ظلت الولايات المتحدة الأمريكية على مدى عقود تغدق على حليفتها إسرائيل بمليارات الدولارات في شكل مساعدات وتجهيزات عسكرية حتى تجعل منها درعا منيعا وذراعا طويلة في تنامي نفوذ القوى الصاعدة. والإمبراطوريات الحديثة.
لقد حافظت واشنطن، على مدى عقود، على موقف الدفاع المطلق؛ إذ دأبت على تزويد إسرائيل بأسلحة متطورة، وتوفير الحصانة الدبلوماسية لها، وتبرير ممارساتٍ تصفها منظمات حقوق الإنسان والمحاكم الدولية بأنها جرائم حرب، وفصل عنصري، وإبادة جماعية.
ولطالما صاغ الخطاب السائد -بإصرار- صورة التحالف الأمريكي الإسرائيلي من منظور مريح يرتكز على القيم الديمقراطية المشتركة والدفاع المتبادل، غير أن هذا التصور ينهار تماماً أمام وطأة الواقع، إذ لم يثنِ واشنطن شيءٌ عن تحالفها مع إسرائيل ورضوخها لها، لا سياسات النظام العنصرية، ولا حتى أعمال الإبادة الجماعية الشنيعة.
لقد دعمت كل إدارة أمريكية الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة نظراً لدورها في تعزيز النفوذ والمصالح الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، لكن هذا التحالف المصيري أصبح اليوم يثير تساؤلاً جوهرياً: ما دور إسرائيل بالضبط، ومصالح من تخدمه؟
لطالما عملت إسرائيل كوكيل إمبريالي للقوى الغربية الساعية إلى الهيمنة الإقليمية. فقد لعبت الإمبراطورية البريطانية، في البداية، دوراً حاسماً في مساعدة وكلائها الصهاينة على ترسيخ موطئ قدم لهم في فلسطين خلال الحرب العالمية الأولى وما تلاها.
وفي منتصف القرن العشرين، انتزعت الولايات المتحدة الأمريكية زمام المبادرة الجيوسياسية من بريطانيا، وبسطت سيطرتها على المنطقة الغنية بالموارد، لتصبح بذلك الداعم الرئيسي لإسرائيل.
ومنذ خمسينيات القرن الماضي، دأبت واشنطن على النظر إلى الشرق الأوسط —باعتباره ملتقىً حيوياً لمسارات الطاقة العالمية وممرات التجارة ومصدراً للنفوذ الجيوسياسي— من منظور الهيمنة والسيطرة على الموارد.
في ظل غياب ممتلكات استعمارية دائمة لها في قلب العالم الإسلامي، وجدت سلطات واشنطن في إسرائيل بديلاً يتمثل في قاعدة عسكرية متطورة تقنياً ومحصنة وتحظى بدعم مالي هائل.
وبالنسبة إلى البنتاغون ووزارة الخارجية الأمريكية، فقد أدت إسرائيل دور «حاملة طائرات لا تغرق»؛ إذ شكلت معقلاً عسكرياً لاستعراض القوة، وقمع الحركات المستقلة المناهضة للاستعمار، والعمل كثقل موازن للنفوذ الإقليمي الإيراني.
وتتعزز الشراكة بين واشنطن وتل أبيب بفضل الاقتصاد العسكري-الصناعي الأمريكي، الذي يزدهر بفضل الصراعات المستمرة التي تحفز الطلب.
يُعَد الإنفاق الدفاعي محركاً للاقتصاد المحلي؛ إذ تُعد المليارات المخصصة للمساعدات العسكرية لإسرائيل -من الناحية العملية- بمثابة دعم مالي هائل يُدفع مباشرةً إلى كبرى شركات الدفاع الأمريكية، مثل «لوكهيد مارتن» و«بوينغ» و«رايثيون» و«نورثروب غرومان». وقد ساهمت الحروب الأمريكية-الإسرائيلية في منطقة الشرق الأوسط مساهمةً جوهرية في ضمان البقاء المالي لهذه الصناعات.
ولطالما كانت غزة والضفة الغربية المحتلتان بمثابة مختبرات لاختبار الأسلحة المتطورة وتقنيات المراقبة وأنظمة السيطرة على الحشود، إذ يجري تسويق أنظمة المراقبة والأسلحة -التي خضعت للاختبار الميداني على سكان مدنيين محاصرين- عالمياً لاحقاً بوصفها أنظمة «أثبتت كفاءتها القتالية».
وتربط هذه الشبكة الدفاعية، التي تبلغ قيمتها مليارات الدولارات، بشكل وثيق بين مصالح قطاع الدفاع الأمريكي واستمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية؛ كما تضمن هذه الشبكة وجود معارضة شديدة -من الحزبين الرئيسيين في واشنطن- لأي حظر فعلي للأسلحة أو تغييرات جوهرية في السياسات، نظراً لأن كل دائرة انتخابية في البلاد تقريباً ترتبط بطريقة أو بأخرى بالصناعات العسكرية.
يدافع السياسيون الأمريكيون بشراسة عن «الاستثنائية» الإسرائيلية ويحصّنونها بقوة ضد أي مساءلة، إذ تضمن شبكات قوية -تضم جماعات ضغط ممولة بسخاء ولجان عمل سياسي وجهات مؤسسية تتحكم في مسارات النفوذ- أن يظل الدعم الراسخ لإسرائيل شرطاً للبقاء السياسي في واشنطن.
وعندما يبدي المسؤولون المنتخبون اعتراضاً على مواقف السياسة الخارجية السائدة أو يدينون قتل المدنيين، فإنهم يصبحون هدفاً لحملات منظمة وممولة بسخاء تهدف إلى القضاء على مسيرتهم السياسية.
ونتيجة لذلك، تُهمَّش الأولويات المحلية الأمريكية نفسها، حيث ينحاز الكونغرس إلى جماعة ضغط عسكرية نافذة بدلاً من الانحياز للجمهور الأمريكي، الذي تعارض أغلبية متزايدة منه تقديم مساعدات عسكرية خارجية غير مشروطة.
تتأصل العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية في جوهرها في وعيٍ تاريخي وإرثٍ مشترك. فقد نشأ كلا البلدين كدولتين قائمتين على الاستعمار الاستيطاني الذي ارتكز على المحو الممنهج للسكان الأصليين، وحصرهم في مناطق معينة، وتجريدهم من ممتلكاتهم وحقوقهم.
وتجد الاتهامات الموجهة لإسرائيل -بممارسة الفصل العنصري، وارتكاب أعمال إبادة جماعية، وتكريس العنصرية الممنهجة- صدىً واسعاً في المشهد السياسي الأمريكي، إذ تعكس تلك الاتهامات الإرث التأسيسي للولايات المتحدة الأمريكية ذاتها.
يربط صناع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية بين التفوق الإقليمي لإسرائيل والحفاظ على النفوذ الغربي والهيمنة العالمية بشكل مباشر. إن العنصرية ليست خطأ عارضاً في هذا التحالف، بل هي ركيزة أساسية فيه؛ فهي تضمن النظر إلى الضحايا من غير الغربيين وغير البيض باعتبارهم أفرادا يمكن الاستغناء عنهم، أو بعبارة أخرى، «أضراراً جانبية» مقبولة في سياق السعي إلى تحقيق أهداف جيوسياسية.
إن اصطفاف الولايات المتحدة الأمريكية الدائم إلى جانب إسرائيل نابع من جدوى استراتيجية، وليس من عمىً أخلاقي. ويكشف دفاع واشنطن المستميت عن سياسات تل أبيب الوحشية زيف الخطاب الغربي المتعلق بحقوق الإنسان والقانون الدولي والديمقراطية. فعندما تتعرض القوة والمصالح الغربية وأرباح الشركات الكبرى ومصالحها الضخمة والهيمنة الجيوسياسية للتهديد، يتم التعامل مع حقوق الإنسان العالمية باعتبارها أمراً يمكن التخلي عنه تماماً.
إن سردية «الحليف الذي لا غنى عنه» تتداعى، شأنها في ذلك شأن الهيمنة الإمبراطورية الأمريكية. فقد أثارت حرب الإبادة الجماعية التي تشنها إسرائيل -بدعم مالي أمريكي- والحروب المدمرة التي تخوضها في الشرق الأوسط، موجة عارمة من الغضب العالمي وردود فعل عكسية شديدة، مما ينذر ببداية أفول الهيمنة الأمريكية على العالم.
وسيُسجّل التاريخ أن القوى الكبرى، حين تعتمد على أداة الحرب الفجة «لإدارة» عالمٍ معقد -بدلاً من العيش فيه كطرفٍ مساوٍ لغيره- فإنها تقوّض في نهاية المطاف ذلك الاستقرار الذي تزعم حمايته.
{ محلل سياسي مقيم بالولايات المتحدة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك