ثمة أشخاص في حياتنا لا ننتبه، في الغالب، إلى مقدار الثقل الذي يحملونه. نعرفهم بوصفهم أول من نلجأ إليه حين تضيق بنا الحياة؛ نبحث عنهم عندما نعجز عن فهم أنفسنا، أو نحتاج إلى كلمة تعيد ترتيب الفوضى داخلنا، أو إلى حضن أو كتف معنوية نضع عليها شيئًا مما أثقل ظهورنا من حيرة وخيبة وانكسار. نخبرهم أسرارنا، ونترك بين أيديهم تفاصيل أتعبتنا، ثم نغادرهم أكثر خفة وهدوءًا مما جئنا.
لكننا نادرًا ما نتوقف لنسأل أنفسنا: إلى أين يذهب هؤلاء حين تتداعى أرواحهم ويثقلهم ما يحملون؟ ومن يحمل عنهم ما حملوه طويلًا عن الآخرين؟
هؤلاء ينتمون إلى طرازٍ نادرٍ من البشر؛ يغدون، بتلقائيةٍ آسرة، وِجهةً أولى في كل مأزق، وحضورًا دافئًا في لحظات الانكسار. يصغون أكثر مما يتحدثون، ولا يثقلون عليك بالأسئلة، ولا يشرعون في إطلاق الأحكام؛ بل يحتوون الروح قبل أن يقضوا في الأمر. ينشرون النور والطمأنينة، ويمنحون الآخرين ملاذًا، ويهبون الأمان بالمجان، من دون أن يطالبوا العابرين بصكوك تفسيرٍ لمشاعرهم.
أمامهم، تذرف دموعك من دون أن تضطر إلى التبرير، وتخلع درعك الوهمي آمنًا من سوء الفهم، وتبسط مخاوفك وألمك وهشاشتك من دون خوف أو شعور بأنك موضع إدانة، ومن دون وجل من سوء التأويل. بين أيديهم، يمتد صمتك من دون مطاردة بالتفسير، وحين تقول: «لا أعرف»، لا ينتقص ذلك من مكانتك ذرة، ولا تتلقى تلك النصيحة الباردة التي تحثك على الصمود والصبر والتحلي بالقوة؛ بل يتركونك تعيش ضعفك بسلام، من دون أن يجلدوا لحظاتك الواهنة.
ثمة شيء عميق في مسألة أن يكون الإنسان ملاذًا؛ أن يستطيع ممارسة الاحتواء النفسي وإعادة التوازن، فيمنح الأمان والسكينة لأنه يعرف تمامًا مرارة الخوف والضعف، ويهب انشراح الصدر لأنه اختبر ألم الشتات.
غالبًا ما يمنح الإنسان ما افتقده يومًا، ويعرف كيف يربّت على موضع الألم لأنه ذاقه، وكيف يهب السكون لأنه يعرف جيدًا مرارة الخوف والضياع؛ ويفتح نافذة في جدار الاختناق لأنه اختبر معنى أن تضيق الحياة من الداخل.
لكن المفارقة أن الذين يحملون أثقال الجميع يتوارون عن الأنظار لحظة انكسارهم؛ فيلجؤون إلى الصمت أو العزلة، لا لأنهم أقوى من الألم، وإنما لأنهم اعتادوا أن يكونوا الطرف الذي يُعتمد عليه، وكأنهم يبحثون عن ملاذ لا يجدونه.
والمعضلة هنا لا تكمن في كونهم ملاذًا للآخرين، بل في أن أحدًا لا ينتبه إلى حاجتهم إلى أن يكونوا هم أيضًا موضع فهم واحتواء؛ وأن يُقرأ صمتهم كما تُقرأ كلماتهم، وأن يُمنحوا الدفء قبل أن تضطرهم الحاجة إلى طلبه. إنهم المفارقة الأكثر إيلامًا: أولئك الذين أتقنوا أن يكونوا موطن الاحتواء للجميع، بينما ظلوا هم عالقين بصمت، من دون أن يجدوا من يمنحهم الملاذ والملجأ.
وفي نهاية المطاف، يمارسون طقس الاحتواء الأخير: أن يكونوا هم الملاذ لأنفسهم، بعدما أمسى كلٌّ منهم ملاذًا يستنزف نوره ليضيء عتمة الآخرين، معرّضًا لانطفاء مكتمل لا يُسمع له صوت.
{ صحفية بحرينية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك