أعادت الانتخابات الإسرائيلية «الحياة» إلى خطاب سياسي فلسطيني داخل مناطق عرب 48، بعدما عانى صمتا غير مفهوم أو مبرّر بالكامل منذ حرب الإبادة. الخطاب الذي ظهر بشكل خجِل منذ الحرب، وظهر بوضوح ومثابرة وحماسة على مشارف الانتخابات من خلال سردياته القديمة ما قبل «7 أكتوبر» (2023)، فيما يبدو استدعاءً لمنطق وتفكير سياسيين لم تدخل فيهما حرب الإبادة ولا «لحظة الإبادة» باعتبارها لحظة عالمية تعيد النظر في فكرة الصهيونية وخطرها العالمي، في تشكلها.
يكتب الباحث إمطانس شحادة، في ورقة موقف أعدها لمركز مدى الكرمل وصدرت في فبراير 2024، أن الأحزاب الفلسطينية في مناطق الـ48، ما يُعرف باسم الداخل الفلسطيني، لم تقم بمراجعة تفكيرها أو فرضياتها السياسية، وبقيت ضمن الخطاب والجدليات وتعريف إمكانيات الفاعلية السياسية التي بنت عليها سياسات المواطنة ما قبل حرب الإبادة. من جهة أخرى، ترى أدبيات إسرائيلية عديدة (تبقى كتيار يقع في هامش الهامش الإسرائيلي) أن الإبادة ليست من صنع اليمين فقط، بل هي تعميم لخيال موجود في بنية الصهيونية.
لا تتعامل تلك الأدبيات مع «7 أكتوبر» باعتباره سبباً وحيداً للحالة الإبادية في إسرائيل، بل باعتباره لحظة تفعيل لعناصر كانت موجودة أصلاً، محذّرة من فك الصلة بين الإبادة ومن يعتبرون أنفسهم «ليبراليين إسرائيليين»، ويؤكّدون أن الإبادة تحوّلت إلى «طبيعة جديدة للأمن الأسرائيلي». لا ترى هذه الأدبيات إمكانيّة عودة إسرائيل إلى «مركزها الليبرالي الطبيعي». بالتالي، يعتقد هذا المقال أن مشكلة الخطاب السياسي الفلسطيني الانتخابي الحالي ليست في أنه يريد محاربة اليمين، ولا في أنه يفاضل بين اليمين والمركز في الأحزاب الإسرائيلية، مشكلته في أنه يحوّل السياسة الفلسطينية برمتها إلى علاقة مفاضلة بين اليمين الإبادي واللايمين الذي كان أنجع من اليمين في تنفيذ الإبادة وشرعنتها وتطبيعها. وفق هذا المنطق، بناء السياسة الفلسطينية على هذه المفاضلة هو عملية إنكار لواقع إسرائيلي إبادي «جديد»، وبالتالي هي فاقدة الأفق السياسي أي فاقدة الإمكانية.
ولكن بما أن الفلسطينيين يعيشون الواقع الإسرائيلي، لا يمرّ انسداد الأفق إسرائيلياً من دون انسداده فلسطينياً أيضاً، وإن لم ينعكس هذا ضمن الخطاب السياسي الفلسطيني، لكنه ينعكس ضمن وجدانيات الناس وشعورهم، أي ما يُعرف بالأدبيات بـ«بنية الشعور». يدّعي هذا الجزء من المقال أن سياسات المواطنة الفلسطينية التي تُبنى على منطق إعادة تأهيل المواطنة والحيز الإسرائيلي وإسرائيل نفسها هي سياسات مسدودة الأفق، ليس فقط بسبب تغيرات إسرائيلية، بل أيضاً بسبب تغييرات عميقة في بنية الشعور الفلسطينية، التي على عكس الخطاب السياسي الفلسطيني الذي ينكر الواقع، وصلت إلى حالة إدراك وجودي واعتراف بانغلاق الأفق الإسرائيلي، وبتحوّل الحالة الإسرائيلية إلى حالة تهديد لم تعد تتسع لمناوراتٍ أو إمكانات سياسية ذات معنى.
ورغم أن الناس مختلفون في أحاسيسهم وفي وجدانياتهم، ورغم أنّهم يحملون في أحيانٍ كثيرة وجدانيات متناقضة تسهم (ضمن شبكة من بنية مصالح وموقع بنيوي) في الوصول إلى مواقف ومواقع مختلفة، فإنني هنا أعتمد على مفهوم «بنية الشعور» لرايموند ويليام، وهو ناقد أدبي ومن المؤسسين المركزيين لحقل دراسات الثقافة في بريطانيا، لكي أدّعي أن الإبادة من تلك اللحظات التاريخية التي يتكلم عنها ويليام، والتي تُنتج بنية شعور عميقة تميز مراحل تاريخية معينة.
إن بنية الشعور الفلسطينية هذه، ورغم أنها فاقدة خطابها الفكري السياسي، وفاقدة تنظيمات سياسية تحضنها وتحوّلها إلى فاعلية سياسية، فإنه لا مشروع أو تصور أو خطاب سياسي ينجح إذا بني على نقيضها وتجاهلها وأنكرها.
بنية الشعور هذه هي الأرضية التي يُبنى عليها نجاح أي خطاب أو مشروع سياسي أو فشلهما، وهي تحمل طاقات هائلة في اللحظات التاريخية، ليس مجرّد طاقات انفعالية شعورية، بل طاقات إدراكية تستوعب إمكانات اللحظة، وتستوعب ما حطمته من أوهام.
إن لحظة كالإبادة، مهما أنكرها الخطاب السياسي الفلسطيني في الداخل، لا يمكن أن تمر من دون ترسّبات وجدانية وإدراكية عميقة، إما يتم هدرها وإجهاضها سياسياً أو يتم البناء عليها. ووظيفة السياسة هي بالضبط استثمار بنية الشعور هذه، عبر إدراك ما تحمله من استعداد لفاعلية ولتكلفة جديدة، والانتقال بها إلى حالة سياسية مختلفة تواكب اللحظة التاريخية.
إن خطاب إعادة تأهيل الحيز الإسرائيلي بوصفه إمكانية لسياسة فلسطينية ذات معنى ليس فقط نقيضاً لبنية مشاعر الاغتراب الملتحمة مع «لحظة الإبادة»، بل هو هدر لها أيضاً، هدر وإجهاض للحظة تاريخية، إذ تحضر فيه هذه البنية الاغترابية مع استعداد لاستجابة أكبر لسياساتٍ تقوم على إعادة بناء الحيز الفلسطيني نفسه وتأهيله حيّزاً سياسيّاً يأخذ قوته من تنظيمه الوطني الداخلي، وليس من علاقته مع الإسرائيلي.
إن الاغتراب وانسداد الأفق إسرائيلياً، دافع للانفتاح على القدرات والطاقات الفلسطينية الداخلية. لكن الخطاب الفلسطيني السياسي يرفض هذا، خشية مما يعتبرها «ردكلة» فلسطينية، وخشية من إثارة مخاوف وقلق «الشريك» الإسرائيلي، الذي يفسر الفلسطنة والتنظيم الذاتي الفلسطيني الذي يعي أنه يواجه دولة ومجتمعاً إباديين، وليس فقط يميناً عنصرياً، كقوقعة وانفصال.
وهذا ما ترفضه السياسات الفلسطينية التي يقودها الحزب الشيوعي. هذا ما يفسّر إصرار الأحزاب على بتر الفاعلية السياسية التي بدأتها مظاهرة سخنين (22 يناير الماضي) فاعليةً تعكس حالة اغتراب وإدراك للحالة الإبادية الإسرائيلية، وكحالة تحمل طاقاتها الخاصة لإعادة التأسيس لسياساتٍ فلسطينيةٍ ذات خيال وفاعلية مختلفة، وليس باتجاه تل أبيب.
لا يوصلنا انسداد أفق المواطنة هذا إلى ازدياد قوة منصور عباس (نائب رئيس الفرع الجنوبي للحركة الإسلامية) الذي تنكّر أخيراً لسردية النكبة واعترف بإسرائيل دولة يهودية ضمن سابقة سياسية لم تحصل لحزب سياسي فلسطيني في داخل مناطق الـ48، إلا لأن الخطاب السياسي الوطني يصر على عدم مراجعة بديهيات الفاعلية السياسية الفلسطينية وإعادة النظر فيها، وفي التفكير بحيز مختلف وبمنطق مختلف للسياسة يقوم على محاسبة إسرائيل وزعزعتها، وليس على إعادة تأهيلها، ويشتق طاقاته من حالة الاغتراب ومن إدراك التهديد الوجودي الذي تمثله إسرائيل بكل قطاعاتها ومؤسّساتها وأحزابها.
يدّعي هذا المقال أن هنالك حاجة لكمّ كبير من البراجماتية للتعامل مع الحالة الإسرائيلية، لكي يستطيع خطاب فلسطيني في لحظة إبادة أن يفكّر في التعامل مع الإسرائيلي.
تكشف لحظة الإبادة لنا عمق تحوّل شخصية الإسرائيلي في علاقته بالوجود الفلسطيني، ولذلك تظهر فاعليّته في أقصى قوتها عندما يصبح المطلوب إعادة إنتاج المجال السياسي الإسرائيلي. والمشكلة أن الصهيونية تظل بنية قمع ذات نظرة استعلائية تجاه الشعب الفلسطيني.
{ نائبة عربية سابقة من عرب 48

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك