العدد : ١٧٧١٧ - الجمعة ٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧١٧ - الجمعة ٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

الدور الثقافي في التحولات السياسية

بقلم: د. رضوان السيد

الجمعة ٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬مسار‭ ‬الحضارات‮»‬،‭ ‬يصرُّ‭ ‬المؤرخ‭ ‬الهولندي‭ ‬المعروف‭ ‬يوهان‭ ‬هويزينجا‭ ‬على‭ ‬أنّ‭ ‬التغير‭ ‬الثقافي‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يصنع‭ ‬التغير‭ ‬السياسي‭. ‬ومع‭ ‬أنه‭ ‬توفي‭ ‬عام‭ ‬1945،‭ ‬فإنه‭ ‬ظلَّ‭ ‬مُصراً‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الماركسية‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬جوهرها‭ ‬‮«‬تغير‭ ‬ثقافي‮»‬؛‭ ‬وأنه‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يصنع‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭. ‬لكن‭ ‬رغم‭ ‬الجبروت‭ ‬الذي‭ ‬ضرب‭ ‬روسيا‭ ‬وشرق‭ ‬أوروبا‭ ‬والصين؛‭ ‬فإنّ‭ ‬نظام‭ ‬العالم‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬استعاد‭ ‬ظاهراً‭ ‬القيم‭ ‬الليبرالية‭ ‬للتنوير‭ ‬الأوروبي‭ ‬في‭ ‬‮«‬ميثاق‭ ‬الأُمم‭ ‬المتحدة‮»‬‭ ‬و«الإعلان‭ ‬العالمي‭ ‬لحقوق‭ ‬الإنسان‮»‬‭. ‬وقد‭ ‬انتصرت‭ ‬هذه‭ ‬القيم‭ ‬أو‭ ‬شعاراتها‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬على‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي،‭ ‬واضعةً‭ ‬تطورات‭ ‬العالم‭ ‬تحت‭ ‬جناحها‭ ‬بعد‭ ‬عام‭ ‬1990‭. ‬ووقتها‭ ‬تحدث‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬جورج‭ ‬بوش‭ ‬الأب‭ ‬عن‭ ‬‮«‬النظام‭ ‬العالمي‭ ‬الجديد‮»‬،‭ ‬وفيه‭ ‬صارت‭ ‬العولمة‭ ‬واقتصادات‭ ‬السوق‭ ‬أبرز‭ ‬معالم‭ ‬النظام‭. ‬وفي‭ ‬حين‭ ‬كانت‭ ‬‮«‬الديمقراطية‮»‬‭ ‬وثقافتها‭ ‬‮«‬الليبرالية‮»‬‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬أعلنها،‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع‭ ‬الأمريكي‭ ‬والأوروبي؛‭ ‬فقد‭ ‬تبين‭ ‬أنّ‭ ‬الذي‭ ‬ساد‭ ‬أو‭ ‬يسود‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الجديدة‭ ‬ليس‭ ‬التنوير‭ ‬القديم‭ ‬وآفاقه‭ ‬الثقافية‭ ‬الرحبة؛‭ ‬بل‭ ‬هيمنة‭ ‬اقتصاد‭ ‬السوق،‭ ‬والشركات‭ ‬العابرة‭ ‬للقارات‭.‬

لقد‭ ‬كانت‭ ‬المرحلة‭ ‬المبشَّر‭ ‬بها‭ ‬قصيرة‭ ‬ومملوءة‭ ‬بالتحديات‭ ‬والحروب،‭ ‬التي‭ ‬حفل‭ ‬بها‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬ثم‭ ‬ما‭ ‬لبثت‭ ‬أن‭ ‬تسللت‭ ‬إلى‭ ‬أوروبا‭ ‬على‭ ‬مستويين‭: ‬مستوى‭ ‬التحدي‭ ‬الروسي،‭ ‬ومستوى‭ ‬ظهور‭ ‬اليمين‭ ‬الذي‭ ‬يستهدف‭ ‬اصطناع‭ ‬تغيير‭ ‬جذري‭ ‬دنا‭ ‬من‭ ‬الثقافي،‭ ‬وتنكَّر‭ ‬للعولمة‭ ‬الاقتصادية‭.‬

ومنذ‭ ‬تفكيك‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬في‭ ‬تسعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬بدأت‭ ‬تتوالى‭ ‬النُذُر‭ ‬بانهيار‭ ‬الغرب‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬معتزاً‭ ‬بانتصاره‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬اليقين‭ ‬أنّ‭ ‬الصين‭ ‬ستنضمُّ‭ ‬إليه‭ ‬ثقافياً‭ ‬واستراتيجياً‭ (!). ‬لكنّ‭ ‬المخاوف‭ ‬من‭ ‬الصين‭ ‬لن‭ ‬تنتهي،‭ ‬وروسيا‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬التحالف‭ ‬معها؛‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الصمود‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬مصالح‭ ‬الغرب‭ ‬الكبرى‭.‬

أيُّ‭ ‬هذه‭ ‬العوامل‭ ‬هو‭ ‬الأعمق‭ ‬نخراً‭ ‬في‭ ‬جسم‭ ‬الحضارة‭ ‬الغربية‭: ‬الحرب‭ ‬الروسية،‭ ‬أم‭ ‬الزحف‭ ‬الصيني،‭ ‬أم‭ ‬صعود‭ ‬اليمين‭ ‬الراديكالي،‭ ‬أم‭ ‬الانسحاب‭ ‬الأمريكي‭ ‬من‭ ‬القارة‭ ‬العجوز؟‭ ‬إيمانويل‭ ‬تود‭ ‬صاحب‭ ‬كتاب‭: ‬‮«‬انهيار‭ ‬الغرب‮»‬‭ ‬يعدُّ‭ ‬هذه‭ ‬الأسباب‭ ‬مجتمعةً‭ ‬إيذاناً‭ ‬بالانهيار‭ ‬حتى‭ ‬قبل‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثالثة

لكنّ‭ ‬برت‭ ‬بودن‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬إمبراطورية‭ ‬الحضارة‭... ‬تطور‭ ‬فكرة‭ ‬الإمبريالية‮»‬‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬الصراعات‭ ‬على‭ ‬الموارد‭ ‬والممرات‭ ‬البحرية‭ ‬والجوية‭ ‬بوصفها‭ ‬نُذُراً‭ ‬لتمدُّد‭ ‬الإمبريالية‭ ‬التي‭ ‬تقتل‭ ‬نفسها‭ ‬وتُهلك‭ ‬العالم‭. ‬ومناطق‭ ‬الصراع‭ ‬العالمي‭ ‬على‭ ‬الموارد‭ ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظره‭ ‬هي‭ ‬ثلاث‭ ‬رئيسية‭: ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬وإفريقيا،‭ ‬وأميركا‭ ‬اللاتينية‭. ‬هو‭ ‬يعدّ‭ ‬التغير‭ ‬الثقافي‭ ‬أو‭ ‬الحرب‭ ‬الثقافية‭ ‬مزحة؛‭ ‬جربَتْها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة،‭ ‬أما‭ ‬الواقع‭ ‬الذي‭ ‬هدّد‭ ‬النظام‭ ‬العالمي،‭ ‬فهو‭ ‬الصراع‭ ‬على‭ ‬الموارد‭ ‬بمقتضى‭ ‬التطور‭ ‬الإمبريالي‭ ‬الكبير‭ ‬الذي،‭ ‬ومنذ‭ ‬ثمانينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬ما‭ ‬عاد‭ ‬قاصراً‭ ‬على‭ ‬القطبين‭ ‬الأعظمين،‭ ‬بل‭ ‬انضمت‭ ‬إليه‭ ‬الصين‭ ‬التي‭ ‬نافست‭ ‬الجميع‭ ‬وليست‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬الثلاث‭ ‬الرئيسية‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬إشهار‭ ‬السلاح‭. ‬

إن‭ ‬أُولى‭ ‬محاولات‭ ‬التمدد‭ ‬الصيني‭ ‬كانتُ‭ ‬في‭ ‬إفريقيا‭ ‬وأمريكا‭ ‬اللاتينية‭ ‬ثم‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬وأضافت‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬منطقة‭ ‬شرق‭ ‬وجنوب‭ ‬شرقي‭ ‬آسيا‭ ‬بِعَدّها‭ ‬مجالها‭ ‬الخاص،‭ ‬ولو‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬روسيا،‭ ‬والاتحاد‭ ‬السوفياتي‭ ‬المنكمش‭ ‬والمتصدع‭ ‬حينذاك‭. ‬فالطبيعة‭ ‬تأبى‭ ‬الفراغ،‭ ‬والانكماش‭ ‬الروسي‭ ‬أغرى‭ ‬الجميع‭ ‬وليس‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬فقط؛‭ ‬وهي‭ ‬الموجودة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكانٍ‭ ‬أصلاً؛‭ ‬ليس‭ ‬بشركاتها‭ ‬الضخمة‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬بأساطيلها‭ ‬العملاقة‭. ‬

ولذلك،‭ ‬ومنذ‭ ‬3‭ ‬عقود،‭ ‬يتحدث‭ ‬الأمريكيون‭ ‬عن‭ ‬التمدد‭ ‬الصيني،‭ ‬ويريدون‭ ‬التفرغ‭ ‬له،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يستطيعوا‭ ‬ذلك؛‭ ‬لاتّساع‭ ‬المجالات‭ ‬التي‭ ‬يريدون‭ ‬البقاء‭ ‬فيها‭ ‬والسيطرة‭ ‬عليها،‭ ‬وهذه‭ ‬المرة‭ ‬ليس‭ ‬بـ«النظام‭ ‬العالمي‭ ‬الجديد‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬بـ«القوة‭ ‬العسكرية‮»‬‭ ‬إذا‭ ‬لزم‭ ‬الأمر‭.‬

برتران‭ ‬بادي،‭ ‬مفكر‭ ‬استراتيجي‭ ‬فرنسي،‭ ‬وليس‭ ‬من‭ ‬همّه‭ ‬الانقلابات‭ ‬الثقافية‭ ‬أو‭ ‬الحضارية،‭ ‬بل‭ ‬المديات‭ ‬الاستراتيجية‭. ‬هو‭ ‬يرى‭ ‬أنّ‭ ‬المَعلم‭ ‬الأهمّ‭ ‬في‭ ‬الصراع‭ ‬العالمي‭ ‬الحالي،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الصين‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬هو‭ ‬ظهور‭ ‬القوى‭ ‬الإقليمية‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬التجاذب‭ ‬أو‭ ‬الصراع‭. ‬وفي‭ ‬حين‭ ‬يضطرب‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬القوى‭ ‬الإقليمية‭ ‬الجديدة‭ ‬بأمريكا‭ ‬اللاتينية‭ ‬وإفريقيا،‭ ‬يذكر‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭: ‬إيران‭ ‬وتركيا‭ ‬وأخيراً‭ ‬إسرائيل‭. ‬وإيران‭ ‬هي‭ ‬الأكبر‭ ‬طموحاً‭ ‬وتضيف‭ ‬الديني‭ ‬إلى‭ ‬القومي‭ ‬في‭ ‬تحركاتها،‭ ‬وتعتمد‭ ‬سياسات‭ ‬الاختراق‭ ‬من‭ ‬طريق‭ ‬الميليشيات‭ ‬العميلة،‭ ‬ولم‭ ‬تنجح‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬بعد‭ ‬الصدام‭ ‬المباشر‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإسرائيل‭ ‬في‭ ‬ربط‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬بالاقتصادي‭ ‬والسياسي،‭ ‬ولذلك؛‭ ‬فسيتعذر‭ ‬عليها‭ ‬الاستمرار‭ ‬لهول‭ ‬التكاليف‭. ‬تركيا‭ ‬تفعل‭ ‬ذلك‭ ‬ولها‭ ‬مستقبل‭. ‬أما‭ ‬إسرائيل‭ ‬فمنهمكة‭ ‬في‭ ‬تأمين‭ ‬حدودها‭ ‬وما‭ ‬وراءها‭ ‬بالقوة‭ ‬العسكرية،‭ ‬وفي‭ ‬ذلك‭ ‬استنفاد‭ ‬للموارد‭ ‬إن‭ ‬تراجع‭ ‬الدعم‭ ‬الأمريكي‭!‬

هل‭ ‬لهذا‭ ‬الصراع‭ ‬الذي‭ ‬تندلع‭ ‬فيه‭ ‬الحروب‭ ‬علائق‭ ‬بالحضارات‭ ‬ومصائرها؟‭ ‬الثابت‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬أن‭ ‬له‭ ‬آثاراً‭ ‬مفجعة‭ ‬على‭ ‬الأمن‭ ‬السياسي‭ ‬والإنساني‭ ‬وعلى‭ ‬استمرار‭ ‬واستقرار‭ ‬النظام‭ ‬العالمي؛‭ ‬لكنّ‭ ‬الفرنسيين،‭ ‬أو‭ ‬بعضهم،‭ ‬مهجوسون‭ ‬أيضاً‭ ‬بمصير‭ ‬الحضارة‭ ‬الأوروبية‭ ‬أو‭ ‬الغربية‭.‬

{ كاتب‭ ‬ومفكر‭ ‬لبناني

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا