العدد : ١٧٧١٩ - الأحد ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ ربيع الآخر أو ربيع الثاني ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧١٩ - الأحد ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ ربيع الآخر أو ربيع الثاني ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

على مسار اللؤلؤ.. زيارة تليق بالغواص

بقلم: نبيلة رجب

الأحد ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

يقف‭ ‬الزائر‭ ‬أمام‭ ‬باب‭ ‬خشبي‭ ‬منقوش‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬أزقة‭ ‬المحرق،‭ ‬ويرفع‭ ‬هاتفه‭ ‬ليلتقط‭ ‬له‭ ‬صورة‭. ‬يعجبه‭ ‬الخشب‭ ‬القديم‭ ‬وما‭ ‬حُفر‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬زخارف،‭ ‬ويعجبه‭ ‬كذلك‭ ‬المجلس‭ ‬الواسع‭ ‬خلف‭ ‬الباب،‭ ‬ثم‭ ‬يمضي‭ ‬إلى‭ ‬البيت‭ ‬التالي‭ ‬وفي‭ ‬هاتفه‭ ‬صورة‭ ‬جميلة،‭ ‬لكنها‭ ‬تحكي‭ ‬نصف‭ ‬القصة‭ ‬فقط‭.‬

يحل‭ ‬علينا‭ ‬يوم‭ ‬السياحة‭ ‬العالمي‭ ‬في‭ ‬27‭ ‬سبتمبر،‭ ‬وموضوعه‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬والتحول‭ ‬الرقمي‭ ‬في‭ ‬السفر‭. ‬وقد‭ ‬أصبح‭ ‬الهاتف‭ ‬اليوم‭ ‬يعرّف‭ ‬الزائر‭ ‬باسم‭ ‬البيت‭ ‬وتاريخ‭ ‬بنائه‭ ‬في‭ ‬ثوانٍ،‭ ‬أما‭ ‬قصة‭ ‬الغواص‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬وراء‭ ‬هذه‭ ‬البيوت‭ ‬فتحتاج‭ ‬إلى‭ ‬زائر‭ ‬يبحث‭ ‬عنها‭.‬‮ ‬

أدرجت‭ ‬اليونسكو‭ ‬مسار‭ ‬اللؤلؤ‭ ‬على‭ ‬قائمة‭ ‬التراث‭ ‬العالمي‭ ‬عام‭ ‬2012‭ ‬تحت‭ ‬اسم‭ ‬‮«‬اللؤلؤ،‭ ‬شاهد‭ ‬على‭ ‬اقتصاد‭ ‬جزيرة‮»‬،‭ ‬ووصفت‭ ‬الغوص‭ ‬بأنه‭ ‬عمل‭ ‬يبعث‭ ‬على‭ ‬الفخر،‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬خطر‭ ‬وشاق‭. ‬والمسار‭ ‬كما‭ ‬سمّته‭ ‬اليونسكو‭ ‬شاهد‭ ‬على‭ ‬الأمرين‭ ‬معاً،‭ ‬على‭ ‬بيوت‭ ‬التجار‭ ‬العريقة،‭ ‬وعلى‭ ‬تعب‭ ‬الرجال‭ ‬الذين‭ ‬غاصوا‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬حتى‭ ‬قامت‭ ‬تلك‭ ‬البيوت‭. ‬وحياة‭ ‬هؤلاء‭ ‬الرجال‭ ‬كانت‭ ‬أقسى‭ ‬مما‭ ‬يتخيله‭ ‬الزائر‭ ‬اليوم،‭ ‬ولها‭ ‬شروط‭ ‬يستحسن‭ ‬أن‭ ‬يعرفها‭.‬

كان‭ ‬الغواص‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الزمن‭ ‬يعمل‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أجر‭ ‬ثابت؛‭ ‬فقبل‭ ‬موسم‭ ‬الغوص‭ ‬يأخذ‭ ‬من‭ ‬النوخذة‭ ‬مبلغاً‭ ‬يسمى‭ ‬‮«‬السلف‮»‬،‭ ‬يتركه‭ ‬لأهله‭ ‬ليعيشوا‭ ‬به‭ ‬طوال‭ ‬غيابه‭ ‬في‭ ‬البحر‭. ‬وبعد‭ ‬انتهاء‭ ‬الموسم‭ ‬يأخذ‭ ‬قرضاً‭ ‬آخر‭ ‬يسمى‭ ‬‮«‬التسقام‮»‬،‭ ‬يعيش‭ ‬به‭ ‬حتى‭ ‬يبدأ‭ ‬الموسم‭ ‬التالي‭. ‬والمفترض‭ ‬أن‭ ‬يسدد‭ ‬ذلك‭ ‬كله‭ ‬من‭ ‬نصيبه‭ ‬في‭ ‬اللؤلؤ‭ ‬الذي‭ ‬يُستخرج‭.‬‮ ‬

لكن‭ ‬البحر‭ ‬يعطي‭ ‬أحياناً‭ ‬ويمنع‭ ‬أحياناً،‭ ‬والدين‭ ‬يزداد‭ ‬بما‭ ‬يضيفه‭ ‬الدائن‭ ‬من‭ ‬ربح‭. ‬وأكثر‭ ‬الغواصين‭ ‬أمّيون،‭ ‬والحساب‭ ‬يُكتب‭ ‬في‭ ‬دفتر‭ ‬عند‭ ‬الدائن،‭ ‬فيصدّق‭ ‬الغواص‭ ‬ما‭ ‬يُقرأ‭ ‬عليه‭. ‬فيعود‭ ‬من‭ ‬موسمه‭ ‬وقد‭ ‬نقص‭ ‬دينه‭ ‬قليلاً‭ ‬أو‭ ‬زاد،‭ ‬ثم‭ ‬يأخذ‭ ‬سلفاً‭ ‬جديداً،‭ ‬وهكذا‭ ‬يبقى‭ ‬مرتبطاً‭ ‬بالسفينة‭ ‬نفسها‭ ‬سنة‭ ‬بعد‭ ‬سنة،‭ ‬وقد‭ ‬تمضي‭ ‬حياته‭ ‬كلها‭ ‬وهو‭ ‬يسدد‭ ‬ديناً‭ ‬يتجدد‭ ‬كل‭ ‬عام‭.‬

والأقسى‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الدين‭ ‬كان‭ ‬ينتقل‭ ‬بعد‭ ‬موته‭ ‬إلى‭ ‬أبنائه،‭ ‬وهذا‭ ‬أمر‭ ‬يذكره‭ ‬الموقع‭ ‬الرسمي‭ ‬لمسار‭ ‬اللؤلؤ‭ ‬بوضوح‭. ‬فينزل‭ ‬الابن‭ ‬إلى‭ ‬البحر‭ ‬ليسدد‭ ‬ما‭ ‬اقترضه‭ ‬أبوه‭. ‬وكثيراً‭ ‬ما‭ ‬أتخيل‭ ‬ذلك‭ ‬الابن‭ ‬في‭ ‬أول‭ ‬نزوله‭ ‬إلى‭ ‬البحر،‭ ‬يحبس‭ ‬أنفاسه‭ ‬في‭ ‬الأعماق‭ ‬ليسدد‭ ‬ديناً‭ ‬أخذه‭ ‬غيره،‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬ناله‭ ‬منه‭ ‬لقيمات‭ ‬أكلها‭ ‬صغيراً‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬أبيه‭.‬‮ ‬

وحفظت‭ ‬فنون‭ ‬البحر‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬شيئاً‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الألم‭ ‬بأصوات‭ ‬أصحابه،‭ ‬ففي‭ ‬صوت‭ ‬النهّام‭ ‬وفي‭ ‬مواويل‭ ‬الفجري‭ ‬حزن‭ ‬رجال‭ ‬طال‭ ‬غيابهم‭ ‬عن‭ ‬بيوتهم‭ ‬وأطفالهم‭. ‬ومن‭ ‬يسمعها‭ ‬وهو‭ ‬يعرف‭ ‬ما‭ ‬عاشه‭ ‬هؤلاء‭ ‬الرجال‭ ‬يشعر‭ ‬فيها‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬الطرب‭.‬

وهنا‭ ‬أتوقف‭ ‬طويلاً؛‭ ‬فالأصل‭ ‬في‭ ‬الشريعة‭ ‬والقانون‭ ‬أن‭ ‬ديون‭ ‬المتوفى‭ ‬تُسدَّد‭ ‬من‭ ‬تركته،‭ ‬أي‭ ‬مما‭ ‬تركه‭ ‬من‭ ‬مال،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تُقسم‭ ‬على‭ ‬الورثة‭. ‬ويبقى‭ ‬الوارث‭ ‬بريئاً‭ ‬منها‭ ‬في‭ ‬ماله‭ ‬الخاص‭ ‬وفي‭ ‬جسده‭ ‬وعمره‭. ‬وفي‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬رحمة‭ ‬بالمدين‭ ‬المعسر،‭ ‬في‭ ‬قوله‭ ‬تعالى‭ ‬‮«‬وإن‭ ‬كان‭ ‬ذو‭ ‬عسرة‭ ‬فنظرة‭ ‬إلى‭ ‬ميسرة‮»‬‭. ‬فعلى‭ ‬الدائن‭ ‬أن‭ ‬يمهل‭ ‬العاجز‭ ‬عن‭ ‬السداد‭ ‬حتى‭ ‬تتحسن‭ ‬حاله،‭ ‬وأن‭ ‬يتصدق‭ ‬عليه‭ ‬إن‭ ‬استطاع‭ ‬فذلك‭ ‬خير‭ ‬له‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬العرف‭ ‬على‭ ‬السفن‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭ ‬خالف‭ ‬هذا‭ ‬كله،‭ ‬وحمّل‭ ‬الأبناء‭ ‬ما‭ ‬رفعته‭ ‬الشريعة‭ ‬عنهم‭.‬

ومن‭ ‬الإنصاف‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬المشكلة‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬طريقة‭ ‬تمويل‭ ‬الغوص‭ ‬نفسها‭ ‬أكثر‭ ‬مما كانت‭ ‬في‭ ‬الأشخاص،‭ ‬فكثير‭ ‬من‭ ‬النواخذة‭ ‬كانوا‭ ‬هم‭ ‬أيضاً‭ ‬مدينون‭ ‬لتجار‭ ‬أكبر‭ ‬منهم‭. ‬ولما‭ ‬ظهر‭ ‬اللؤلؤ‭ ‬المستزرع‭ ‬في‭ ‬اليابان‭ ‬وانهارت‭ ‬الأسعار‭ ‬في‭ ‬الثلاثينيات،‭ ‬خسر‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬أصحاب‭ ‬السفن‭ ‬والتجار‭ ‬أموالهم،‭ ‬وأُغلقت‭ ‬بيوت‭ ‬كانت‭ ‬عامرة‭.‬

وفي‭ ‬عشرينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬صدرت‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬أنظمة‭ ‬جديدة‭ ‬للغوص،‭ ‬أصبح‭ ‬بموجبها‭ ‬لكل‭ ‬غواص‭ ‬دفتر‭ ‬حساب‭ ‬تُدوَّن‭ ‬فيه‭ ‬ديونه‭ ‬وأرباحه،‭ ‬ويحق‭ ‬له‭ ‬الاطلاع‭ ‬عليه‭. ‬وأهم‭ ‬ما‭ ‬جاءت‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬رأيي‭ ‬أن‭ ‬دين‭ ‬الغواص‭ ‬صار‭ ‬ينتهي‭ ‬بوفاته،‭ ‬وبذلك‭ ‬انتهى‭ ‬عرف‭ ‬كان‭ ‬يحمّل‭ ‬الأبناء‭ ‬ديون‭ ‬آبائهم‭.‬

ثم‭ ‬اكتُشف‭ ‬النفط‭ ‬عام‭ ‬1932،‭ ‬ففتح‭ ‬لاحقاً‭ ‬أمام‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬أهل‭ ‬البحر‭ ‬أبواب‭ ‬عمل‭ ‬بأجر‭ ‬منتظم‭ ‬خارج‭ ‬الغوص‭. ‬وتحولت‭ ‬سفن‭ ‬كثيرة‭ ‬شيئاً‭ ‬فشيئاً‭ ‬إلى‭ ‬خشب‭ ‬راكد‭ ‬على‭ ‬الساحل‭.‬

وما‭ ‬يتمتع‭ ‬به‭ ‬العامل‭ ‬اليوم‭ ‬من‭ ‬أجر‭ ‬محدد،‭ ‬ومن‭ ‬قوانين‭ ‬تحدد‭ ‬ما‭ ‬يجوز‭ ‬خصمه‭ ‬من‭ ‬راتبه،‭ ‬جاء‭ ‬بعد‭ ‬طريق‭ ‬طويل‭. ‬فقد‭ ‬سبقته‭ ‬أجيال‭ ‬تعبت‭ ‬في‭ ‬الأعماق،‭ ‬وخرجت‭ ‬من‭ ‬البحر‭ ‬باللؤلؤ‭ ‬لغيرها‭ ‬وبالديون‭ ‬لنفسها‭.‬

لذلك‭ ‬أرى‭ ‬أن‭ ‬مسار‭ ‬اللؤلؤ‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬نزهة‭ ‬بين‭ ‬بيوت‭ ‬قديمة‭ ‬جميلة،‭ ‬فهو‭ ‬سجل‭ ‬لتاريخ‭ ‬حقوق‭ ‬العامل‭ ‬في‭ ‬البحرين‭. ‬ومن‭ ‬يمشي‭ ‬فيه‭ ‬وهو‭ ‬يعرف‭ ‬تاريخ‭ ‬الغواص‭ ‬يرى‭ ‬ما‭ ‬وراء‭ ‬الحجر‭. ‬وأجمل‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يفعله‭ ‬الأب‭ ‬وهو‭ ‬يزور‭ ‬المسار‭ ‬مع‭ ‬أبنائه‭ ‬أن‭ ‬يحكي‭ ‬لهم‭ ‬قصة‭ ‬الابن‭ ‬الذي‭ ‬نزل‭ ‬إلى‭ ‬البحر‭ ‬بدين‭ ‬أبيه،‭ ‬ليعرفوا‭ ‬أن‭ ‬الحقوق‭ ‬التي‭ ‬يعيشونها‭ ‬اليوم‭ ‬لها‭ ‬تاريخ‭ ‬ولها‭ ‬أصحاب‭.‬

ومن‭ ‬التقط‭ ‬صورة‭ ‬الباب‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يعود‭ ‬إليه‭ ‬بعين‭ ‬أخرى؛‭ ‬فالخشب‭ ‬المنقوش‭ ‬جميل‭ ‬ويستحق‭ ‬أن‭ ‬يُحفظ،‭ ‬ومن‭ ‬قام‭ ‬على‭ ‬تعبه‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬هذا‭ ‬الرخاء‭ ‬أحق‭ ‬بأن‭ ‬يُذكر‭. ‬وأحيّي‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬عمل‭ ‬على‭ ‬ترميم‭ ‬هذه‭ ‬البيوت‭ ‬وحفظ‭ ‬قصة‭ ‬أهلها،‭ ‬فقد‭ ‬صان‭ ‬للأجيال‭ ‬ذاكرة‭ ‬البحر‭ ‬كاملة‭. ‬فالتقنية‭ ‬تعطي‭ ‬الزائر‭ ‬الاسم‭ ‬والتاريخ،‭ ‬أما‭ ‬القصة‭ ‬فيحملها‭ ‬إنسان‭ ‬إلى‭ ‬إنسان‭. ‬وفي‭ ‬يوم‭ ‬السياحة‭ ‬العالمي،‭ ‬أتمنى‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬كل‭ ‬زيارة‭ ‬للمسار‭ ‬زيارة‭ ‬تليق‭ ‬بالغواص،‭ ‬يحمله‭ ‬فيها‭ ‬الزائر‭ ‬في‭ ‬قلبه‭ ‬قبل‭ ‬هاتفه‭.‬

‮ ‬{‭ ‬قانونية‭ ‬وكاتبة‭ ‬بحرينية‭.‬

rajabnabeela@gmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا