تقترب الحروب المتواصلة التي اشعلتها إسرائيل في الشرق الأوسط من إكمال عامها الثالث، فالحرب الوحشية على قطاع غزة مازالت فصولها مستمرة حتى هذا اليوم، فيما لا أحد بإمكانه أن يتوقع متى ستتوقف، أو تنطفئ نارها، وعلى أي شكل أو نتيجة، بما يعني أو يؤكد أن هذه الحرب لم تكن مثل الحروب العديدة التي عرفناها هنا في المنطقة العربية، التي كانت إسرائيل دائماً أحد طرفيها، فيما تعدد الطرف الآخر، فحيناً كان ست دول عربية، كما حدث ذلك في حرب 1948، أو ثلاث دول عربية، كما في حرب 1967، أو دولتين عربيتين، وكان ذلك عام 1973، أو ضد الثورة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية 1982، أو ضد «حزب الله» بعد ذلك عام 2000، وعام 2006.
هذه الحرب مختلفة من عدة زوايا عن كل الحروب التي سبقتها، فهي تعتبر أطول حرب خاضتها إسرائيل ضد العرب، وكانت أطول حرب قبل ذلك قد خاضتها ضد الثورة الفلسطينية عام 1982 في لبنان، واستمرت 88 يوماً، كذلك شهدت هذه الحرب دخول الداخل الاسرائيلي ميدان الحرب، سواء في اليوم الأول، يوم الطوفان، أو بعد ذلك من خلال صواريخ حماس، أو صواريخ «حزب الله» والحوثيين ومن ثم إيران ومسيراتهم، وبذلك شهدت سقوط ضحايا مدنيين إسرائيليين، وتعرض إسرائيل لتدمير كثير من المنشآت المدنية إلى جانب العسكرية بالطبع، كما أن إسرائيل في هذه الحرب واجهت أكثر من ثلاث جبهات معاً، وهذا أمر واجهته من قبل في عام 1948 فقط، مع هذا فقد كان أهم تطور لصالح إسرائيل هو دخول أمريكا بشكل عسكري ومباشر معها الحرب، وذلك في مناسبتين، في يونيو من العام الماضي 2025، وإن كان ليلة واحدة، حين قصفت الطائرات الشبح الأمريكية مفاعلات تخصيب اليورانيوم، وخاصة في «فوردو»، وفي 28 فبراير الماضي، حيث واصلت أمريكا مع إسرائيل حرباً قاسية ضد إيران مدة ستة أسابيع تقريباً، بينما لم تضع الحرب أوزارها بعد، وإن كان من الممكن القول إن وجهتها أو طبيعتها، بما يحتمل تجددها، وحتى بدرجة أوسع، أو إعلان إنهائها وذلك بعد انتخابات الكنيست الإسرائيلي وانتخابات الكونجرس النصفية الأمريكية، أمر وارد.
والحقيقة أنه بعد حرب قاسية استمرت أكثر من أربعين يوماً، وكان ذلك في ابريل الماضي، شهدت حالة الحرب حدثين مهمين، أولهما توقيع وثيقة التفاهم بين أمريكا وإيران في يونيو، ثم إعلان عملية «المنبوذ الاقتصادي» الأمريكية ضد إيران، فيما كانت إسرائيل قد أجبرت على وقف إطلاق النار ضد إيران منذ أبريل، بينما واصلته ضد لبنان رغم اتفاقية 2024، وكذلك في غزة رغم مبادرة ترامب عام 2025، ولأنه عادة لا يقوم أحد بمراجعة نتائج الحرب، أو إعلان حصادها قبل انتهائها أو وقفها رسمياً، إلا أن الحصاد الذي تحقق حتى اللحظة، إضافة إلى محطتي الانتخابات الإسرائيلية والأمريكية، التي من المرجح أن تؤثر بشكل حاسم على الحرب لجهة وقفها تماماً، أو تجديدها بشكل أوسع، يمكن التوقف أمامه والنظر إليه، ارتباطاً بما تحقق من مواجهة عسكرية حتى الآن، بعد مرور ثلاث سنوات، ومقارنة ذلك الذي تحقق بأهداف الحرب المعلنة وحتى المضمرة، وخاصة من قبل الجانب الإسرائيلي/الأمريكي.
لا بد من الإشارة أولاً وقبل كل شيء إلى أن الطرف الإسرائيلي/الأمريكي لم يحقق أهدافه الرئيسة منها على الأقل، وإلا لكانت الحرب قد توقفت منذ زمن، ولو كان كل من دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو صادقين حين قالا إنهما دمرا معظم قوة إيران العسكرية، وأوقفا برنامجها النووي وأعاداه سنين طويلة إلى الوراء، لتوقفت الحرب، ولأعلنا انتصارهما بعد حرب الإثني عشر يوماً، لكن شنهما حرب الأربعين يوماً لم يكن بسبب عدم سقوط النظام الإيراني، ولا بسبب عدم استسلام إيران من دون شروط، ولكن لأن أياً من أهدافهم الرئيسة، سواء الخاص باليورانيوم المخصب، أو الصواريخ والمسيرات، أو أذرع المليشيات العميلة لإيران في المنطقة، لم يتحقق، لكن ذلك لم يعن بأي حال أن جبهة أو جبهات الخصم لم تلحق بها الخسائر، وأن عدم سقوطها أو استسلامها، لا يعني أنها لم تخسر الكثير من القتلى، أو أنها لم تتعرض للدمار والخسائر الاقتصادية.
فيما يخص جانب الضحايا وقعت في جانب إيران وأتباعها خسائر بشرية أضعاف ما وقع على الجانب الإسرائيلي ومن ثم الأمريكي بالطبع، ويعود ذلك بالطبع إلى أمرين، هما: إدخال المدنيين ميدان الحرب، وجعلهم أهدافاً للقتال، ثم فارق القوة النارية، أو الإمكانيات العسكرية على مستوى التدمير، حيث الفارق شاسع لصالح الطرف الإسرائيلي الأمريكي الذي لديه كم هائل على كل الجبهات على هذا الصعيد، وقد ألقى أطنان المتفجرات على مواقع ومبانٍ وبنى تحتية في كل جبهات الجانب الآخر من الحرب.
كذلك كان هناك عدم تماثل في الخسائر الاقتصادية سواء المنظورة منها، أو بعيدة المدى، ويمكن الإشارة هنا إلى تقديرات المؤسسات الدولية لما يحتاج إليه قطاع غزة من مليارات لإعادة الحياة الطبيعية، فضلا عن المدى الزمني، الذي يتجاوز سنين قد تصل إلى خانتين، لإعادة ترميم القطاع، هذا في حال توافر المال المرجح أن يكون مستحيلاً، أصلاً، لإعادة الإعمار، كذلك يمكن القول إن خسائر إيران ولبنان بسبب الدمار في المنازل والبنى التحتية وتعطل الاقتصاد هي مليارات تتجاوز المئات منها، أما على صعيد الخسائر البشرية والاقتصادية على الجانبين الإسرائيلي والأمريكي فإن الخسائر كانت أقل بكثير، يكفي أن نشير إلى أن أقل من ألفي قتيل سقطوا على الجانب الإسرائيلي، أما أمريكا فلم يكن شعبها ولا بلادها ضمن ميدان الحرب، وقد خسرت أقل من عشرين قتيلاً فقط.
أهم الخسائر في ميدان القتال على الجانب الإسرائيلي-الأمريكي كانت في الذخيرة والعتاد، وقد واصل المتابعون الحديث الذي مازال متواتراً عن نفاد المخزون الأمريكي الاستراتيجي من الصواريخ وخاصة منظومة صواريخ ثاد وباتريوت.
ثم كانت الخسائر السياسية على الجانب الإسرائيلي-الأمريكي فادحة، فلم تتعرض إسرائيل منذ قيامها ولم تتعرض دولة أخرى لما تعرضت له من إدانة ورفض وحتى إجراءات سياسية من قبل كل العالم، باستثناء البيت الأبيض فقط، وإذا كانت إسرائيل هي التي أعدت الظروف منذ ثلاثين سنة لانفجار الطوفان، وذلك بهدف تحويل الحرب إلى حرب لإقامة إسرائيل الكبرى، فقد فشلت في هذا تماماً، وحتى ما يدعيه قادة الحرب الإسرائيليون من إنجازات تتمثل في المناطق الأمنية في غزة ولبنان وسورية هي نتائج غير نهائية، أما أمريكا فهي لم تحقق هدفها الأهم وهو تعزيز نظامها العالمي بالسيطرة على نفط الشرق الأوسط، والتحكم بالطاقة التي تستهلكها الصين ودول شرق آسيا وغرب أوروبا، ولم تفشل في تعزيز مكانة إسرائيل الشرق أوسطية بتدمير برنامج إيران النووي وقتها وتحطيم حلفائها، فحسب، بل هي خسرت رصيدها في المنطقة.
{ كاتب من فلسطين.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك