العدد : ١٧٧١٨ - السبت ٢٦ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٥ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧١٨ - السبت ٢٦ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٥ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

نبلاء من طراز نادر في حياتنا

بقلم: فاطمة الحجري

السبت ٢٦ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

ثمة‭ ‬أشخاص‭ ‬في‭ ‬حياتنا‭ ‬لا‭ ‬ننتبه،‭ ‬في‭ ‬الغالب،‭ ‬إلى‭ ‬مقدار‭ ‬الثقل‭ ‬الذي‭ ‬يحملونه‭. ‬نعرفهم‭ ‬بوصفهم‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬نلجأ‭ ‬إليه‭ ‬حين‭ ‬تضيق‭ ‬بنا‭ ‬الحياة؛‭ ‬نبحث‭ ‬عنهم‭ ‬عندما‭ ‬نعجز‭ ‬عن‭ ‬فهم‭ ‬أنفسنا،‭ ‬أو‭ ‬نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬كلمة‭ ‬تعيد‭ ‬ترتيب‭ ‬الفوضى‭ ‬داخلنا،‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬حضن‭ ‬أو‭ ‬كتف‭ ‬معنوية‭ ‬نضع‭ ‬عليها‭ ‬شيئًا‭ ‬مما‭ ‬أثقل‭ ‬ظهورنا‭ ‬من‭ ‬حيرة‭ ‬وخيبة‭ ‬وانكسار‭. ‬نخبرهم‭ ‬أسرارنا،‭ ‬ونترك‭ ‬بين‭ ‬أيديهم‭ ‬تفاصيل‭ ‬أتعبتنا،‭ ‬ثم‭ ‬نغادرهم‭ ‬أكثر‭ ‬خفة‭ ‬وهدوءًا‭ ‬مما‭ ‬جئنا‭.‬

لكننا‭ ‬نادرًا‭ ‬ما‭ ‬نتوقف‭ ‬لنسأل‭ ‬أنفسنا‭: ‬إلى‭ ‬أين‭ ‬يذهب‭ ‬هؤلاء‭ ‬حين‭ ‬تتداعى‭ ‬أرواحهم‭ ‬ويثقلهم‭ ‬ما‭ ‬يحملون؟‭ ‬ومن‭ ‬يحمل‭ ‬عنهم‭ ‬ما‭ ‬حملوه‭ ‬طويلًا‭ ‬عن‭ ‬الآخرين؟

هؤلاء‭ ‬ينتمون‭ ‬إلى‭ ‬طرازٍ‭ ‬نادرٍ‭ ‬من‭ ‬البشر؛‭ ‬يغدون،‭ ‬بتلقائيةٍ‭ ‬آسرة،‭ ‬وِجهةً‭ ‬أولى‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مأزق،‭ ‬وحضورًا‭ ‬دافئًا‭ ‬في‭ ‬لحظات‭ ‬الانكسار‭. ‬يصغون‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬يتحدثون،‭ ‬ولا‭ ‬يثقلون‭ ‬عليك‭ ‬بالأسئلة،‭ ‬ولا‭ ‬يشرعون‭ ‬في‭ ‬إطلاق‭ ‬الأحكام؛‭ ‬بل‭ ‬يحتوون‭ ‬الروح‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يقضوا‭ ‬في‭ ‬الأمر‭. ‬ينشرون‭ ‬النور‭ ‬والطمأنينة،‭ ‬ويمنحون‭ ‬الآخرين‭ ‬ملاذًا،‭ ‬ويهبون‭ ‬الأمان‭ ‬بالمجان،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يطالبوا‭ ‬العابرين‭ ‬بصكوك‭ ‬تفسيرٍ‭ ‬لمشاعرهم‭.‬

أمامهم،‭ ‬تذرف‭ ‬دموعك‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تضطر‭ ‬إلى‭ ‬التبرير،‭ ‬وتخلع‭ ‬درعك‭ ‬الوهمي‭ ‬آمنًا‭ ‬من‭ ‬سوء‭ ‬الفهم،‭ ‬وتبسط‭ ‬مخاوفك‭ ‬وألمك‭ ‬وهشاشتك‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬خوف‭ ‬أو‭ ‬شعور‭ ‬بأنك‭ ‬موضع‭ ‬إدانة،‭ ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬وجل‭ ‬من‭ ‬سوء‭ ‬التأويل‭. ‬بين‭ ‬أيديهم،‭ ‬يمتد‭ ‬صمتك‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬مطاردة‭ ‬بالتفسير،‭ ‬وحين‭ ‬تقول‭: ‬‮«‬لا‭ ‬أعرف‮»‬،‭ ‬لا‭ ‬ينتقص‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬مكانتك‭ ‬ذرة،‭ ‬ولا‭ ‬تتلقى‭ ‬تلك‭ ‬النصيحة‭ ‬الباردة‭ ‬التي‭ ‬تحثك‭ ‬على‭ ‬الصمود‭ ‬والصبر‭ ‬والتحلي‭ ‬بالقوة؛‭ ‬بل‭ ‬يتركونك‭ ‬تعيش‭ ‬ضعفك‭ ‬بسلام،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يجلدوا‭ ‬لحظاتك‭ ‬الواهنة‭.‬

ثمة‭ ‬شيء‭ ‬عميق‭ ‬في‭ ‬مسألة‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الإنسان‭ ‬ملاذًا؛‭ ‬أن‭ ‬يستطيع‭ ‬ممارسة‭ ‬الاحتواء‭ ‬النفسي‭ ‬وإعادة‭ ‬التوازن،‭ ‬فيمنح‭ ‬الأمان‭ ‬والسكينة‭ ‬لأنه‭ ‬يعرف‭ ‬تمامًا‭ ‬مرارة‭ ‬الخوف‭ ‬والضعف،‭ ‬ويهب‭ ‬انشراح‭ ‬الصدر‭ ‬لأنه‭ ‬اختبر‭ ‬ألم‭ ‬الشتات‭.‬

غالبًا‭ ‬ما‭ ‬يمنح‭ ‬الإنسان‭ ‬ما‭ ‬افتقده‭ ‬يومًا،‭ ‬ويعرف‭ ‬كيف‭ ‬يربّت‭ ‬على‭ ‬موضع‭ ‬الألم‭ ‬لأنه‭ ‬ذاقه،‭ ‬وكيف‭ ‬يهب‭ ‬السكون‭ ‬لأنه‭ ‬يعرف‭ ‬جيدًا‭ ‬مرارة‭ ‬الخوف‭ ‬والضياع؛‭ ‬ويفتح‭ ‬نافذة‭ ‬في‭ ‬جدار‭ ‬الاختناق‭ ‬لأنه‭ ‬اختبر‭ ‬معنى‭ ‬أن‭ ‬تضيق‭ ‬الحياة‭ ‬من‭ ‬الداخل‭.‬

لكن‭ ‬المفارقة‭ ‬أن‭ ‬الذين‭ ‬يحملون‭ ‬أثقال‭ ‬الجميع‭ ‬يتوارون‭ ‬عن‭ ‬الأنظار‭ ‬لحظة‭ ‬انكسارهم؛‭ ‬فيلجؤون‭ ‬إلى‭ ‬الصمت‭ ‬أو‭ ‬العزلة،‭ ‬لا‭ ‬لأنهم‭ ‬أقوى‭ ‬من‭ ‬الألم،‭ ‬وإنما‭ ‬لأنهم‭ ‬اعتادوا‭ ‬أن‭ ‬يكونوا‭ ‬الطرف‭ ‬الذي‭ ‬يُعتمد‭ ‬عليه،‭ ‬وكأنهم‭ ‬يبحثون‭ ‬عن‭ ‬ملاذ‭ ‬لا‭ ‬يجدونه‭.‬

والمعضلة‭ ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬كونهم‭ ‬ملاذًا‭ ‬للآخرين،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬أحدًا‭ ‬لا‭ ‬ينتبه‭ ‬إلى‭ ‬حاجتهم‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يكونوا‭ ‬هم‭ ‬أيضًا‭ ‬موضع‭ ‬فهم‭ ‬واحتواء؛‭ ‬وأن‭ ‬يُقرأ‭ ‬صمتهم‭ ‬كما‭ ‬تُقرأ‭ ‬كلماتهم،‭ ‬وأن‭ ‬يُمنحوا‭ ‬الدفء‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تضطرهم‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬طلبه‭. ‬إنهم‭ ‬المفارقة‭ ‬الأكثر‭ ‬إيلامًا‭: ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬أتقنوا‭ ‬أن‭ ‬يكونوا‭ ‬موطن‭ ‬الاحتواء‭ ‬للجميع،‭ ‬بينما‭ ‬ظلوا‭ ‬هم‭ ‬عالقين‭ ‬بصمت،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يجدوا‭ ‬من‭ ‬يمنحهم‭ ‬الملاذ‭ ‬والملجأ‭.‬

وفي‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف،‭ ‬يمارسون‭ ‬طقس‭ ‬الاحتواء‭ ‬الأخير‭: ‬أن‭ ‬يكونوا‭ ‬هم‭ ‬الملاذ‭ ‬لأنفسهم،‭ ‬بعدما‭ ‬أمسى‭ ‬كلٌّ‭ ‬منهم‭ ‬ملاذًا‭ ‬يستنزف‭ ‬نوره‭ ‬ليضيء‭ ‬عتمة‭ ‬الآخرين،‭ ‬معرّضًا‭ ‬لانطفاء‭ ‬مكتمل‭ ‬لا‭ ‬يُسمع‭ ‬له‭ ‬صوت‭.‬

{‭ ‬صحفية‭ ‬بحرينية‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا