عقب الهجمات الإرهابية التي استهدفت الولايات المتحدة الأمريكية 11 سبتمبر 2001، سارعت إدارة الرئيس جورج بوش الابن آنذاك إلى تطبيق سياسات محلية وخارجية كان لها تداعيات هائلة على الولايات المتحدة والعالم بأسره.
لقد مررت الإدارة الأمريكية تشريعات واسعة النطاق -اقترنت بأوامر تنفيذية ومذكرات تتعلق بـ «الأمن القومي» -أدت فعلياً إلى تقويض نصف الحقوق التي تكفلها «وثيقة الحقوق» (Bill of Rights)، ومحو خمسين عاماً من الجهود الرامية إلى تعزيز الحقوق والحريات المدنية.
علاوة على ذلك، ساهمت الخطوات التي اتُخذت لتبرير عمليات الغزو والاحتلال ومحاولات «بناء الدولة» في كل من أفغانستان والعراق في إضعاف دور كل من منظمة الأمم المتحدة وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، كما ساهمت في تفكيك منظومة الدبلوماسية وتقويض حقوق الإنسان وسيادة القانون التي أرسى المجتمع الدولي دعائمها في أعقاب الحرب العالمية الثانية.
لقد كانت بوادر الهجوم على الحقوق والحريات تلوح في الأفق قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001؛ إذ وُضعت خطط «سرية» -بدءاً من عهد رونالد ريغان ووصولاً إلى إدارة بيل كلينتون-تهدف إلى اعتقال «الأجانب» أو احتجازهم أو ترحيلهم دون اتباع الإجراءات القانونية الواجبة، غير أن الإدارات الأمريكية السابقة قد أحجمت عن المضي قدما في تنفيذ تلك الخطط علناً بسبب المعارضة الداخلية.
ولكن، وفي ظل حالة الصدمة التي خيمت على البلاد عقب تلك الهجمات الإرهابية، أتيحت الفرصة لإدارة جورج بوش لمنح أجهزة إنفاذ القانون -وبشكل علني- حزمةً متنوعة من الأدوات القمعية التي كانت تلك الأجهزة تسعى جاهدة للحصول عليها.
وقد أقدمت الإدارة الأمريكية آنذاك على هذه الخطوة وهي تدرك أن أي معارضة داخلية أو حزبية ستكون خافتة ومحدودة، نظراً لحجم الصدمة الهائل الذي خلّفته الأحداث التي جدت يوم الحادي عشر من سبتمبر 2001.
وفي نهاية المطاف، تم إقرار تلك التشريعات التي دعمتها إدارة جورج بوش بسهولة في الكونغرس الأمريكية، إذ لم يعارض مشروع القانون سوى عضو واحد في مجلس الشيوخ.
كما قوبلت تدابير الإدارة بمعارضة محدودة فقط؛ وهي تدابير شملت الاعتماد على التصنيف العرقي والإثني، وحرمان المهاجرين من ضمانات الإجراءات القانونية الواجبة، وإجراء عمليات تفتيش ومراقبة دون أوامر قضائية، واستخدام أساليب الإيقاع بالأفراد المستضعفين (الاستدراج)، وتطبيق مجموعة من الإجراءات المكلفة والتعسفية في المطارات، وهي ممارسات ثبتت جميعها عدم فعاليتها تماماً في حماية الأمن القومي.
وإذا كانت صدمة الهجمات قد جعلت الرأي العام أكثر استعداداً لتقبّل قوانين وبرامج جديدة تنتقص من حقوق الآخرين، فقد ولّدت تلك الهجمات أيضاً شعوراً بالخوف والترقب إزاء ما قد يحدث لاحقاً. فقد سبق للولايات المتحدة الأمريكية أن غزت دولاً أخرى، وقصفتها، وخاضت حروباً على أراضيها في أنحاء متفرقة من العالم.
غير أن الأراضي الأمريكية لم تتعرض لهجوم مباشر منذ واقعة «بيرل هاربور» التي حدثت قبل أكثر من ستة عقود، مما أدى إلى شعور بالهشاشة وانعدام الأمان. وراودت الناس تساؤلات ملحة: «من هؤلاء الذين ارتكبوا هذه الجرائم؟» و«لماذا فعلوا بنا هذا؟» و «ما الذي ينبغي علينا فعله الآن للرد؟»
ولم تكد سحب الغبار تنقشع عن ذلك الجحيم المشتعل، حتى بدأت مجموعة من المحافظين الجدد -الذين كان نفوذهم يتصاعد داخل الحزب الجمهوري- في الدعوة إلى شن ضربة عسكرية أمريكية ضد العراق، وذلك قبل حتى أن يختلقوا الحجج والمبررات التي ساقوها لاحقاً لتسويغ تلك الحرب.
لقد كانت رؤيتهم للعالم تقوم على اعتقاد مفاده أن الولايات المتحدة الأمريكية قد تعرضت للهجوم لأنها بدت في نظر الآخرين ضعيفة ومتراخية، ومن ثم، فقد رأوا أن ما تقتضيه الضرورة هو استعراض القوة الأمريكية.
وعلى الرغم من أن الرئيس آنذاك، جورج دبليو بوش، لم يكن يتبنى رؤيتهم للعالم في البداية، إلا أن صدمة أحداث 11 سبتمبر دفعت المحافظين الجدد بقوة ليصبحوا قوة مهيمنة تشكّل سياسات إدارته.
وفي الأشهر والسنوات التي تلت ذلك، اتخذت إدارة بوش قرارات عكست تأثيرهم؛ فقد كانت التشريعات القمعية والبرامج المعادية للعرب والمسلمين جزءاً من هذا التوجه، وكذلك الحروب وعمليات الاحتلال في كل من أفغانستان والعراق.
لقد كانت تكاليف وعواقب هاتين الحربين -اللتين اتسمتا بسوء التخطيط -هائلة، سواء من حيث الأرواح المفقودة أو الموارد المالية المستنزفة أو تراجع المكانة والاحترام اللذين كانت تحظى بهما الولايات المتحدة الأمريكية.
وبالإضافة إلى مئات الآلاف من العراقيين والأفغان الذين لقوا حتفهم، قُتل 7000 جندي أمريكي. وفي حين حاولت وزارة الدفاع (البنتاغون) في عهد بوش إقناع الكونغرس الأمريكي بالحرب عبر الزعم بأن تكلفتها لن تتجاوز بضعة مليارات من الدولارات، تشير التقديرات الحالية إلى أن التكلفة الفعلية تراوحت بين 6 و7 تريليونات دولار.
ونتيجةً لإقدام الولايات المتحدة الأمريكية بشكل أحادي الجانب على خوض الحرب بقوة مفرطة، وإهانتها للحلفاء الذين رفضوا الانضمام إليها، فضلاً عن أدائها المتعثر للغاية في إدارة كلا الصراعين، فقد تراجعت مكانة الولايات المتحدة واحترام العالم لها بشكل حاد.
لقد ألحقت هذه السياسات -التي طُبقت في أعقاب هجمات 11 سبتمبر 2001 -أضراراً جسيمة خلال عهد بوش، إلا أن تداعياتها لا تزال قائمة؛ ونظراً لأن الإدارات اللاحقة لم تضع حداً نهائياً وحاسماً لها، فقد شكلت تلك السياسات الأساس الذي قامت عليه التجاوزات في السياسات الخارجية والداخلية لإدارة ترامب، وهي التجاوزات التي نواجهها اليوم.
{ رئيس المعهد العربي الأمريكي

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك