تشكل الانتخابات الأمريكية النصفية محطة مهمة وضاغطة بل وقد تكون حاسمة بالنسبة إلى الرئيس دونالد ترامب وبالنسبة إلى توجهات الحرب والمواجهة مع إيران فهي من نتائجها قد تكون التأثير الأكبر في إدارة الرئيس ترامب حيث تملي عليه حسابات دقيقة قد تقيد خياراته العسكرية والاقتصادية في مواجهة إيران.
إن تأثير هذه الانتخابات المرتقبة في شهر نوفمبر القادم على القرار الأمريكي سيؤدي في حال ترجيح كفة الحزب الجمهوري بقيادة الرئيس ترامب إلى تعزيز موقفه في هذه المواجهة العسكرية والاقتصادية وفي حال رجحت كفة الديمقراطيين المعارضين للحرب وسياسات ترامب الاقتصادية والعسكرية فإن ذلك سيفرض المزيد من القيود على إدارة الرئيس ترامب ويجعل الموقف الإيراني أقوى مما هو عليه الآن.
إن الانتخابات النصفية تعتبر اختبارا شعبيا مهما لسياسة البيت الأبيض مما يجعل أي تصعيد عسكري مفتوحا وأي تصاعد لأزمة الطاقة مرتبطة بإيران وأي مخاطر سياسية قد تضر بحظوظ الحزب الجمهوري في الانتخابات الرئاسية وقد تفضي إلى تراجع خيارات التصعيد العسكري الذي تعتمده الإدارة الأمريكية حاليا في ظل الضغوط الاقتصادية الداخلية وحاجة الإدارة إلى تسويات أو حلول أو نتائج سريعة كإنجاز انتخابي بديلا عن استمرار في حروب مكلفة فالحصار اليومي الحالي كما نشر في الصحافة الأمريكية يكلف الميزانية الأمريكية 32 مليون دولار يوميا وهو مبلغ كبير يضغط على هذه الإدارة ومستقبلها السياسي.
ومن هنا فإن الجانب الإيراني يدرك جيدا هذه الحقيقة ولذلك يماطل في إنهاء هذه الحرب بالطرق السلمية وتعمد التوقف عن أي مفاوضات جديدة وعدم تنفيذ بنود الاتفاقيات السابقة وذلك بقصد الضغط على الإدارة الأمريكية الحالية وجعل حظوظها متدنية لتخسر الانتخابات النصفية القادمة وبذلك يكون الجانب الإيراني طرفا أساسيا في التأثير في هذه الانتخابات.
في المقابل يحاول الرئيس ترامب خلال هذه الفترة من الآن إلى شهر نوفمبر أن يتحاشى فتح جبهات عسكرية أو شن المزيد من الضربات المكثفة على إيران والحفاظ على وتيرة منخفضة من هذه المواجهة العسكرية حيث تقتصر على ما يمكن وصفه بالمناوشات وليس بالمواجهات ومن ناحية ثانية يتجنب الرئيس الأمريكي حاليا أي مواجهات اقتصادية او مالية مع الصين خاصة في انتظار اللقاء القادم مع الرئيس الصيني مفضلا التسويات التي توقف المواجهات الاقتصادية والتجارية الجديدة بعكس ما كان يفضل في السابق الصدام المباشر مع الصين حليفة طهران قد يؤدي إلى مزيد من إضعاف الموقف الأمريكي كما إنه لا يريد أن تتسبب هذه المواجهة إلى هزات اقتصادية ومالية مضاعفة تؤثر في الناخب الأمريكي قبل الانتخابات النصفية.
إن طهران تراهن على ضغوط الانتخابات النصفية واستنزاف الإدارة الأمريكية وابتزازها وذلك لتخفيف العقوبات عليها وتحسين شروط أي تفاوض في المستقبل.
وبالإضافة إلى ما تقدم سواء بالنسبة إلى الإدارة الأمريكية الحالية أو بالنسبة إلى طهران هناك طرف ثالث في هذه المعادلة وهي دول الخليج العربية المتضرر الأكبر من هذه المواجهة وحساباتها وتكتيكاتها فهي تشعر بحالة من القلق والتوتر المستمر بسبب هذا الوضع المتفاقم والغموض في مستقبل هذه المواجهة وخاصة وإن نتائج هذا الوضع إلى الآن يؤثر بشكل رئيسي في دولنا اقتصاديا وماليا وأمنيا وذلك بالرغم من تأكيدات الرئيس الأمريكي في تصريحاته الأخيرة بأن الحرب في طريقها إلى الانتهاء قريبا حتى قبل الانتخابات النصفية لأن الإيرانيين كما قال يريدون إبرام اتفاق ولكن التجربة التي عشناها خلال الأشهر الأخيرة الماضية لا نثق كثيرا في مثل هذه التطمينات مثل الحديث المتكرر عن الانتصار العسكري في الحرب وعن تدمير كل القدرات النووية الإيرانية وعن تدمير اقتصادها وأسطولها البحري وصواريخها البالستية ولم يبق منها إلا القليل .
ذلك لأن هذه السردية التي تتحدث عن الانتصار لا تبدو مقنعة إلى الآن وإن كانت صحيحة جزئيا ولذلك نعتبر تصريحات الرئيس ترامب ذات طابع انتخابي بالدرجة الأولى فهو يحاول تقليل خسارة الجمهوريين المتوقعة في الانتخابات القادمة والحد من استياء الرأي العام الأمريكي ضد هذه الحرب ونتائجها الاقتصادية والاجتماعية على الناخب الأمريكي خاصة في ظل الارتفاع الكبير في أسعار الخدمات وارتفاع نسبة التضخم بشكل غير مسبوق إضافة إلى تعثر صادرات النفط وتأثيرها في العالم.
إن هذه الانتخابات ستكون بالضرورة محطة مفصلية مهمة بالنسبة إلى المواجهة والحرب في المنطقة وأخشى ما أخشاه أن تسهم نتائجها في إطالة هذه المواجهة وبالتالي إطالة الأزمة الاقتصادية والمالية التي تضرب المنطقة ولم يكن بوسعنا تحمل ثمارها المرة طويلا.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك