الجدل الذي أثاره طرد «ماكليمور» من الجولة الغنائية للبريطاني «إد شيران» كشفت عن تحولات جوهرية حققتها غزة ودفعت ثمنها بتضحيات هائلة وبدماء أبنائها. و«ماكليمور»، مغني الراب الأمريكي، هو صاحب أغنية «قاعة هند» التي أحدثت دويًا عالميًا في أوج حرب إبادة غزة حين غناها دعمًا لغزة ولطلاب جامعة كولومبيا الذين اعتصموا وقتها وأطلقوا اسم الطفلة الشهيدة «هند رجب» على قاعة بالجامعة.
والحكاية باختصار أن «ماكليمور»، في أول حفل غنائي بالجولة، اعتلى المسرح أمام أكثر من 50 ألف شخص مرتديًا الكوفية الفلسطينية. وقبل أن يبدأ الغناء قال إن سببًا رئيسيًا لرغبته في المشاركة كان «الوقوف على مسرح كهذا، وأقول كلمتين قريبتين جدًا لقلبي، الحرية لفلسطين. أريد صوت تلك الكلمات واضحًا وعاليًا ليسمعها أهل غزة والضفة المحتلة ليعرفوا أننا لم ننسهم».
عندئذ، أقام لوبي إسرائيل الدنيا ولم يقعدها متهمًا ماكليمور «بالكراهية ومعاداة السامية»، وانتهي الأمر بمنع «ماكليمور» من استكمال الجولة. فهو قال إن «إد شيران» أخبره بأن الملياردير الصهيوني «روبرت كرافت» مالك الاستاد الذي كان سيستضيف الحفل التالي اتصل به ليخطره بأنه تحدث لغيره من ملاك المسارح وهم جميعًا ينذرونه (شيران) بأنه ما لم يطرد «ماكليمور» فإنهم لن يستضيفوا جولته الغنائية أصلًا.
وأضاف «شيران» قائلًا إن كلمات «ماكليمور» ومشهد العلم الفلسطيني «جرحا مشاعر الكثيرين» ممن تحدث إليهم، وأكد أن موقفه المعروف هو «عدم الانحياز»! والحقيقة أن «شيران» كاذب، فهو كثيرًا ما أعلن انحيازاته السياسية، إذ عارض علنًا خروج بلاده من الاتحاد الأوروبي، وناصر حزب العمال البريطاني، بل وغنى لصالح أوكرانيا عندما اندلعت الحرب. أما روبرت كرافت فهو الملياردير الأمريكي الذي وصفه نتنياهو بأنه «الصديق الأكثر ولاء لإسرائيل«!
غير أن أهم ما في القصة أن الاتهام بالعداء للسامية لم يعد ينطلي على أحد. فبمجرد طرد «ماكليمور»، انسحب كل الفنانين الذين كانوا سيشاركون «شيران» في جولته الغنائية، بل انسحبت فرقة شيران الموسيقية. وانهال التضامن مع «ماكليمور» من فنانين ورياضيين ومشاهير آخرين، وأعلنوا دعمهم لغزة.
وأعلن «ماكليمور» تبرعه بالمليون دولار التي تقاضاها عما شارك فيه في الجولة لصالح ست منظمات فلسطينية، ودعا «كرافت» ليفعل بالمثل! فاضطر «كرافت» اضطرارًا للخروج عن صمته. فقال إنه لم يهدف إلى إسكات «ماكليمور»، والسبب وراء طرده لم يكن ما قاله على المسرح، وإنما «سجله الطويل في معاداة السامية»!.
وزعم أنه تبرع طوال حياته «لمساعدة الفلسطينيين». وهو ما تكذبه الوقائع والسجلات، إلا إذا كانت تبرعاته المستمرة لجيش الاحتلال الإسرائيلي، وإنفاقه على رحلات المشاهير لزيارة إسرائيل ودعمها، وتمويله لمؤسسات تلاحق كل من ينتقد إسرائيل يمثل «مساعدة للفلسطينيين”!
أما تبرع «ماكليمور» فتبعته تبرعات من مشاهير آخرين.. لكن «ميس ريتشيل» الأمريكية التي تعلم الأطفال على «يوتيوب» وتحظى بشعبية طاغية، فقد دعت كل المشاهير البيض للتبرع لصالح أطفال غزة! وهي بذلك فضحت «إد شيران» وحكاية «الكلمات التي تجرح مشاعر الكثيرين» لأنها ذات جذور عنصرية. فهي عبارات يتم استدعاؤها فقط إذا كان من «جُرحت مشاعرهم» من البيض. فالتفوق الأبيض يعني ضمن ما يعني أن البيض فقط دون غيرهم هم من لديهم مشاعر، ومشاعرهم مقدمة حتى على أرواح الأعراق «الأدنى»
غير أن أهم ما في القصة برمتها أنها كشفت عن أن البروباجندا الصهيونية باتت تأتي بنتائج عكسية. فبدلًا من أن ينجح «كرافت» في فرض الصمت على «ماكليمور» وردع غيره ممن يدعمون فلسطين، نجح بامتياز في إعادة غزة إلى موقع الصدارة في العقل الجمعي الأمريكي!

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك