العدد : ١٧٧١٧ - الجمعة ٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧١٧ - الجمعة ٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٤ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

المواطنة وبناء الثقة في العالم العربي

بقلم: د. مروان المعشر {

الخميس ٢٤ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

بعد‭ ‬حوالي‭ ‬قرن‭ ‬على‭ ‬نشوء‭ ‬الدولة‭ ‬العربية‭ ‬الحديثة،‭ ‬وعقود‭ ‬طويلة‭ ‬على‭ ‬الاستقلال،‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬سؤال‭ ‬الانتماء‭ ‬يفرض‭ ‬نفسه‭ ‬بإلحاح‭: ‬لماذا‭ ‬يثق‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المواطنين‭ ‬بالتجمعات‭ ‬الأهلية‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬يثقون‭ ‬بالدولة؟‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬تُقدَّم‭ ‬الإجابة‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬اتهام‭ ‬للمجتمع؛‭ ‬فالمواطن،‭ ‬وفق‭ ‬هذه‭ ‬الرواية،‭ ‬لم‭ ‬يغادر‭ ‬بعد‭ ‬ولاءاته‭ ‬التقليدية،‭ ‬ولم‭ ‬يرتقِ‭ ‬إلى‭ ‬هوية‭ ‬وطنية‭ ‬حديثة،‭ ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬التفسير‭ ‬يعكس‭ ‬ترتيباً‭ ‬معكوساً‭ ‬للمسؤولية‭. ‬فحين‭ ‬لا‭ ‬تضمن‭ ‬الدولة‭ ‬الحماية‭ ‬المتساوية،‭ ‬ولا‭ ‬تفتح‭ ‬باب‭ ‬المشاركة،‭ ‬ولا‭ ‬تطبق‭ ‬القانون‭ ‬على‭ ‬الجميع،‭ ‬يصبح‭ ‬الاحتماء‭ ‬بالجماعة‭ ‬الأقرب‭ ‬إليه‭ ‬استجابة،‭ ‬مفهومة‭ ‬لإخفاق‭ ‬مؤسسي،‭ ‬وليست‭ ‬دليلاً‭ ‬على‭ ‬عيب‭ ‬أصيل‭ ‬في‭ ‬المواطنين‭.‬

المواطنة‭ ‬ليست‭ ‬شعاراً‭ ‬يعلَّق‭ ‬فوق‭ ‬المباني‭ ‬الرسمية،‭ ‬ولا‭ ‬مطالبة‭ ‬دائمة‭ ‬للأفراد‭ ‬بالولاء‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬مقابل،‭ ‬إنها‭ ‬عقد‭ ‬اجتماعي‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬حقوق‭ ‬وواجبات‭ ‬متبادلة‭.. ‬يقبل‭ ‬المواطن‭ ‬سلطة‭ ‬القانون‭ ‬ويلتزم‭ ‬واجباته‭ ‬العامة،‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬الأمن‭ ‬والخدمات‭ ‬والحماية‭ ‬القانونية‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬القرارات‭ ‬التي‭ ‬تمس‭ ‬حياته،‭ ‬وإذا‭ ‬اختل‭ ‬هذا‭ ‬التوازن،‭ ‬تحولت‭ ‬المواطنة‭ ‬من‭ ‬علاقة‭ ‬شراكة‭ ‬إلى‭ ‬علاقة‭ ‬رعاية‭: ‬تقدم‭ ‬الدولة‭ ‬التعليم‭ ‬أو‭ ‬الوظيفة‭ ‬أو‭ ‬الدعم،‭ ‬وتتوقع‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬الطاعة،‭ ‬عندها‭ ‬يُعامل‭ ‬الناس‭ ‬كرعايا‭ ‬ينتظرون‭ ‬المنفعة،‭ ‬لا‭ ‬كمواطنين‭ ‬يملكون‭ ‬حقوقاً‭ ‬أصيلة‭.‬

في‭ ‬أجزاء‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬العالم‭ ‬العربي،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬المشكلة‭ ‬غياب‭ ‬الدولة،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬طبيعة‭ ‬مؤسساتها،‭ ‬فقد‭ ‬بنيت‭ ‬أجهزة‭ ‬قوية‭ ‬في‭ ‬الضبط،‭ ‬لكنها‭ ‬بقيت‭ ‬ضعيفة‭ ‬في‭ ‬المساءلة؛‭ ‬توسعت‭ ‬البيروقراطية،‭ ‬لكن‭ ‬استقلال‭ ‬القضاء‭ ‬وسيادة‭ ‬القانون‭ ‬والمشاركة‭ ‬السياسية‭ ‬لم‭ ‬تتطور‭ ‬بالمقدار‭ ‬نفسه‭. ‬وزادت‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الريعية‭ ‬هذا‭ ‬الخلل،‭ ‬إذ‭ ‬أمكن‭ ‬أحياناً‭ ‬شراء‭ ‬السكون‭ ‬الاجتماعي‭ ‬بالخدمات‭ ‬والدعم‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬بناء‭ ‬عقد‭ ‬سياسي‭ ‬حديث‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬يواجه‭ ‬اليوم‭ ‬حدوداً‭ ‬اقتصادية‭ ‬وديمغرافية‭ ‬واضحة،‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬الاستقرار‭ ‬المستدام‭.‬

حين‭ ‬يتعلم‭ ‬الطالب‭ ‬أن‭ ‬الاختلاف‭ ‬تهديد،‭ ‬يصبح‭ ‬التنوع‭ ‬وقوداً‭ ‬للصراع؛‭ ‬وحين‭ ‬يتعلم‭ ‬أن‭ ‬الاختلاف‭ ‬حقيقة‭ ‬يمكن‭ ‬إدارتها‭ ‬بقواعد‭ ‬مشتركة،‭ ‬يصبح‭ ‬التنوع‭ ‬مصدراً‭ ‬للقوة‭.‬

وقد‭ ‬كشفت‭ ‬احداث‭ ‬ما‭ ‬أطلق‭ ‬عليه‭ ‬‮«‬الربيع‭ ‬العربي‮»‬‭ ‬عمق‭ ‬الأزمة،‭ ‬حتى‭ ‬إن‭ ‬أخفق‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬وعوده،‭ ‬لم‭ ‬يخرج‭ ‬الناس‭ ‬عام‭ ‬2011‭ ‬طلباً‭ ‬لإضعاف‭ ‬دولهم،‭ ‬بل‭ ‬للمطالبة‭ ‬بحياة‭ ‬أكثر‭ ‬تجاوبا‭ ‬مع‭ ‬طموحات‭ ‬الناس‭. ‬كانت‭ ‬الشعارات،‭ ‬في‭ ‬جوهرها،‭ ‬مطالب‭ ‬مواطنة‭: ‬عدالة‭ ‬اجتماعية،‭ ‬محاسبة،‭ ‬مشاركة،‭ ‬وقانون‭ ‬يسري‭ ‬على‭ ‬الجميع‭. ‬صحيح‭ ‬أن‭ ‬المسارات‭ ‬اللاحقة‭ ‬انتهت‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬بلد‭ ‬إلى‭ ‬سلطوية‭ ‬متجددة،‭ ‬أو‭ ‬صراعات‭ ‬أهلية،‭ ‬لكن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يلغي‭ ‬أصل‭ ‬المشكلة،‭ ‬فالاستقرار‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬ثقة‭ ‬المواطنين‭ ‬قد‭ ‬يطول،‭ ‬لكنه‭ ‬يظل‭ ‬هشاً‭ ‬وقابلاً‭ ‬للانفجار‭.‬

‭ ‬من‭ ‬الخطأ‭ ‬أيضاً‭ ‬الاعتقاد‭ ‬أن‭ ‬بناء‭ ‬الهوية‭ ‬الوطنية‭ ‬يتطلب‭ ‬محو‭ ‬الهويات‭ ‬الدينية‭ ‬أو‭ ‬الثقافية‭. ‬هذه‭ ‬الانتماءات‭ ‬ليست‭ ‬طارئة،‭ ‬وقد‭ ‬أدت‭ ‬تاريخياً‭ ‬وظائف‭ ‬اجتماعية‭ ‬واقتصادية‭ ‬وأمنية‭ ‬عجزت‭ ‬الدولة‭ ‬الحديثة‭ ‬أحياناً‭ ‬عن‭ ‬أدائها‭. ‬ومحاولة‭ ‬قمعها‭ ‬لا‭ ‬تنتج‭ ‬بالضرورة‭ ‬مواطناً‭ ‬أكثر‭ ‬انتماءً‭. ‬

إن‭ ‬المطلوب‭ ‬ليس‭ ‬أن‭ ‬يختار‭ ‬الفرد‭ ‬بين‭ ‬دينه‭ ‬أو‭ ‬ثقافته‭ ‬ووطنه،‭ ‬بل‭ ‬توفر‭ ‬الدولة‭ ‬مظلة‭ ‬قانونية‭ ‬وسياسية‭ ‬تجعل‭ ‬هذه‭ ‬الانتماءات‭ ‬قابلة‭ ‬للتعايش‭ ‬داخل‭ ‬هوية‭ ‬وطنية‭ ‬أوسع‭. ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬ذلك‭ ‬تجاهل‭ ‬التوتر‭ ‬الحقيقي‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬ينشأ‭ ‬بين‭ ‬الهوية‭ ‬الفرعية‭ ‬والمصلحة‭ ‬الوطنية،‭ ‬ففي‭ ‬بعض‭ ‬الحالات‭ ‬تصبح‭ ‬الولاءات‭ ‬التقليدية‭ ‬أداة‭ ‬في‭ ‬المحاصصة‭ ‬أو‭ ‬احتكار‭ ‬الموارد،‭ ‬لكن‭ ‬معالجة‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬بإنكار‭ ‬التنوع،‭ ‬بل‭ ‬بقواعد‭ ‬عامة‭ ‬تحمي‭ ‬حرية‭ ‬الانتماء‭ ‬وتمنع‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬تحوله‭ ‬إلى‭ ‬امتياز‭ ‬سياسي‭ ‬أو‭ ‬قانوني،‭ ‬المساواة‭ ‬أمام‭ ‬القانون‭ ‬هي‭ ‬الحد‭ ‬الفاصل‭ ‬بين‭ ‬احترام‭ ‬التعددية‭ ‬وتكريس‭ ‬الانقسام،‭ ‬ولهذا‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬بناء‭ ‬المواطنة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬إصلاح‭ ‬مؤسسي‭ ‬واضح‭.‬

إن‭ ‬البداية‭ ‬قضاء‭ ‬مستقل‭ ‬وضمانات‭ ‬دستورية‭ ‬تطبق‭ ‬على‭ ‬الجميع،‭ ‬رجالاً‭ ‬ونساء،‭ ‬مسؤولين‭ ‬ومواطنين،‭ ‬وأياً‭ ‬كانت‭ ‬الخلفية‭ ‬أو‭ ‬الرأي‭ ‬السياسي‭. ‬وتمتد‭ ‬المساواة‭ ‬إلى‭ ‬قوانين‭ ‬الأحوال‭ ‬الشخصية‭ ‬والتمثيل‭ ‬والمشاركة‭ ‬الاقتصادية؛‭ ‬فالدولة‭ ‬التي‭ ‬تميز‭ ‬بين‭ ‬مواطنيها‭ ‬في‭ ‬القانون،‭ ‬لن‭ ‬تنجح‭ ‬بإقناعهم‭ ‬بالولاء‭ ‬المتساوي‭. ‬ويأتي‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬نظام‭ ‬سياسي‭ ‬يتيح‭ ‬مشاركة‭ ‬ذات‭ ‬معنى،‭ ‬وقوانين‭ ‬انتخابية‭ ‬عادلة،‭ ‬وضوابط‭ ‬وتوازنات‭ ‬تمنع‭ ‬سلطة‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬احتكار‭ ‬القرار‭.‬

لكن‭ ‬المؤسسات،‭ ‬على‭ ‬أهميتها،‭ ‬لا‭ ‬تكفي‭ ‬وحدها،‭ ‬تحتاج‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬إلى‭ ‬سردية‭ ‬وطنية‭ ‬جامعة‭ ‬لا‭ ‬تمحو‭ ‬روايات‭ ‬مكوناتها،‭ ‬ولا‭ ‬تختزل‭ ‬تاريخ‭ ‬البلاد‭ ‬في‭ ‬رواية‭ ‬واحدة‭. ‬كما‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬فضاءات‭ ‬عامة‭ ‬مشتركة‭ ‬يستطيع‭ ‬المختلفون‭ ‬أن‭ ‬يلتقوا‭ ‬فيها‭ ‬بوصفهم‭ ‬مواطنين‭ ‬متساوين،‭ ‬وإلى‭ ‬مجتمع‭ ‬مدني‭ ‬يُعامل‭ ‬شريكاً‭ ‬في‭ ‬التنمية‭ ‬لا‭ ‬خصماً‭ ‬للدولة،‭ ‬فالثقة‭ ‬لا‭ ‬تُبنى‭ ‬في‭ ‬الخطب،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬الخبرة‭ ‬اليومية‭: ‬في‭ ‬محكمة‭ ‬تنصف‭ ‬الضعيف،‭ ‬ومدرسة‭ ‬لا‭ ‬تميز‭ ‬بين‭ ‬أبنائها‭ ‬وبناتها،‭ ‬وإدارة‭ ‬عامة‭ ‬تحكمها‭ ‬الجدارة،‭ ‬ومجال‭ ‬سياسي‭ ‬يسمح‭ ‬بالاختلاف‭.‬

ويبقى‭ ‬التعليم‭ ‬المدخل‭ ‬الأعمق‭ ‬والأطول‭ ‬أثراً،‭ ‬فالنظم‭ ‬التعليمية‭ ‬التي‭ ‬تكتفي‭ ‬بالتلقين‭ ‬قد‭ ‬تنتج‭ ‬أفراداً‭ ‬يحفظون‭ ‬تعريف‭ ‬المواطنة،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تنتج‭ ‬مواطنين‭ ‬يمارسونها‭. ‬المواطنة‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬السؤال‭ ‬والتحليل‭ ‬وقبول‭ ‬تعدد‭ ‬الروايات،‭ ‬وإلى‭ ‬معرفة‭ ‬الحقوق‭ ‬بقدر‭ ‬معرفة‭ ‬الواجبات‭. ‬

حين‭ ‬يتعلم‭ ‬الطالب‭ ‬أن‭ ‬الاختلاف‭ ‬تهديد،‭ ‬يصبح‭ ‬التنوع‭ ‬وقوداً‭ ‬للصراع؛‭ ‬وحين‭ ‬يتعلم‭ ‬أن‭ ‬الاختلاف‭ ‬حقيقة‭ ‬يمكن‭ ‬إدارتها‭ ‬بقواعد‭ ‬مشتركة،‭ ‬يصبح‭ ‬التنوع‭ ‬مصدراً‭ ‬للقوة‭. ‬والإصلاح‭ ‬هنا‭ ‬ينبغي‭ ‬ألا‭ ‬ينتظر‭ ‬الدولة‭ ‬وحدها،‭ ‬إذ‭ ‬تستطيع‭ ‬الجامعات‭ ‬والمدارس‭ ‬والمبادرات‭ ‬المجتمعية‭ ‬تطوير‭ ‬نماذج‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬القاعدة‭ ‬وتبرهن‭ ‬إمكانية‭ ‬التغيير‭.‬

تقدم‭ ‬تجارب‭ ‬دول‭ ‬مثل‭ ‬الهند‭ ‬وجنوب‭ ‬أفريقيا‭ ‬والبوسنة‭ ‬والهرسك‭ ‬دروساً‭ ‬مفيدة،‭ ‬لا‭ ‬وصفات‭ ‬جاهزة،‭ ‬لكل‭ ‬تجربة‭ ‬إخفاقاتها‭ ‬وتراجعاتها،‭ ‬وبعضها‭ ‬يواجه‭ ‬اليوم‭ ‬تحديات‭ ‬حقيقية‭ ‬في‭ ‬الإدماج‭ ‬والديمقراطية،‭ ‬لكن‭ ‬القاسم‭ ‬المشترك‭ ‬بينها‭ ‬أن‭ ‬إدارة‭ ‬التنوع‭ ‬لا‭ ‬تتم‭ ‬بمجرد‭ ‬إنكاره‭. ‬الدساتير‭ ‬الجامعة،‭ ‬والحقوق‭ ‬المتساوية،‭ ‬والاعتراف‭ ‬بالحقوق،‭ ‬وآليات‭ ‬التمثيل،‭ ‬كلها‭ ‬أدوات‭ ‬جُرّبت‭ ‬بدرجات‭ ‬متفاوتة‭ ‬لبناء‭ ‬وطن‭ ‬مشترك‭. ‬والمقارنة‭ ‬الأجدى‭ ‬ليست‭ ‬بين‭ ‬‮«‬خصوصيتنا‮»‬‭ ‬و«مثالية‮»‬‭ ‬الآخرين،‭ ‬بل‭ ‬بين‭ ‬الشروط‭ ‬التي‭ ‬سمحت‭ ‬لبعض‭ ‬المجتمعات‭ ‬بإدارة‭ ‬اختلافاتها‭ ‬وتلك‭ ‬التي‭ ‬جعلت‭ ‬الأدوات‭ ‬نفسها‭ ‬تفشل‭ ‬في‭ ‬مجتمعات‭ ‬أخرى‭.‬

إن‭ ‬الدول‭ ‬لا‭ ‬تكسب‭ ‬الولاء‭ ‬لأنها‭ ‬تطلبه،‭ ‬بل‭ ‬لأنها‭ ‬تستحقه،‭ ‬والمواطن‭ ‬لا‭ ‬يتخلى‭ ‬عن‭ ‬حماية‭ ‬جماعته‭ ‬الصغيرة‭ ‬لمجرد‭ ‬أن‭ ‬خطاباً‭ ‬رسمياً‭ ‬طالبه‭ ‬بذلك،‭ ‬بل‭ ‬حين‭ ‬يجد‭ ‬في‭ ‬الدولة‭ ‬حماية‭ ‬أعدل‭ ‬وأوسع،‭ ‬وصوتاً‭ ‬مسموعاً،‭ ‬وفرصة‭ ‬متكافئة،‭ ‬وكرامة‭ ‬مصانة‭. ‬لذلك‭ ‬فإن‭ ‬تقوية‭ ‬الهوية‭ ‬الوطنية‭ ‬لا‭ ‬تبدأ‭ ‬بإضعاف‭ ‬الهويات‭ ‬الأخرى،‭ ‬وإنما‭ ‬ببناء‭ ‬مؤسسات‭ ‬قوية‭ ‬وعادلة‭ ‬تجعل‭ ‬الانتماء‭ ‬إلى‭ ‬الوطن‭ ‬الخيار‭ ‬الأكثر‭ ‬أمناً‭ ‬ومعنى‭.‬

هذه‭ ‬ليست‭ ‬دعوة‭ ‬مثالية‭ ‬ولا‭ ‬مشروعاً‭ ‬سريعاً،‭ ‬إنها‭ ‬إدراك‭ ‬عملي‭ ‬بأن‭ ‬الوضع‭ ‬القائم‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬قابلاً‭ ‬للاستدامة‭. ‬فالمجتمعات‭ ‬المستقرة‭ ‬والمزدهرة‭ ‬لا‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬الخوف،‭ ‬ولا‭ ‬على‭ ‬تبادل‭ ‬المنافع‭ ‬مقابل‭ ‬الصمت،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬مواطنة‭ ‬تشمل‭ ‬الجميع‭. ‬وعندما‭ ‬تتحول‭ ‬الدولة‭ ‬من‭ ‬سلطة‭ ‬تطالب‭ ‬بالثقة‭ ‬إلى‭ ‬مؤسسة‭ ‬تكسبها‭ ‬كل‭ ‬يوم،‭ ‬يمكن‭ ‬عندها‭ ‬للانتماءات‭ ‬المتعددة‭ ‬أن‭ ‬تتعايش‭ ‬تحت‭ ‬سقف‭ ‬وطني‭ ‬واحد،‭ ‬لا‭ ‬أن‭ ‬تتنافس‭ ‬على‭ ‬أنقاضه‭.‬

 

{ وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬الأردني‭ ‬الأسبق

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا