لقد أثلجت الخارجية البحرينية صدورنا ببيانها الواضح والقاطع بعدم الحضور لمؤتمر مسقط وذلك لكون سياسة طهران لم تحترم حقوق الجوار ولم تراعِ أي معايير أخلاقية ولا إنسانية إلا تخطتها من غير أي مبرر تجاه مملكة البحرين وإن الحضور والجلوس مع الإيرانيين على طاولة واحدة في مثل هذه الظروف من التعدي هي منقصةً يرفضها الحق البين كم ترفضها أنفة الرجال وذلك ما لم يتوقف الإيرانيون عن تكرار ذلك ويلتزموا به، وهي رسالة واضحة لطهران بأن مملكة البحرين وإن كانت صغيرة في المساحة إلا أن حكامها وشعبها كرام عزيزو الأنفس فسلمت يا بلادي وطاب ثراك (نعم يا موطني فإما حياة تُسر الصديق وإما ممات يغيظ العدا)، وارجعوا معي إلى تطورات الأزمة الراهنة في المنطقة فسوف أتناول في هذا المقال دفع طهران لما تبقى من أذرعها للتصدي والحرب بالوكالة وهي محاولة لاستخدام آخر أوراقها الخارجية في النزال القادم وهذان المحوران هما محور الحشد التابع لها في معسكرات جرف الصخر بالعراق والمحور الثاني محور حوثي طهران باليمن، هذان المحوران المُشاكسان سوف تدفع بهما طهران في المرحلة القادمة وسوف يكون لمدى نجاح تأثيرهما من عدمه أثر بالغ لمسار الأحداث في المنطقة وفي تقديري أن فرصة نجاح تمددهما تكاد تكون معدومة فكل المؤشرات تشي بأن قرار تصفيتهما مُتخذ منذ فترة أمريكيًّا وعلى مستوى حركة النظام الدولي وإجماعه غير المُعلن، كما من الواضح اليوم أن صانع القرار القابع في طهران يعلم أن المُنازلة المباشرة والنهائية مع الولايات المتحدة قد أزف أوانها وأن حظوظه بالانتصار فيها معدومة، ونتيجة لطريقة تفكيره وتعاطيه مع الأزمة فإنه من المؤكد سيدفع بأوراقه الخارجية للحرق بديلاً عنه وقبل الوصول إليه أو استسلامه بعد تصفيتهما، إن كماشة الحصار الاقتصادي الخانق الذي فرضه الرئيس ترامب ورجال حكومته على إيران سيُدمرها ويفككها من الداخل، وبسبب ألم الحصار والضربات العسكرية التي تلقاها وشلت حركته عن حماية أجوائه ومنجزاته الداخلية فإن أي مُتابع لقرارات طهران في التعاطي مع الأزمة يرصد الآن أن صانع القرار فيها فقد الاتزان والرؤية وإن تظاهر مُكابراً بعكس ذلك وهو يراهن فيما هو قادم على أسلوب توسيع رقعة تشظي الأزمة خارج حدوده وباستخدام أذرعه لتطال أكبر رقعة جغرافية ممكنة في المنطقة وخارجها، ومن ذلك جاءت تطورات موقف مليشيا الحوثي التي لا تتحرك إلا بإذن من طهران، لكن المشهد في اليمن حصلت فيه مفارقة غريبة فبعد تقدم قوات الشرعية وملاحقتها لأتباع طهران في كل المحاور فوجئنا بتقدم الحوثي في الساحل وسيطرته على المخا ومينائها وقد صار يطل بشكل كبير على باب المندب والمفارقة هنا أن ذلك التقدم في هذا المحور لم يتم من خلال المواجهة والانتصار من قبله ولكن ذلك التقدم تحقق بسبب انسحاب فوج المغاوير من مواقعه وإعادة تموضعه في مواقع أخرى مما أدى لسيطرة مليشيا الحوثي على المخا، ونحن هنا أمام احتمالين أحدهما وهو الأقوى في تقديري أن إيران واتباعها الحوثيين قد بلعوا الطعم وإن ما هو قادم سيكون وقت حصاد الرؤوس التي باعت اُمتها وأوطانها للإيرانيين وأطماعهم التاريخية تجاه العرب، والاحتمال الثاني وهو مُستبعد أن تكون قد حصلت خيانة وتآمر على جهود الشرعية اليمنية في استعادة قرار سيادتها على اليمن، إن طهران أرادت من خلال تحريك الحوثي للسيطرة على الساحل أولاً: محاولة تهديد المملكة العربية السعودية ومقدسات المسلمين وثانيا: التلويح بقدرتها على استلاب مضيق باب المندب وزيادة تشظي الأزمة، وفي كلتا الحالتين ستخفق وتصفع في ذلك، فالمملكة هي منبع الشِرعة الخاتمة وبلد واجهة في الحضور الوجداني والدولي وهي تكتسب مكانة عالمية عالية على مستوى العالم الإسلامي ومشاعر أفراده وكذلك على مستوى الحضور الدولي وذلك لكون سياستها صادقة وبالغة التوازن وهو ما يجعل صناع القرار في دول العالم يميلون إلى تقديرها والميل إلى مواقفها، لقد أثبتت المملكة العربية السعودية رشداً سياسياً بالغا في تعاطيها مع الأزمة، إذ إنه لطالما حاولت طهران جرها لأتون هذه الحرب لكن المملكة لم تنجر رغم كونها قادرة على الرد العسكري الموجع، ولكنها عندما صفعت ضربت ضرب ملوك قواطع فسعت إلى إنشاء تحالف دفاعي استراتيجي مع أقوى دولتين في العالم الإسلامي وهو ما قطع الطريق أمام وساوس طهران وأطماعها المُبيـتة ومن المؤكد أن ذلك زاد من تيه قرار طهران وأحقادها التاريخية على الإسلام وموقع نزوله وحاضنته الأولى سلوكيا وعقائديا المملكة العربية السعودية، وما هو حاصل اليوم من تعدٍّ على البيت العتيق مكة المكرمة يُلزم الحكومات العربية والإسلامية بأن يكون لها موقف واضح من طهران فكل الأمور اتضحت ولم تعد تنفع التورية فبعد أن كان الحوثيون يُنادون ليل نهار بالموت لأمريكا والموت لإسرائيل والصهيونية العالمية ها هم اليوم يتصلون بالأمريكان والبريطانيين وحتى إسرائيل إن اقتضت الأمور لاسترضائهم واعتبار سفنهم غير معنيةً بما هو حاصل من هذا الإطلال على المضيق وإن المقصود بالمُعاداة هنا هي المملكة العربية السعودية والبيت الحرام مكة المكرمة مباشرةً وهذه التطورات وراءها إيران فالتاريخ يُعيد نفسه فبالأمس تواصل الفرس مع قائد الحملة البرتغالية لخنق العرب في الجزيرة العربية وهدم البيت الحرام وهاهم اليوم تتعرى وجُوههم للتأكيد للغرب أنهم قادرون على ضرب الإسلام في مقتل، وهذه المُغازلة وبهذه الطريقة من طهران للأمريكان والبريطانيين توضح جليًّا عداء ملالي إيران للإسلام والمسلمين وخصوصا منهم العرب فبعد التعدي على مكة المكرمة لم يعد هناك شيء خافيا عن مقاصد القوم وما يسعون إليه منذ سنوات من عمل حثيث للوصول إلى بيت الله العتيق قبلة المسلمين، ونحن هنا نستغرب من مواقف منظمة التعاون الإسلامي بصمتها ومجاملتها لملالي إيران وأطماعهم الخبيثة فماذا ينتظرون لاتخاذ قرار عزل طهران من دائرة منظمة التعاون الإسلامي أم أنهم ينتظرون لا قدّر الله أن يُنقل البيت العتيق إلى صعدة الحوثي ويصبح تحت إشراف طيالسة الفرس مباشرةً، فإيران ومنذ تحولها لم تعمل يوما بمبادئ الإسلام ولم تلتزم بمفاهيمه وإنما كانت هي الأخطر فعلاً على الإسلام وذلك من حيث تغيير مقاصد ومفاهيم التنزيل القرآني وإن تشدقت بتلاوته فهذه الدولة وجوهرها المجوسي ترى في الإسلام الخطر على هويتها وكيانها وهي تتربص بالعرب كل ما تهيأت لها الفرصة عبر التاريخ وهو الأمر الذي يجعلها مفضلة لدى أبالسة الغرب لضرب الإسلام من الداخل وقتل مفهومه وروحه العربية، ولفهم نظرة الصهيونية العالمية إلى الإسلام عامة والعرب خاصة انظر(كتاب الإسلام المتعب، لمؤلفهJacob Don) وكذلك كتاب (استهداف أهل السنة، لمؤلفه المفكر الماروني اللبناني نبيل خليفة) وستتضح لك صورة خِشية الصهيونية وإيران من نهوض الإسلام العربي السني، فإلى متى يا منظمة التعاون الإسلامي سيكون موقفك غير واضح وصارم من إيران وأتباعها؟ أمّا عن المحور الثاني لمقالنا وهو محور مليشيات العراق فإن المؤشرات تشي بتراجع الحكومة العراقية عن تعهدها الذي قطعته للولايات المتحدة بالالتزام بنزع سلاح تلك المليشيات بحلول الثلاثين من هذا الشهر فبعد تأكيد سحب سلاح تلك الفصائل وحصر السلاح بيد الدولة فقط بحلول ذلك التاريخ تراجعت الحكومة وطلبت مهلة إضافية لتمديد التوقيت المتوافق عليه وفي تقديري ذلك التسويف والمماطلة له علاقة مباشرة بزيارة رئيس فيلق القدس إسماعيل قادني ومن بعده قالي باف للعراق، وإننا لنستغرب من الموقف الأمريكي تجاه العراق فمنطقة جرف الصخر المعروفة بكل تفاصيلها هي معسكر إيراني مدجج بتصنيع السلاح الإيراني والتحصين داخل العراق وإن الجيش العراقي نفسه يعجز عن الاقتراب من تلك المنطقة وقد تم ذلك تحت وطأة ومدارات أمريكية من قبل الحكومات السابقة للولايات المتحدة.
قضايا و آراء
أذرع إيـران في اليـمن والعراق.. هل أزفـت نهايتها؟

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك