شهد التاريخ الإسلامي، قبل البعثة النبوية وبعدها، محاولات متعددة لاستهداف مكة المكرمة أو التأثير في أمنها ومكانتها الدينية، وتُعَدُّ حملة أبرهة الحبشي في عام الفيل أولى صور الاعتداء الكبرى المعروفة في المصادر الإسلامية على البيت الحرام. ومنذ ذلك التاريخ توالت أحداث ومحطات متنوعة اتخذ فيها استهداف مكة المكرمة أشكالاً مختلفة، سواء كانت ذات طبيعة عسكرية مباشرة أو سياسية أو مذهبية. لنحاول في هذا المقال أن نستعرض بعض صور الاعتداء باختصار.
أولاً: أبرهة وعام الفيل (نحو 570م)
أبرهة الأشرم كان واليًا حبشيًا على اليمن تابعًا للنجاشي. بنى في صنعاء كنيسة (القُلَّيس) بقصد تحويل مسار الحج التجاري الديني من مكة إليها، فلما لم ينجح، سار بجيشه ومعه الفيل نحو مكة لهدم الكعبة. ولكن انتهت الحملة بالفشل الذريع، وخلّد القرآن الكريم الحدث في سورة الفيل.
ويمثل أبرهة النموذج الأوضح للاستهداف؛ فقد قصد مباشر هدم البناء نفسه بدافع التنافس الديني والاقتصادي. وقد ترسّخ في الوجدان الإسلامي كأصل يُقاس عليه كل اعتداء لاحق، وهو ما يفسر أن لغة الإدانة في كل الحوادث اللاحقة، حتى المعاصرة منها، تستدعي أبرهة استدعاءً شبه تلقائي.
ثانيًا: الحرم في قلب الصراع الأموي (64هـ و73هـ)
بعد أن رفض عبدالله بن الزبير بيعة يزيد بن معاوية، واتخاذه مكة قاعدة له، أرسل يزيد جيشًا بقيادة مسلم بن عقبة الذي مات في الطريق، فخلفه الحصين بن نمير السكوني. فحاصر الجيش مكة ورماها بالمنجنيق (64هـ / 683م)، فاحترقت الكعبة وتصدّعت أحجارها. وبعدها بسنوات (73هـ / 692م) أرسل عبدالملك بن مروان الحجاج بن يوسف الثقفي، فنصب المنجنيق على جبل أبي قبيس المطل على الحرم، واستمر القصف أشهرًا حتى قُتل ابن الزبير. وأعيد بناء الكعبة بعدها على صورتها القرشية.
وهنا لا نكون أمام قصد هدم البيت، بل أمام صراع على السلطة وتحصّن أحد طرفيه بالحرم، فتحوّلت قداسته إلى درع سياسي، وتحوّل القتال فيه إلى سابقة خطيرة.
ثالثًا: القرامطة ومجزرة الحج (317هـ / 930م)
ومن أخطر اعتداء مادي في تاريخ البيت وقع على يد أبي طاهر سليمان الجنابي، زعيم القرامطة في البحرين (المسمى القديم للمنطقة الشرقية)، الذي اقتحم مكة يوم التروية (8 ذي الحجة 317هـ). وقُتل آلاف الحجاج داخل الحرم وحوله، وطُرحت الجثث في بئر زمزم، ونُهبت كسوة الكعبة، ثم اقتُلع الحجر الأسود ونُقل إلى هَجَر بالأحساء، حيث بقي نحو اثنين وعشرين عامًا قبل إعادته سنة 339هـ.
وقد مثل القرامطة النموذج العقدي الذي يستهدف رمزية المكان ذاتها بقصد نزع المركزية عن مكة. وهو النمط الأشد قسوة في الذاكرة الإسلامية، لأنه جمع بين الدم والانتهاك الرمزي في آن واحد.
رابعاً: القرون الوسيطة والعثمانية.. اضطرابات متكررة
شهدت مكة خلال العصر المملوكي والعثماني اضطرابات متفرقة؛ ونزاعات بين أشراف مكة وولاتها، ومصادمات موسمية بين قوافل الحج المختلفة، وحوادث سطو على القوافل في الطرق المؤدية إلى الحرم. وهذه الفترة مهمة منهجيًا لأنها تُظهر أن أمن الحرم ظل دائمًا دالة على استقرار السلطة المركزية في الجزيرة العربية، لا معطى ثابتًا.
خامسًا: العصر الحديث.. من الاقتحام إلى السلاح بعيد المدى
1- اقتحام جهيمان العتيبي (1 محرم 1400هـ / 20 نوفمبر 1979): اقتحمت جماعة مسلحة بقيادة جهيمان العتيبي المسجد الحرام فجر أول أيام القرن الهجري الخامس عشر، معلنًا أن محمد بن عبدالله القحطاني هو (المهدي المنتظر)، واحتجزت مصلّين ومعتمرين. استمر الحصار نحو أسبوعين، وخيضت معارك في الأقبية والسراديب، وقُتل العشرات وخاصة من الرهائن، قبل استعادة السيطرة مطلع ديسمبر.
2- أحداث الحج الإيرانية (1987) والتفجيرات (1989): في موسم حج 1987 وقعت مصادمات دامية إثر مظاهرة نظّمها حجاج إيرانيون، أسفرت عن أكثر من أربعمائة قتيل. وفي 1989 وقع تفجيران قرب الحرم، أُعدم على أثرهما عدد من المتهمين. هذان الحدثان نقلا الصراع إلى مستوى (تسييس الحج) بوصفه ساحة نفوذ إقليمي.
3- محاولات التفجير الإرهابية (2017): في يونيو 2017 أعلنت السلطات السعودية إحباط محاولة تفجير انتحاري استهدفت المسجد الحرام مباشرة، بعد اشتباك مع مسلح تحصّن في مبنى قريب.
سادسًا: الملف الحوثي.. الوقائع والروايات المتنازعة
مع اندلاع الحرب في اليمن وتدخل التحالف بقيادة السعودية عام 2015، دخل الاستهداف مرحلة جديدة: الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة بعيدة المدى، حيث يمكن أن يصل السلاح إلى محيط مكة من مسافة تتجاوز ألف كيلومتر، منها:
1- حادثة أكتوبر 2016: أعلنت قيادة التحالف اعتراض صاروخ باليستي أُطلق من محافظة صعدة باتجاه منطقة مكة المكرمة، وتدميره على بعد 65 كيلومترًا من المدينة من دون وقوع أضرار، مع استهداف موقع الإطلاق في اليمن. وفي المقابل، نفى الحوثيون ذلك وأعلنوا أن الصاروخ استهدف مطار الملك عبدالعزيز الدولي في جدة لا مكة المكرمة، وقال قيادي حوثي إنهم لا يستهدفون المدنيين السعوديين ولا يمكن أن يستهدفوا الأماكن المقدسة، مؤكدًا أن استهدافهم يقتصر على المواقع العسكرية في العمق السعودي في إطار الرد على التحالف.
2- حادثة يوليو 2017: أشار المتحدث باسم التحالف لاحقًا إلى محاولة ثانية بصاروخ باليستي في 27 يوليو 2017.
3- حادثة سبتمبر 2026: أعلنت قيادة القوات المشتركة للتحالف أن الدفاع الجوي الملكي السعودي اعترض ودمّر طائرة مسيّرة مساء الثلاثاء 15 سبتمبر 2026 عند الساعة 18:50، قبل دخولها المجال الجوي المحظور للعاصمة المقدسة، وتم الاعتراض جنوب مدينة مكة المكرمة. وقال اللواء تركي المالكي إن أمن الحرمين الشريفين وضيوف الرحمن يمثل (خطًا أحمر).
من منظور سياسي، فإنه لا ينبغي النظر إلى الاعتداءات الحوثية بوصفها اعتداءات دينية فحسب، بل بوصفها أدوات سياسية، لذلك فإن استهدافها ارتبط غالبًا بصراعات على السلطة أو الهيمنة أو التأثير السياسي، ولنحاول أن نحلل البعد السياسي للهجمات الحوثية المعاصرة، منها:
1. البعد الاستراتيجي: استهداف المجال الجغرافي المحيط بمكة أو التهديد المباشر لها يمنح الهجمات قيمة إعلامية وسياسية تفوق قيمتها العسكرية.
2. الضغط على المملكة السعودية: تمثل المملكة العربية السعودية الجهة المسؤولة عن إدارة الحرمين الشريفين، ولذلك فإن أي تهديد لأمن مكة يُترجم سياسيًا إلى محاولة الضغط على الدولة السعودية.
3. البعد الإقليمي: جاءت الهجمات ضمن سياق صراع إقليمي أوسع بين إيران وحلفائها من جهة والسعودية وحلفائها من جهة أخرى، ومن ثم يصبح الحرم جزءًا من معادلة الردع والرسائل السياسية الإقليمية، حتى إن لم يكن الهدف المعلن هو الكعبة ذاتها.
4. البعد الإعلامي والنفسي: في الحروب الحديثة لا يقتصر التأثير على التدمير المادي، بل يمتد إلى التأثير الرمزي والنفسي، لذلك فإن مجرد اقتران اسم مكة بأي تهديد عسكري يخلق صدىً عالميًا واسعًا داخل العالم الإسلامي.
يعلم الجميع ومنهم الحوثي أن مكة المكرمة ليست مدينة عادية في الوعي الإسلامي، بل هي (البلد الأمين) الذي جُعل حرمًا آمنًا بنص القرآن: «أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ». وقد ترتب على هذه القداسة نظام قانوني، ديني متكامل؛ ومن أهمها: تحريم القتال في الحرم، وتأمين الوافدين، وحصانة الشعائر. وخلاف ذلك تصبح القضية فيها نظر.
Zkhunji@hotmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك