ ‬اليابانية‭ (‬متسوبيشي‭) ‬حصة‭ ‬مسيطرة‭ ‬من‭ ‬مبنى‭ ‬روكفلر‭ (‬بكل‭ ‬رمزيته‭ ‬وإضاءة‭ ‬شجرة‭ ‬الكريسماس‭ ‬فيه‭ ‬كل‭ ‬عام‭) ‬في‭ ‬نيويورك‭ ‬مما‭ ‬أجج‭ ‬نيران‭ ‬الغضب‭ ‬في‭ ‬الشارع‭ ‬الأمريكي‭ ‬الذي‭ ‬راقب‭ ‬باختناق‭ ‬طوفان‭ ‬المنتجات‭ ‬اليابانية‭ ‬يجتاح‭ ‬أسواقه‭ ‬ويشترى‭ ‬عقاراته‭!.‬

أمام‭ ‬هذا‭ ‬المشهد،‭ ‬أدركت‭ ‬واشنطن‭ ‬أن‭ ‬الخلل‭ ‬التجاري‭ ‬يتجاوز‭ ‬لغة‭ ‬الأرقام‭ ‬ليلامس‭ ‬عصب‭ ‬سيادتها‭ ‬الصناعية‭ ‬ومكانتها‭ ‬الدولية؛‭ ‬فاليابان‭ ‬كانت‭ ‬تسابق‭ ‬الزمن‭ ‬لتتربع‭ ‬على‭ ‬عرش‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬كرقم‭ ‬واحد‭. ‬استلّت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬أسلحتها‭ ‬السياسية‭ ‬والمالية،‭ ‬مستغلة‭ ‬عباءة‭ ‬التحالف‭ ‬الأمني‭ ‬الذي‭ ‬كبل‭ ‬يد‭ ‬طوكيو‭ ‬عن‭ ‬صد‭ ‬الضغوط،‭ ‬لتُسفر‭ ‬المواجهة‭ ‬عن‭ ‬اتفاقية‭ ‬بلازا‭ ‬التي‭ ‬حلقت‭ ‬بالين‭ ‬عاليا‭ ‬بنسبة‭ ‬46‭% ‬أمام‭ ‬الدولار‭ ‬حتى‭ ‬أواخر‭ ‬1986،‭ ‬مسددة‭ ‬ضربة‭ ‬قاصمة‭ ‬لتنافسية‭ ‬الصادرات‭ ‬اليابانية‭ ‬ومحركة‭ ‬لزلزال‭ ‬عنيف‭ ‬في‭ ‬نموذجها‭ ‬التصديري‭. ‬لقد‭ ‬جسّد‭ ‬هذا‭ ‬الاتفاق‭ ‬براعة‭ ‬القيادة‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬عزف‭ ‬سيمفونية‭ ‬القوة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والدبلوماسية‭ ‬المزدوجة‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬ريجان،‭ ‬بقيادة‭ ‬وزير‭ ‬الخزانة‭ ‬جيمس‭ ‬بيكر‭ ‬ومساعده‭ ‬ريتشارد‭ ‬دارمان،‭ ‬لإنقاذ‭ ‬الميزان‭ ‬التجاري‭ ‬الذي‭ ‬نزف‭ ‬عجزاً‭ ‬بلغ‭ ‬122‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬في‭ ‬1985‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬إلقاء‭ ‬لائمة‭ ‬‮«‬العقد‭ ‬الضائع‮»‬‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الاتفاق‭ ‬وحده‭ ‬يُعد‭ ‬قراءة‭ ‬غير‭ ‬متأنية‭ ‬للتاريخ؛‭ ‬فالاتفاق‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬سوى‭ ‬عود‭ ‬الثقاب،‭ ‬أما‭ ‬الحريق‭ ‬فكان‭ ‬من‭ ‬صنع‭ ‬الداخل‭. ‬فذعراً‭ ‬من‭ ‬شبح‭ ‬الركود،‭ ‬سارعت‭ ‬طوكيو‭ ‬لضخ‭ ‬ائتمان‭ ‬رخيص‭ ‬وخفض‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة،‭ ‬ليتضاعف‭ ‬الائتمان‭ ‬وتشتعل‭ ‬أسعار‭ ‬الأسهم‭ ‬والعقارات‭ ‬إلى‭ ‬ثلاثة‭ ‬أضعافها‭ ‬بين‭ ‬1985‭ ‬و1989‭. ‬وما‭ ‬إن‭ ‬أزف‭ ‬عام‭ ‬1990‭ ‬حتى‭ ‬انفجرت‭ ‬الفقاعة،‭ ‬لتتبخر‭ ‬ثلث‭ ‬قيمة‭ ‬الأسهم‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬واحد،‭ ‬وتغرق‭ ‬البلاد‭ ‬في‭ ‬مستنقع‭ ‬ديون‭ ‬متعثرة‭ ‬وأزمة‭ ‬مصرفية‭ ‬خانقة‭ ‬وركود‭ ‬عميق‭ ‬لم‭ ‬تخرج‭ ‬منه‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭.‬

الدرس‭ ‬الجوهري‭ ‬هنا‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬صدمات‭ ‬أسعار‭ ‬الصرف‭ ‬لا‭ ‬تصنع‭ ‬عقوداً‭ ‬ضائعة‭ ‬بمفردها،‭ ‬بل‭ ‬الردود‭ ‬الداخلية‭ ‬الهوجاء‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬تخلد‭ ‬الأزمات‭. ‬لقد‭ ‬تقاعست‭ ‬اليابان‭ ‬عن‭ ‬تطهير‭ ‬قطاعها‭ ‬المصرفي‭ ‬وهيكلة‭ ‬شركاتها‭ ‬وتنشيط‭ ‬طلبها‭ ‬الداخلي،‭ ‬ليهوي‭ ‬متوسط‭ ‬نموها‭ ‬من‭ ‬4‭.‬4‭% ‬في‭ ‬الثمانينيات‭ ‬إلى‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬1%‭ ‬في‭ ‬العقود‭ ‬اللاحقة‭. ‬هذه‭ ‬هي‭ ‬القصة‭ ‬التي‭ ‬ينبغي‭ ‬للصين‭ ‬أن‭ ‬تقرأها‭ ‬اليوم‭ ‬وتستوعب‭ ‬دلالتها‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تكررها‭ ‬بصورة‭ ‬أكبر‭ ‬وأكثر‭ ‬كلفة‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬سوف‭ ‬نعرض‭ ‬له‭ ‬الأسبوع‭ ‬القادم‭.‬

 

{‭ ‬أستاذ‭ ‬الاقتصاد‭ ‬بجامعة‭ ‬ولاية‭ ‬أوهايو‭ ‬وجامعة‭ ‬النيل‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا