يقف الزائر أمام باب خشبي منقوش في أحد أزقة المحرق، ويرفع هاتفه ليلتقط له صورة. يعجبه الخشب القديم وما حُفر فيه من زخارف، ويعجبه كذلك المجلس الواسع خلف الباب، ثم يمضي إلى البيت التالي وفي هاتفه صورة جميلة، لكنها تحكي نصف القصة فقط.
يحل علينا يوم السياحة العالمي في 27 سبتمبر، وموضوعه هذا العام الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي في السفر. وقد أصبح الهاتف اليوم يعرّف الزائر باسم البيت وتاريخ بنائه في ثوانٍ، أما قصة الغواص الذي كان وراء هذه البيوت فتحتاج إلى زائر يبحث عنها.
أدرجت اليونسكو مسار اللؤلؤ على قائمة التراث العالمي عام 2012 تحت اسم «اللؤلؤ، شاهد على اقتصاد جزيرة»، ووصفت الغوص بأنه عمل يبعث على الفخر، وهو في الوقت نفسه خطر وشاق. والمسار كما سمّته اليونسكو شاهد على الأمرين معاً، على بيوت التجار العريقة، وعلى تعب الرجال الذين غاصوا في البحر حتى قامت تلك البيوت. وحياة هؤلاء الرجال كانت أقسى مما يتخيله الزائر اليوم، ولها شروط يستحسن أن يعرفها.
كان الغواص في ذلك الزمن يعمل من دون أجر ثابت؛ فقبل موسم الغوص يأخذ من النوخذة مبلغاً يسمى «السلف»، يتركه لأهله ليعيشوا به طوال غيابه في البحر. وبعد انتهاء الموسم يأخذ قرضاً آخر يسمى «التسقام»، يعيش به حتى يبدأ الموسم التالي. والمفترض أن يسدد ذلك كله من نصيبه في اللؤلؤ الذي يُستخرج.
لكن البحر يعطي أحياناً ويمنع أحياناً، والدين يزداد بما يضيفه الدائن من ربح. وأكثر الغواصين أمّيون، والحساب يُكتب في دفتر عند الدائن، فيصدّق الغواص ما يُقرأ عليه. فيعود من موسمه وقد نقص دينه قليلاً أو زاد، ثم يأخذ سلفاً جديداً، وهكذا يبقى مرتبطاً بالسفينة نفسها سنة بعد سنة، وقد تمضي حياته كلها وهو يسدد ديناً يتجدد كل عام.
والأقسى من ذلك أن الدين كان ينتقل بعد موته إلى أبنائه، وهذا أمر يذكره الموقع الرسمي لمسار اللؤلؤ بوضوح. فينزل الابن إلى البحر ليسدد ما اقترضه أبوه. وكثيراً ما أتخيل ذلك الابن في أول نزوله إلى البحر، يحبس أنفاسه في الأعماق ليسدد ديناً أخذه غيره، وكل ما ناله منه لقيمات أكلها صغيراً في بيت أبيه.
وحفظت فنون البحر في البحرين شيئاً من هذا الألم بأصوات أصحابه، ففي صوت النهّام وفي مواويل الفجري حزن رجال طال غيابهم عن بيوتهم وأطفالهم. ومن يسمعها وهو يعرف ما عاشه هؤلاء الرجال يشعر فيها بأكثر من الطرب.
وهنا أتوقف طويلاً؛ فالأصل في الشريعة والقانون أن ديون المتوفى تُسدَّد من تركته، أي مما تركه من مال، قبل أن تُقسم على الورثة. ويبقى الوارث بريئاً منها في ماله الخاص وفي جسده وعمره. وفي القرآن الكريم رحمة بالمدين المعسر، في قوله تعالى «وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة». فعلى الدائن أن يمهل العاجز عن السداد حتى تتحسن حاله، وأن يتصدق عليه إن استطاع فذلك خير له. غير أن العرف على السفن في ذلك الوقت خالف هذا كله، وحمّل الأبناء ما رفعته الشريعة عنهم.
ومن الإنصاف القول إن المشكلة كانت في طريقة تمويل الغوص نفسها أكثر مما كانت في الأشخاص، فكثير من النواخذة كانوا هم أيضاً مدينون لتجار أكبر منهم. ولما ظهر اللؤلؤ المستزرع في اليابان وانهارت الأسعار في الثلاثينيات، خسر كثير من أصحاب السفن والتجار أموالهم، وأُغلقت بيوت كانت عامرة.
وفي عشرينيات القرن الماضي صدرت في البحرين أنظمة جديدة للغوص، أصبح بموجبها لكل غواص دفتر حساب تُدوَّن فيه ديونه وأرباحه، ويحق له الاطلاع عليه. وأهم ما جاءت به في رأيي أن دين الغواص صار ينتهي بوفاته، وبذلك انتهى عرف كان يحمّل الأبناء ديون آبائهم.
ثم اكتُشف النفط عام 1932، ففتح لاحقاً أمام كثير من أهل البحر أبواب عمل بأجر منتظم خارج الغوص. وتحولت سفن كثيرة شيئاً فشيئاً إلى خشب راكد على الساحل.
وما يتمتع به العامل اليوم من أجر محدد، ومن قوانين تحدد ما يجوز خصمه من راتبه، جاء بعد طريق طويل. فقد سبقته أجيال تعبت في الأعماق، وخرجت من البحر باللؤلؤ لغيرها وبالديون لنفسها.
لذلك أرى أن مسار اللؤلؤ أعمق من أن يكون نزهة بين بيوت قديمة جميلة، فهو سجل لتاريخ حقوق العامل في البحرين. ومن يمشي فيه وهو يعرف تاريخ الغواص يرى ما وراء الحجر. وأجمل ما يمكن أن يفعله الأب وهو يزور المسار مع أبنائه أن يحكي لهم قصة الابن الذي نزل إلى البحر بدين أبيه، ليعرفوا أن الحقوق التي يعيشونها اليوم لها تاريخ ولها أصحاب.
ومن التقط صورة الباب يستطيع أن يعود إليه بعين أخرى؛ فالخشب المنقوش جميل ويستحق أن يُحفظ، ومن قام على تعبه في البحر هذا الرخاء أحق بأن يُذكر. وأحيّي كل من عمل على ترميم هذه البيوت وحفظ قصة أهلها، فقد صان للأجيال ذاكرة البحر كاملة. فالتقنية تعطي الزائر الاسم والتاريخ، أما القصة فيحملها إنسان إلى إنسان. وفي يوم السياحة العالمي، أتمنى أن تكون كل زيارة للمسار زيارة تليق بالغواص، يحمله فيها الزائر في قلبه قبل هاتفه.
{ قانونية وكاتبة بحرينية.
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك