يمضي عالم اليوم بخطى متسارعة نحو التحول الرقمي، وتتسع يومًا بعد يوم مساحة الحياة التي تُدار عبر شاشة الهاتف؛ من الحساب البنكي إلى المحفظة الإلكترونية، ومن التسوق إلى التوظيف. غير أن هذا الاتساع نفسه فتح، على نحو غير مقصود، بابًا خلفيًا لصناعة موازية تتغذى على السرعة والثقة غير المدروسة معًا؛ وهي صناعة الاحتيال الإلكتروني.
لم يعد الأمر أفعالًا متفرقة يقترفها هواة، بل تحوّل إلى منظومة مُحكمة تتوزع فيها الأدوار؛ من يصمم الرسالة المُقنعة، ومن ينتحل صفة الموظف أو شعار المؤسسة، ومن يدير خطوط الاتصال، ومن يُخفي الأموال المسروقة عبر حسابات وسيطة يصعب تتبعها. وبين رسالة نصية تحمل شعار بنك مزيّف، وإعلان وظيفة لا وجود لها، ومتجر إلكتروني وهمى، ورابط استثمار يعد بربح خاطف، تتكرر الحيلة ذاتها بأشكال متعددة: انتحال الصفة، واستدراج الضحية إلى قرار سريع لا مجال فيه للتفكير.
تكشف الأرقام حجم الظاهرة بوضوح؛ فقد كبّد الاحتيال الإلكتروني عملاء البنوك المصرية خسائر فاقت عشرات ملايين الجنيهات خلال عام واحد فقط، إذ أعلن حسن عبد الله، محافظ البنك المركزي أن إجمالي الأموال المُستردة لصالح ضحايا أعمال الاحتيال الرقمي بلغت نحو 116.8 مليون جنيه خلال عام 2025، مقارنة بنحو 6.5 ملايين جنيه خلال العام السابق عليه؛ وهو أمر يشير إلى تحسن قدرات المكافحة بكل تأكيد، لكنه يكشف أيضًا التصاعد المُطرد في عمليات الاحتيال الإلكتروني، رغم كل ما استثمرته المؤسسات المصرفية في تقنيات الحماية الحديثة.
وليس مُستغربًا أن يترافق هذا الرقم مع اتساع هائل في قاعدة المستخدمين المستفيدين من الخدمات المالية الرسمية، إذ قفزت مؤشرات الشمول المالي بما يزيد على 214 بالمئة منذ عام 2016 وحتى منتصف العام الفائت، ومع هذه الزيادة الكبيرة يصبح كل مُستخدم جديد ينضم إلى المنظومة الرقمية هدفًا محتملًا للاحتيال لم تكتمل بعد مناعته الرقمية.
هذا المشهد ليس استثناءً، بل هو صدى محلى لظاهرة عالمية متصاعدة. ففي الولايات المتحدة وحدها، تجاوزت الخسائر المبلَّغ عنها في جرائم الاحتيال الإلكتروني 20 مليار دولار أمريكي خلال عام 2025، بزيادة تفوق الربع عن العام الذي سبقه.
وجاء التصيّد الاحتيالي على رأس قائمة الجرائم الأكثر شيوعًا، بينما تصدّرت جرائم الاحتيال الاستثماري، وبخاصة المرتبطة بالعملات الرقمية، قائمة الأكثر ضررًا ماليًا بخسائر تجاوزت 6.5 مليارات دولار.
والملاحظ أن كبار السن هم الفئة الأكثر تضررًا في السياقات الغربية، في حين تميل الفئات الشابة والباحثة عن عمل إلى أن تكون الأكثر استهدافًا في السياق العربي، وهو ما يعكس أن الجريمة تُعيد تشكيل أدواتها بحسب البنية الاجتماعية والاقتصادية لكل بيئة، وإن ظل جوهرها التقني واحدًا.
يكمن سر نجاح هذه الصناعة، رغم كل التحذيرات المتكررة، في عوامل متشابكة يصعب فصل بعضها عن بعض. فثمة فجوة زمنية بين سرعة تبنى التقنيات المالية الجديدة ونضج الوعي الكافي باستخدامها الآمن، وهى فجوة يستثمرها المحتال ببراعة حين يخلق ضغطًا نفسيًا آنيًا، كإيهام الضحية بوجود تحويل مالي طارئ، أو جائزة توشك على الضياع، بما يحرمها فرصة التروي والتحقق. ويضاف إلى ذلك عامل الثقة المفرطة في الهويات الرقمية، فرسالة تحمل شعارًا مألوفًا، أو رقمًا يبدو رسميًا، كافية لتفكيك حواجز الحذر لدى كثيرين. كما تمنح الطبيعة العابرة للحدود لشبكة «الإنترنت» الجناة غطاءً إضافيًا، إذ يديرون عملياتهم من خارج نطاق الولاية القضائية المحلية، فتتعقد ملاحقتهم وتطول إجراءاتها.
في مواجهة ذلك، يتعين أن تتخذ الجهات المصرفية والرقابية خطوات ملموسة، من تشديد التحقق في العمليات المالية، إلى إطلاق حملات تحذيرية متكررة تؤكد أن المؤسسات الرسمية لا تطلب أبدًا الرقم السري أو رموز التحقق عبر الهاتف.
غير أن هذه الجهود تصطدم بتحديات حقيقية، أبرزها تطور أساليب الاحتيال بالتوازي مع أدوات الحماية، وتفاوت الوعي الرقمي بين الفئات العمرية والاجتماعية، وبطء التنسيق الدولي في ملاحقة شبكات تعمل من دول متعددة، فضلًا عن إحجام بعض الضحايا عن الإبلاغ ظنًا منهم أنه لا جدوى منه.
ولمواجهة هذا الواقع بفاعلية، يُستحسن أن تعتمد المؤسسات المالية قنوات تحقق فورية يسهل على العميل اللجوء إليها عند الشك، وأن تكثّف التوعية بلغة بسيطة تلامس السلوك اليومي، كما ينبغي أن تتجه المكافحة إلى بناء منظومة لا تكتفى بملاحقة الجاني بعد وقوع الضرر، بل تعمد أيضًا إلى تحسين تبادل المعلومات بين الشرطة والنيابة والقطاع المصرفي وشركات الاتصالات والمنصات الرقمية، وتسريع آليات تجميد التحويلات المشبوهة، وتطوير قواعد وطنية دقيقة لقياس البلاغات والخسائر والأنماط المتكررة، وتوسيع التدريب المتخصص في الأدلة الرقمية.
كما أن التعاون الدولي لم يعد خيارًا؛ فقد أظهرت عمليات الإنتربول الحديثة أن تفكيك شبكات الاحتيال يحتاج إلى ملاحقة الأموال والحسابات والبنية التقنية عبر الحدود في وقت واحد.
أما الجمهور، فحصانته تكمن في التريث قبل أي قرار مالي عاجل، والتحقق من مصدر أي اتصال أو رسالة عبر قنوات رسمية معروفة، وعدم مشاركة أي بيانات حساسة مهما بدا الطلب مُقنعًا، فالوعي هنا ليس ترفًا، بل هو خط الدفاع الأول قبل أن يتدخل القانون لملاحقة الجناة ورد الحقوق.
إن المعركة الحقيقية في قضايا الاحتيال الإلكتروني ليست بين إنسان وهاتف، وإنما بين منظومة إجرامية تتعلم باستمرار، ومجتمع يجب أن يتعلم أسرع منها، ومؤسسات يجب أن يكون إيقاعها أسرع من إيقاع المحتالين.
{ كاتب وباحث إعلامي

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك