العدد : ١٧٧١٧ - الجمعة ٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧١٧ - الجمعة ٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

لماذا صارت الدعاية الصهيونية تخدم فلسطين؟!

بقلم: د. منار الشوربجي

الجمعة ٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

الجدل‭ ‬الذي‭ ‬أثاره‭ ‬طرد‭ ‬‮«‬ماكليمور‮»‬‭ ‬من‭ ‬الجولة‭ ‬الغنائية‭ ‬للبريطاني‭ ‬‮«‬إد‭ ‬شيران‮»‬‭ ‬كشفت‭ ‬عن‭ ‬تحولات‭ ‬جوهرية‭ ‬حققتها‭ ‬غزة‭ ‬ودفعت‭ ‬ثمنها‭ ‬بتضحيات‭ ‬هائلة‭ ‬وبدماء‭ ‬أبنائها‭. ‬و«ماكليمور‮»‬،‭ ‬مغني‭ ‬الراب‭ ‬الأمريكي،‭ ‬هو‭ ‬صاحب‭ ‬أغنية‭ ‬‮«‬قاعة‭ ‬هند‮»‬‭ ‬التي‭ ‬أحدثت‭ ‬دويًا‭ ‬عالميًا‭ ‬في‭ ‬أوج‭ ‬حرب‭ ‬إبادة‭ ‬غزة‭ ‬حين‭ ‬غناها‭ ‬دعمًا‭ ‬لغزة‭ ‬ولطلاب‭ ‬جامعة‭ ‬كولومبيا‭ ‬الذين‭ ‬اعتصموا‭ ‬وقتها‭ ‬وأطلقوا‭ ‬اسم‭ ‬الطفلة‭ ‬الشهيدة‭ ‬‮«‬هند‭ ‬رجب‮»‬‭ ‬على‭ ‬قاعة‭ ‬بالجامعة‭.‬

والحكاية‭ ‬باختصار‭ ‬أن‭ ‬‮«‬ماكليمور‮»‬،‭ ‬في‭ ‬أول‭ ‬حفل‭ ‬غنائي‭ ‬بالجولة،‭ ‬اعتلى‭ ‬المسرح‭ ‬أمام‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬50‭ ‬ألف‭ ‬شخص‭ ‬مرتديًا‭ ‬الكوفية‭ ‬الفلسطينية‭. ‬وقبل‭ ‬أن‭ ‬يبدأ‭ ‬الغناء‭ ‬قال‭ ‬إن‭ ‬سببًا‭ ‬رئيسيًا‭ ‬لرغبته‭ ‬في‭ ‬المشاركة‭ ‬كان‭ ‬‮«‬الوقوف‭ ‬على‭ ‬مسرح‭ ‬كهذا،‭ ‬وأقول‭ ‬كلمتين‭ ‬قريبتين‭ ‬جدًا‭ ‬لقلبي،‭ ‬الحرية‭ ‬لفلسطين‭. ‬أريد‭ ‬صوت‭ ‬تلك‭ ‬الكلمات‭ ‬واضحًا‭ ‬وعاليًا‭ ‬ليسمعها‭ ‬أهل‭ ‬غزة‭ ‬والضفة‭ ‬المحتلة‭ ‬ليعرفوا‭ ‬أننا‭ ‬لم‭ ‬ننسهم‮»‬‭. ‬

عندئذ،‭ ‬أقام‭ ‬لوبي‭ ‬إسرائيل‭ ‬الدنيا‭ ‬ولم‭ ‬يقعدها‭ ‬متهمًا‭ ‬ماكليمور‭ ‬‮«‬بالكراهية‭ ‬ومعاداة‭ ‬السامية‮»‬،‭ ‬وانتهي‭ ‬الأمر‭ ‬بمنع‭ ‬‮«‬ماكليمور‮»‬‭ ‬من‭ ‬استكمال‭ ‬الجولة‭. ‬فهو‭ ‬قال‭ ‬إن‭ ‬‮«‬إد‭ ‬شيران‮»‬‭ ‬أخبره‭ ‬بأن‭ ‬الملياردير‭ ‬الصهيوني‭ ‬‮«‬روبرت‭ ‬كرافت‮»‬‭ ‬مالك‭ ‬الاستاد‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬سيستضيف‭ ‬الحفل‭ ‬التالي‭ ‬اتصل‭ ‬به‭ ‬ليخطره‭ ‬بأنه‭ ‬تحدث‭ ‬لغيره‭ ‬من‭ ‬ملاك‭ ‬المسارح‭ ‬وهم‭ ‬جميعًا‭ ‬ينذرونه‭ (‬شيران‭) ‬بأنه‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يطرد‭ ‬‮«‬ماكليمور‮»‬‭ ‬فإنهم‭ ‬لن‭ ‬يستضيفوا‭ ‬جولته‭ ‬الغنائية‭ ‬أصلًا‭.‬

‭ ‬وأضاف‭ ‬‮«‬شيران‮»‬‭ ‬قائلًا‭ ‬إن‭ ‬كلمات‭ ‬‮«‬ماكليمور‮»‬‭ ‬ومشهد‭ ‬العلم‭ ‬الفلسطيني‭ ‬‮«‬جرحا‭ ‬مشاعر‭ ‬الكثيرين‮»‬‭ ‬ممن‭ ‬تحدث‭ ‬إليهم،‭ ‬وأكد‭ ‬أن‭ ‬موقفه‭ ‬المعروف‭ ‬هو‭ ‬‮«‬عدم‭ ‬الانحياز‮»‬‭! ‬والحقيقة‭ ‬أن‭ ‬‮«‬شيران‮»‬‭ ‬كاذب،‭ ‬فهو‭ ‬كثيرًا‭ ‬ما‭ ‬أعلن‭ ‬انحيازاته‭ ‬السياسية،‭ ‬إذ‭ ‬عارض‭ ‬علنًا‭ ‬خروج‭ ‬بلاده‭ ‬من‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي،‭ ‬وناصر‭ ‬حزب‭ ‬العمال‭ ‬البريطاني،‭ ‬بل‭ ‬وغنى‭ ‬لصالح‭ ‬أوكرانيا‭ ‬عندما‭ ‬اندلعت‭ ‬الحرب‭. ‬أما‭ ‬روبرت‭ ‬كرافت‭ ‬فهو‭ ‬الملياردير‭ ‬الأمريكي‭ ‬الذي‭ ‬وصفه‭ ‬نتنياهو‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬الصديق‭ ‬الأكثر‭ ‬ولاء‭ ‬لإسرائيل‮«‬‭!‬

غير‭ ‬أن‭ ‬أهم‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬القصة‭ ‬أن‭ ‬الاتهام‭ ‬بالعداء‭ ‬للسامية‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬ينطلي‭ ‬على‭ ‬أحد‭. ‬فبمجرد‭ ‬طرد‭ ‬‮«‬ماكليمور‮»‬،‭ ‬انسحب‭ ‬كل‭ ‬الفنانين‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬سيشاركون‭ ‬‮«‬شيران‮»‬‭ ‬في‭ ‬جولته‭ ‬الغنائية،‭ ‬بل‭ ‬انسحبت‭ ‬فرقة‭ ‬شيران‭ ‬الموسيقية‭. ‬وانهال‭ ‬التضامن‭ ‬مع‭ ‬‮«‬ماكليمور‮»‬‭ ‬من‭ ‬فنانين‭ ‬ورياضيين‭ ‬ومشاهير‭ ‬آخرين،‭ ‬وأعلنوا‭ ‬دعمهم‭ ‬لغزة‭. ‬

وأعلن‭ ‬‮«‬ماكليمور‮»‬‭ ‬تبرعه‭ ‬بالمليون‭ ‬دولار‭ ‬التي‭ ‬تقاضاها‭ ‬عما‭ ‬شارك‭ ‬فيه‭ ‬في‭ ‬الجولة‭ ‬لصالح‭ ‬ست‭ ‬منظمات‭ ‬فلسطينية،‭ ‬ودعا‭ ‬‮«‬كرافت‮»‬‭ ‬ليفعل‭ ‬بالمثل‭! ‬فاضطر‭ ‬‮«‬كرافت‮»‬‭ ‬اضطرارًا‭ ‬للخروج‭ ‬عن‭ ‬صمته‭. ‬فقال‭ ‬إنه‭ ‬لم‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬إسكات‭ ‬‮«‬ماكليمور‮»‬،‭ ‬والسبب‭ ‬وراء‭ ‬طرده‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ما‭ ‬قاله‭ ‬على‭ ‬المسرح،‭ ‬وإنما‭ ‬‮«‬سجله‭ ‬الطويل‭ ‬في‭ ‬معاداة‭ ‬السامية‮»‬‭!.‬

وزعم‭ ‬أنه‭ ‬تبرع‭ ‬طوال‭ ‬حياته‭ ‬‮«‬لمساعدة‭ ‬الفلسطينيين‮»‬‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬تكذبه‭ ‬الوقائع‭ ‬والسجلات،‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬تبرعاته‭ ‬المستمرة‭ ‬لجيش‭ ‬الاحتلال‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬وإنفاقه‭ ‬على‭ ‬رحلات‭ ‬المشاهير‭ ‬لزيارة‭ ‬إسرائيل‭ ‬ودعمها،‭ ‬وتمويله‭ ‬لمؤسسات‭ ‬تلاحق‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬ينتقد‭ ‬إسرائيل‭ ‬يمثل‭ ‬‮«‬مساعدة‭ ‬للفلسطينيين”‭!‬

أما‭ ‬تبرع‭ ‬‮«‬ماكليمور‮»‬‭ ‬فتبعته‭ ‬تبرعات‭ ‬من‭ ‬مشاهير‭ ‬آخرين‭.. ‬لكن‭ ‬‮«‬ميس‭ ‬ريتشيل‮»‬‭ ‬الأمريكية‭ ‬التي‭ ‬تعلم‭ ‬الأطفال‭ ‬على‭ ‬‮«‬يوتيوب‮»‬‭ ‬وتحظى‭ ‬بشعبية‭ ‬طاغية،‭ ‬فقد‭ ‬دعت‭ ‬كل‭ ‬المشاهير‭ ‬البيض‭ ‬للتبرع‭ ‬لصالح‭ ‬أطفال‭ ‬غزة‭! ‬وهي‭ ‬بذلك‭ ‬فضحت‭ ‬‮«‬إد‭ ‬شيران‮»‬‭ ‬وحكاية‭ ‬‮«‬الكلمات‭ ‬التي‭ ‬تجرح‭ ‬مشاعر‭ ‬الكثيرين‮»‬‭ ‬لأنها‭ ‬ذات‭ ‬جذور‭ ‬عنصرية‭. ‬فهي‭ ‬عبارات‭ ‬يتم‭ ‬استدعاؤها‭ ‬فقط‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬‮«‬جُرحت‭ ‬مشاعرهم‮»‬‭ ‬من‭ ‬البيض‭. ‬فالتفوق‭ ‬الأبيض‭ ‬يعني‭ ‬ضمن‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬البيض‭ ‬فقط‭ ‬دون‭ ‬غيرهم‭ ‬هم‭ ‬من‭ ‬لديهم‭ ‬مشاعر،‭ ‬ومشاعرهم‭ ‬مقدمة‭ ‬حتى‭ ‬على‭ ‬أرواح‭ ‬الأعراق‭ ‬‮«‬الأدنى‮»‬

غير‭ ‬أن‭ ‬أهم‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬القصة‭ ‬برمتها‭ ‬أنها‭ ‬كشفت‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬البروباجندا‭ ‬الصهيونية‭ ‬باتت‭ ‬تأتي‭ ‬بنتائج‭ ‬عكسية‭. ‬فبدلًا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬ينجح‭ ‬‮«‬كرافت‮»‬‭ ‬في‭ ‬فرض‭ ‬الصمت‭ ‬على‭ ‬‮«‬ماكليمور‮»‬‭ ‬وردع‭ ‬غيره‭ ‬ممن‭ ‬يدعمون‭ ‬فلسطين،‭ ‬نجح‭ ‬بامتياز‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬غزة‭ ‬إلى‭ ‬موقع‭ ‬الصدارة‭ ‬في‭ ‬العقل‭ ‬الجمعي‭ ‬الأمريكي‭!‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا