العدد : ١٧٧١٥ - الأربعاء ٢٣ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٢ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧١٥ - الأربعاء ٢٣ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٢ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

لماذا يغيب الحسم في الصراع الأمريكي الإيراني؟

بقلم: د. حسن نافعة

الأربعاء ٢٣ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

تخوض‭ ‬إيران،‭ ‬منذ‭ ‬ما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬15‭ ‬شهرا،‭ ‬حربا‭ ‬غير‭ ‬متماثلة‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭. ‬ونظراً‭ ‬إلى‭ ‬اختلال‭ ‬الموازين‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬تملكه‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وما‭ ‬تملكه‭ ‬إيران‭ ‬من‭ ‬عناصر‭ ‬القوة‭ ‬الشاملة،‭ ‬والتي‭ ‬تميل‭ ‬بشكل‭ ‬حاسم‭ ‬لصالح‭ ‬الأولى،‭ ‬يعتقد‭ ‬كثيرون‭ ‬أن‭ ‬نتائج‭ ‬هذه‭ ‬المواجهة‭ ‬محسومة‭ ‬سلفاً،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فليس‭ ‬أمام‭ ‬إيران‭ ‬سوى‭ ‬الرضوخ‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬للمطالب‭ ‬الأمريكية‭.‬

إذ‭ ‬يكفي‭ ‬إجراء‭ ‬مقارنة‭ ‬سريعة‭ ‬بين‭ ‬ميزانية‭ ‬النفقات‭ ‬العسكرية‭ ‬الأمريكية‭ ‬للعام‭ ‬الحالي‭ (‬2026‭)‬،‭ ‬التي‭ ‬تبلغ‭ ‬حوالي‭ ‬900‭ ‬مليار‭ ‬دولار،‭ ‬بمثيلاتها‭ ‬الإيرانية،‭ ‬التي‭ ‬تقلّ‭ ‬عن‭ ‬10‭ ‬مليارات‭ ‬دولار،‭ ‬كي‭ ‬يتّضح‭ ‬حجم‭ ‬الهوّة‭ ‬التي‭ ‬تفصل‭ ‬بينهما‭. ‬غير‭ ‬أنه‭ ‬يتعيّن‭ ‬الانتباه‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الصراعات‭ ‬التي‭ ‬تنشب‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬لا‭ ‬تتوقف‭ ‬فحسب‭ ‬على‭ ‬حجم‭ ‬ما‭ ‬تملكه‭ ‬الأطراف‭ ‬المنخرطة‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬عناصر‭ ‬القوة‭ ‬بأنواعها‭ ‬المختلفة،‭ ‬الخشنة‭ ‬والناعمة‭ ‬والذكية،‭ ‬وإنما‭ ‬أيضاً‭ ‬على‭ ‬عوامل‭ ‬أخرى‭ ‬عديدة،‭ ‬مرئية‭ ‬وغير‭ ‬مرئية،‭ ‬ما‭ ‬يفسّر‭ ‬صمود‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬غير‭ ‬المتكافئة،‭ ‬والتي‭ ‬قد‭ ‬تنتهي‭ ‬بنتائج‭ ‬لا‭ ‬تتسق‭ ‬مع‭ ‬فجوة‭ ‬القوة‭. ‬

تدّعي‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬أن‭ ‬صراعها‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬إصرار‭ ‬الأخيرة‭ ‬على‭ ‬تصنيع‭ ‬السلاح‭ ‬النووي،‭ ‬وهو‭ ‬ذريعة‭ ‬غير‭ ‬صحيحة‭ ‬لأسباب‭ ‬عدة،‭ ‬أهمها‭:‬

1‭ - ‬إن‭ ‬برنامج‭ ‬إيران‭ ‬النووي‭ ‬بدأ‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬الشاه،‭ ‬وبمساعدة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭.‬

2‭ - ‬إن‭ ‬هذا‭ ‬البرنامج‭ ‬أُهمل‭ ‬تماماً‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬العشر‭ ‬التي‭ ‬أعقبت‭ ‬الثورة،‭ ‬ولم‭ ‬يبدأ‭ ‬النظام‭ ‬الحالي‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬إحيائه‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬الحرب‭ ‬مع‭ ‬العراق‭.‬

3‭ - ‬إن‭ ‬الصراع‭ ‬بين‭ ‬إيران‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬بدأ‭ ‬عقب‭ ‬اندلاع‭ ‬الثورة‭ ‬الإسلامية‭ ‬مباشرة،‭ ‬ولأسباب‭ ‬تتعلق‭ ‬بخشية‭ ‬قادتها‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تحاول‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬إجهاضها‭ ‬بالطريقة‭ ‬التي‭ ‬أجهضت‭ ‬بها‭ ‬ثورة‭ ‬مصدّق‭ ‬التي‭ ‬اندلعت‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬النصف‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭.‬

يكشف‭ ‬الفحص‭ ‬المدقق‭ ‬للمسار‭ ‬الذي‭ ‬سلكته‭ ‬العلاقات‭ ‬الإيرانية‭ ‬الأمريكية‭ ‬منذ‭ ‬اندلاع‭ ‬الثورة‭ ‬الإيرانية،‭ ‬بوضوح،‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬لم‭ ‬تشعر‭ ‬بالارتياح‭ ‬لا‭ ‬تجاه‭ ‬نظام‭ ‬الحكم‭ ‬الذي‭ ‬أفرزته‭ ‬هذه‭ ‬الثورة،‭ ‬ولا‭ ‬تجاه‭ ‬السياسات‭ ‬التي‭ ‬انتهجها‭ ‬على‭ ‬الصعيدين‭ ‬الداخلي‭ ‬والخارجي،‭ ‬ما‭ ‬يفسّر‭ ‬سعيها‭ ‬الدائم‭ ‬لإضعاف‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬أو‭ ‬إجباره‭ ‬على‭ ‬تغيير‭ ‬سياساته،‭ ‬وربما‭ ‬لإسقاطه‭ ‬والتخلص‭ ‬منه‭ ‬نهائياً،‭ ‬كما‭ ‬يفسّر‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬لماذا‭ ‬تبنّى‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭ ‬استراتيجية‭ ‬دفاعية‭ ‬تستهدف‭ ‬ترسيخ‭ ‬القواعد‭ ‬الشعبية‭ ‬التي‭ ‬يستند‭ ‬إليها‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬وتوسيع‭ ‬نفوذه‭ ‬في‭ ‬الخارج،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬كلا‭ ‬الطرفين،‭ ‬الأمريكي‭ ‬والإيراني،‭ ‬أدركا‭ ‬فور‭ ‬نجاح‭ ‬الثورة‭ ‬الإيرانية‭ ‬أن‭ ‬الصراع‭ ‬بينهما‭ ‬بات‭ ‬حتمياً،‭ ‬وبالتالي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬أمامهما‭ ‬سوى‭  ‬إدارته‭ ‬بالطريقة‭ ‬التي‭ ‬يرى‭ ‬كل‭ ‬منهما‭ ‬أنها‭ ‬مناسبة‭ ‬لتحقيق‭ ‬الأهداف‭ ‬التي‭ ‬يسعى‭ ‬إليها‭. ‬عوامل‭ ‬كثيرة،‭ ‬محلية‭ ‬وإقليمية‭ ‬ودولية،‭ ‬ساعدت‭ ‬على‭ ‬تصاعد‭ ‬الصراع‭ ‬تدريجياً‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬وصل‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬الصدام‭ ‬المسلح‭ ‬والمواجهة‭ ‬الشاملة‭.‬

فبعد‭ ‬أيام‭ ‬قليلة‭ ‬من‭ ‬نجاح‭ ‬الثورة‭ ‬الإسلامية‭ ‬في‭ ‬إيران،‭ ‬وبسبب‭ ‬خوف‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬الجديد‭ ‬من‭ ‬إقدام‭ ‬أجهزة‭ ‬الأمن‭ ‬الأمريكية‭ ‬على‭ ‬التآمر‭ ‬لإعادة‭ ‬الشاه‭ ‬الهارب‭ ‬إلى‭ ‬سدة‭ ‬الحكم،‭ ‬اجتاح‭ ‬الطلاب‭ ‬مقر‭ ‬السفارة‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬طهران‭ ‬واحتجزوا‭ ‬العاملين‭ ‬فيها‭ ‬رهائن‭ ‬مدة‭ ‬444‭ ‬يوماً‭.‬

ولأن‭ ‬الرئيس‭ ‬كارتر‭ ‬حاول‭ ‬استعادتهم‭ ‬بالقوة‭ ‬وفشل،‭ ‬ما‭ ‬تسبب‭ ‬في‭ ‬هزيمته‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬الرئاسية‭ ‬التالية،‭ ‬تبنت‭ ‬الإدارات‭ ‬الأمريكية‭ ‬اللاحقة‭ ‬استراتيجية‭ ‬لإدارة‭ ‬الصراع‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬ركيزتين‭: ‬تجنّب‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬تستدعي‭ ‬الصدام‭ ‬المباشر‭ ‬معها،‭ ‬والزج‭ ‬بالحلفاء‭ ‬الإقليميين‭ ‬للقيام‭ ‬بأداء‭ ‬بعض‭ ‬الأدوار‭ ‬نيابة‭ ‬عنها،‭ ‬ما‭ ‬يفسّر‭ ‬الدور‭ ‬الذي‭ ‬لعبته‭ ‬لاستدراج‭ ‬العراق‭ ‬لشنّ‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬بعد‭ ‬عام‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬اندلاع‭ ‬الثورة،‭ ‬والحرص‭ ‬على‭ ‬إبقاء‭ ‬جذوة‭ ‬الحرب‭ ‬مشتعلة‭ ‬لأطول‭ ‬فترة‭ ‬ممكنة،‭ ‬أملا‭ ‬في‭ ‬إضعافهما‭ ‬معاً‭.‬

يلفت‭ ‬الانتباه،‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬أن‭ ‬إيران‭ ‬لجأت‭ ‬في‭ ‬إدارتها‭ ‬للصراع‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬إلى‭ ‬أسلوب‭ ‬لا‭ ‬يختلف‭ ‬كثيراً‭ ‬عن‭ ‬الأسلوب‭ ‬الأمريكي،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الحرص‭ ‬على‭ ‬تجنب‭ ‬الصدام‭ ‬المباشر‭ ‬بينهما،‭ ‬أم‭ ‬إشراك‭ ‬الوكلاء‭ ‬الإقليميين‭ ‬فيه،‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬نشاطها‭ ‬المكثف‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬حلفاء‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬ولبنان‭ ‬والعراق،‭ ‬والسعي‭ ‬إلى‭ ‬تمتين‭ ‬أواصر‭ ‬العلاقة‭ ‬معهم‭ ‬على‭ ‬الدوام،‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬تشكيل‭ ‬ما‭ ‬أطلق‭ ‬عليه‭  ‬‮«‬محور‭ ‬المقاومة‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬تولّت‭ ‬إيران‭ ‬قيادته‭ ‬بنفسها،‭ ‬مستفيدة‭ ‬من‭ ‬أحداث‭ ‬كبرى‭ ‬هزّت‭ ‬العالم‭ ‬العربي،‭ ‬أهمها‭: ‬إقدام‭ ‬صدام‭ ‬حسين‭ ‬على‭ ‬غزو‭ ‬واحتلال‭ ‬وضمّ‭ ‬الكويت‭ ‬عام‭ ‬1990،‭ ‬،‭ ‬حيث‭ ‬أدت‭ ‬التفاعلات‭ ‬الناجمة‭ ‬عنه‭ ‬إلى‭ ‬تهيئة‭ ‬الأجواء‭ ‬لانعقاد‭ ‬مؤتمر‭ ‬مدريد‭ ‬للسلام،‭ ‬والتوقيع‭ ‬على‭ ‬اتفاقيتي‭ ‬‮«‬أوسلو‮»‬‭ ‬و‭ ‬‮«‬وادي‭ ‬عربة‮»‬‭.‬

لذا‭ ‬ظهر‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬وكأنه‭ ‬على‭ ‬وشك‭ ‬الانقسام‭ ‬إلى‭ ‬معسكرين‭ ‬متصارعين،‭ ‬أحدهما‭ ‬يضم‭ ‬أنظمة‭ ‬رسمية‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬التحالف‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬والآخر‭ ‬يضم‭ ‬فاعلين‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬الدول‭ ‬يطالبون‭ ‬بالتصدي‭ ‬لمشاريع‭ ‬الهيمنة‭ ‬الصهيو‭-‬أمريكية‭ ‬على‭ ‬المنطقة،‭ ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬هذا‭ ‬الاستقطاب،‭ ‬انفجر‭ ‬‮«‬طوفان‭ ‬الأقصى‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬بمنزلة‭ ‬نقطة‭ ‬تحول‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬قلبت‭ ‬الحسابات‭ ‬كافة‭ ‬رأساً‭ ‬على‭ ‬عقب‭.‬

كان‭ ‬بمقدور‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الرامية‭ ‬إلى‭ ‬تجنب‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬صدام‭ ‬عسكري‭ ‬مباشر‭ ‬بين‭ ‬أمريكا‭ ‬وإيران‭ ‬أن‭ ‬تصمد‭ ‬وتستمر،‭ ‬لولا‭ ‬توافر‭ ‬عاملين‭ ‬رئيسيين،‭ ‬الأول‭: ‬ظهور‭ ‬ترامب‭ ‬على‭ ‬الساحة‭ ‬السياسية‭ ‬الأمريكية،‭ ‬والثاني‭: ‬حرص‭ ‬نتنياهو‭ ‬على‭ ‬استغلال‭ ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬في‭ ‬‮«‬طوفان‭ ‬الأقصى‮»‬‭ ‬لتصفية‭ ‬‮«‬محور‭ ‬المقاومة‮»‬‭ ‬تمهيداً‭ ‬لإقامة‭ ‬‮«‬إسرائيل‭ ‬الكبرى‮»‬‭.‬

فخلال‭ ‬فترة‭ ‬ولاية‭ ‬ترامب‭ ‬الأولى،‭ ‬نجح‭ ‬نتنياهو‭ ‬في‭ ‬إقناعه‭ ‬بالانسحاب‭ ‬من‭ ‬اتفاق‭ ‬2015‭ ‬وفرض‭ ‬عقوبات‭ ‬قصوى‭ ‬على‭ ‬إيران‭. ‬وخلال‭ ‬فترة‭ ‬ولايته‭ ‬الثانية،‭ ‬والتي‭ ‬بدأت‭ ‬بعد‭ ‬15‭ ‬شهراً‭ ‬من‭ ‬‮«‬طوفان‭ ‬الأقصى‮»‬،‭ ‬نجح‭ ‬نتنياهو‭ ‬في‭ ‬إقناعه‭ ‬بالمشاركة‭ ‬مع‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬في‭ ‬شن‭ ‬حربين‭ ‬على‭ ‬إيران،‭ ‬استهدفت‭ ‬الأولى‭ ‬تدمير‭ ‬برنامجها‭ ‬النووي‭ (‬حرب‭ ‬الـ‭ ‬11‭ ‬يوماً‭)‬،‭ ‬بينما‭ ‬استهدفت‭ ‬الثانية‭ ‬إسقاط‭ ‬نظامها‭ ‬السياسي‭ ‬وربما‭ ‬تفتيت‭ ‬الدولة‭ ‬الإيرانية‭ ‬ذاتها‭ (‬حرب‭ ‬الـ‭ ‬39‭ ‬يوماً‭). ‬ولأن‭ ‬الرياح‭ ‬لم‭ ‬تأتِ‭ ‬بما‭ ‬تشتهي‭ ‬سفنهما،‭ ‬فقد‭ ‬دخل‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬ترامب‭ ‬ونتنياهو‭ ‬في‭ ‬مأزق‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬أي‭ ‬منهما‭ ‬أن‭ ‬يفلت‭ ‬منه‭ ‬حاليا‭.‬

يلفت‭ ‬النظر‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬،‭ ‬المحرّض‭ ‬الرئيسي‭ ‬على‭ ‬المواجهة‭ ‬العسكرية‭ ‬مع‭ ‬إيران،‭ ‬استُبعدت‭ ‬من‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الصراع‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬تطوره‭ ‬الراهنة،‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬شقّه‭ ‬العسكري‭ ‬فحسب،‭ ‬حيث‭ ‬حُرمت‭ ‬من‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬جولات‭ ‬القتال‭ ‬التي‭ ‬اندلعت‭ ‬بعد‭ ‬‮«‬حرب‭ ‬الـ‭ ‬39‭ ‬يوماً‮»‬،‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬شقه‭ ‬السياسي‭ ‬أيضاً،‭ ‬حيث‭ ‬استُبعدت‭ ‬من‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬المفاوضات‭ ‬التي‭ ‬أفضت‭ ‬إلى‭ ‬التوقيع‭ ‬على‭ ‬‮«‬مذكرة‭ ‬التقاهم‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬ولم‭ ‬يجرِ‭ ‬أي‭ ‬تشاور‭ ‬أو‭ ‬تنسيق‭ ‬مسبق‭ ‬معها‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أنها‭ ‬ستُحرم‭ ‬من‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬جولات‭ ‬مقبلة‭ ‬قد‭ ‬يضطر‭ ‬ترامب‭ ‬للمقامرة‭ ‬بخوضها،‭ ‬كما‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬فقدت‭ ‬تأثيرها‭ ‬في‭ ‬المسار‭ ‬التفاوضي،‭ ‬فالأرجح‭ ‬أنها‭ ‬ستُدعى‭ ‬للمشاركة‭ ‬في‭ ‬القتال‭ ‬إذا‭ ‬وصلت‭ ‬المفاوضات‭ ‬إلى‭ ‬طريق‭ ‬مسدود،‭ ‬وربما‭ ‬تكون‭ ‬قد‭ ‬لعبت‭ ‬بالفعل‭ ‬دوراً‭ ‬رئيسياً‭ ‬في‭ ‬إفشال‭ ‬‮«‬مذكرة‭ ‬التفاهم‮»‬‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تتردد‭ ‬في‭ ‬الاعتراض‭ ‬عليها‭ ‬علناً‭.‬

أما‭ ‬نتنياهو‭ ‬فقد‭ ‬صرّح‭ ‬مؤخراً‭ ‬بأن‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬لم‭ ‬تُحسم‭ ‬بعد،‭ ‬وأن‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬خوضها‭ ‬منفردة‭ ‬واستئناف‭ ‬القتال‭ ‬إذا‭ ‬تطلّب‭ ‬الأمر،‭ ‬وأن‭ ‬إسقاط‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬في‭ ‬متناول‭ ‬اليد‭ ‬وستواصل‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬سعيها‭ ‬لتحقيق‭ ‬هذا‭ ‬الهدف‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬ميادين‭ ‬القتال‭ ‬على‭ ‬مختلف‭ ‬الجبهات‭ ‬تكذب‭ ‬هذه‭ ‬التصريحات‭ ‬التي‭ ‬تبدو‭ ‬مصممة‭ ‬لأغراض‭ ‬انتخابية‭. ‬

حين‭ ‬أحكمت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬حصارها‭ ‬البحري‭ ‬وأصرّت‭ ‬على‭ ‬خنق‭ ‬إيران‭ ‬اقتصادياً،‭ ‬بفرض‭ ‬أقسى‭ ‬أنواع‭ ‬العقوبات‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يتعامل‭ ‬معها‭ ‬تجارياً‭ ‬أو‭ ‬مالياً،‭ ‬ردّت‭ ‬إيران،‭ ‬ولأول‭ ‬مرة‭ ‬منذ‭ ‬اندلاع‭ ‬الحرب،‭ ‬باستهداف‭ ‬الحاملات‭ ‬والمدمّرات‭ ‬والقطع‭ ‬البحرية‭ ‬الأميركية،‭ ‬في‭ ‬مؤشر‭ ‬على‭ ‬الصراع‭ ‬العسكري‭ ‬بين‭ ‬الطرفين‭ ‬قد‭ ‬يتجدد‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬لحظة‭ ‬وتدخل‭ ‬المنطقة‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬التصعيد‭ .‬

 

{ أستاذ‭ ‬العلوم‭ ‬السياسية‭ ‬

في‭ ‬جامعة‭ ‬القاهرة

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا