العدد : ١٧٧١٤ - الثلاثاء ٢٢ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١١ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧١٤ - الثلاثاء ٢٢ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١١ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

كيف نتعايش مع تحولات العالم اليوم؟

بقلم: ربى عياش

الثلاثاء ٢٢ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

لكل‭ ‬زمن‭ ‬مزاجه‭ ‬الخاص،‭ ‬وكأن‭ ‬للسنين‭ ‬أرواحا،‭ ‬فالسنوات‭ ‬لا‭ ‬تشبه‭ ‬بعضها‭. ‬فكر‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1999،‭ ‬ثم‭ ‬2001،‭ ‬2008،‭ ‬2011،‭ ‬ثم‭ ‬فكر‭ ‬في‭ ‬اليوم‭. ‬لا‭ ‬تستحضر‭ ‬الأحداث‭ ‬الكبرى‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬حاول‭ ‬أن‭ ‬تتذكر‭ ‬كيف‭ ‬كانت‭ ‬الحياة‭ ‬تبدو‭: ‬شكل‭ ‬الناس،‭ ‬الموسيقى،‭ ‬الشوارع،‭ ‬طريقة‭ ‬حديثنا،‭ ‬علاقتنا‭ ‬بالوقت‭ ‬والأخبار‭ ‬وبأنفسنا،‭ ‬مقدار‭ ‬خوفنا‭ ‬من‭ ‬المستقبل‭ ‬أو‭ ‬حماسنا‭ ‬له‭.‬

حتى‭ ‬ذكرياتنا‭ ‬تبدو‭ ‬وكأن‭ ‬لكل‭ ‬حقبة‭ ‬لونًا‭ ‬مختلفًا،‭ ‬كأن‭ ‬لكل‭ ‬زمن‭ ‬مزاجه‭ ‬الخاص،‭ ‬ولكل‭ ‬عصر‭ ‬روح‭. ‬وأحيانًا‭ ‬أفكر‭ ‬في‭ ‬2019‭ ‬كما‭ ‬نفكر‭ ‬في‭ ‬آخر‭ ‬صورة‭ ‬التقطت‭ ‬قبل‭ ‬حادث‭ ‬لم‭ ‬نكن‭ ‬نعرف‭ ‬أنه‭ ‬سيقع؛‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬في‭ ‬الصورة‭ ‬شيء‭ ‬استثنائي،‭ ‬الناس‭ ‬يذهبون‭ ‬إلى‭ ‬أعمالهم،‭ ‬المطارات‭ ‬ممتلئة،‭ ‬الوجوه‭ ‬مكشوفة،‭ ‬نتصافح‭ ‬بلا‭ ‬تفكير،‭ ‬نخطط‭ ‬للعام‭ ‬المقبل‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬ملزم‭ ‬بتنفيذ‭ ‬خططنا،‭ ‬نتذمر‭ ‬من‭ ‬مشكلاتنا‭ ‬العادية،‭ ‬ولم‭ ‬نكن‭ ‬نعرف‭ ‬أننا‭ ‬ننظر‭ ‬إلى‭ ‬نهاية‭ ‬شيء‭. ‬ثم‭ ‬جاءت‭ ‬2020،‭ ‬وفجأة‭ ‬أصبح‭ ‬هناك‭ ‬قبل‭ ‬وبعد‭.‬

ولم‭ ‬تكن‭ ‬المسألة‭ ‬جائحة‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬كأن‭ ‬العالم‭ ‬بعدما‭ ‬توقف‭ ‬عاد‭ ‬إلى‭ ‬الدوران‭ ‬بسرعة‭ ‬مختلفة‭: ‬حروب،‭ ‬أزمات،‭ ‬تضخم،‭ ‬عزلة،‭ ‬خوف،‭ ‬شاشات،‭ ‬خوارزميات،‭ ‬ذكاء‭ ‬اصطناعي،‭ ‬واقع‭ ‬يتسارع‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬أننا‭ ‬بالكاد‭ ‬نستوعب‭ ‬حدثًا‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يبتلعه‭ ‬حدث‭ ‬آخر‭. ‬ولم‭ ‬نعد‭ ‬نحن‭ ‬أيضًا‭ ‬كما‭ ‬كنا‭. ‬فهل‭ ‬نحن‭ ‬فقط‭ ‬نمر‭ ‬بالسنوات؟‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬السنوات‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تمر‭ ‬بنا‭ ‬وتترك‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬إنسانًا‭ ‬مختلفًا‭ ‬عن‭ ‬الذي‭ ‬وجدته؟

ربما‭ ‬تبدو‭ ‬فكرة‭ ‬أن‭ ‬‮«‬للزمن‭ ‬روحًا‮»‬‭ ‬شاعرية‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬ينبغي،‭ ‬لكن‭ ‬علم‭ ‬الاجتماع‭ ‬والفلسفة‭ ‬عرفا‭ ‬منذ‭ ‬زمن‭ ‬مفهوم‭ ‬روح‭ ‬العصر؛‭ ‬ذلك‭ ‬المزاج‭ ‬غير‭ ‬المرئي‭ ‬الذي‭ ‬تصنعه‭ ‬السياسة‭ ‬والحروب‭ ‬والاقتصاد‭ ‬والفن‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬والخوف‭ ‬والأمل‭ ‬معًا،‭ ‬حتى‭ ‬يصبح‭ ‬جيل‭ ‬كامل‭ ‬ابن‭ ‬مناخ‭ ‬نفسي‭ ‬واحد‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يلتقي‭ ‬أفراده‭ ‬أو‭ ‬يتفقوا‭ ‬عليه‭.‬

ولكل‭ ‬عصر‭ ‬بالفعل‭ ‬لغته‭ ‬ومخاوفه‭ ‬وأوهامه‭. ‬كان‭ ‬مطلع‭ ‬الألفية‭ ‬محكومًا‭ ‬بوعد‭ ‬العولمة‭ ‬وعالم‭ ‬بلا‭ ‬حدود،‭ ‬ثم‭ ‬جاء‭ ‬الحادي‭ ‬عشر‭ ‬من‭ ‬سبتمبر‭ ‬ليعيد‭ ‬الخوف‭ ‬والأمن‭ ‬والحرب‭ ‬إلى‭ ‬قلب‭ ‬السياسة‭. ‬جاءت‭ ‬أزمة‭ ‬2008‭ ‬فاهتز‭ ‬اليقين‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬وفي‭ ‬2011‭ ‬بدت‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬للحظة‭ ‬كأنها‭ ‬أداة‭ ‬لتحرير‭ ‬الجماهير‭ ‬وإسقاط‭ ‬الجدران،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬نكتشف‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬أن‭ ‬الأدوات‭ ‬نفسها‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬مصانع‭ ‬للاستقطاب‭ ‬والتضليل‭ ‬والغضب‭. ‬

ثم‭ ‬جاءت‭ ‬2020،‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬العالم‭ ‬القديم‭ ‬تمامًا‭. ‬واليوم،‭ ‬في‭ ‬2026،‭ ‬يبدو‭ ‬أننا‭ ‬نعيش‭ ‬روح‭ ‬عصر‭ ‬أكثر‭ ‬قلقًا؛‭ ‬الحرب‭ ‬عادت‭ ‬لتصبح‭ ‬جزءًا‭ ‬طبيعيًا‭ ‬من‭ ‬نشرات‭ ‬الأخبار،‭ ‬أوكرانيا‭ ‬تدخل‭ ‬عامًا‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬حرب‭ ‬طويلة‭ ‬لا‭ ‬تبدو‭ ‬لها‭ ‬نهاية‭ ‬واضحة،‭ ‬غزة‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬جرحًا‭ ‬مفتوحًا‭ ‬في‭ ‬الضمير‭ ‬والسياسة،‭ ‬والشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬عاش‭ ‬حربًا‭ ‬جديدة‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬تجاوز‭ ‬أثرها‭ ‬ساحات‭ ‬القتال‭ ‬إلى‭ ‬الطاقة‭ ‬والممرات‭ ‬البحرية‭ ‬والاقتصاد‭ ‬وحسابات‭ ‬الأمن‭ ‬والتحالفات‭.‬

لم‭ ‬تعد‭ ‬الحروب‭ ‬محلية‭ ‬تمامًا؛‭ ‬صاروخ‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يرفع‭ ‬سعر‭ ‬الطاقة‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬آخر،‭ ‬وقرار‭ ‬سياسي‭ ‬في‭ ‬عاصمة‭ ‬كبرى‭ ‬قد‭ ‬يظهر‭ ‬بعد‭ ‬أيام‭ ‬في‭ ‬فاتورة‭ ‬إنسان‭ ‬لم‭ ‬يشارك‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬أصلًا‭.‬

وفي‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته،‭ ‬تعيد‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭ ‬حساب‭ ‬مواقعها؛‭ ‬أمريكا‭ ‬والصين‭ ‬تتنافسان‭ ‬على‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬والنفوذ‭ ‬والتجارة،‭ ‬روسيا‭ ‬تختبر‭ ‬حدود‭ ‬القوة‭ ‬والنظام‭ ‬الأوروبي،‭ ‬ودول‭ ‬الجنوب‭ ‬العالمي‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬مساحة‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬نظام‭ ‬دولي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يبدو‭ ‬مقتنعًا‭ ‬حتى‭ ‬بالقواعد‭ ‬التي‭ ‬صنعها‭. ‬وكأن‭ ‬العالم‭ ‬لم‭ ‬يدخل‭ ‬نظامًا‭ ‬جديدًا‭ ‬بعد،‭ ‬لكنه‭ ‬بدأ‭ ‬يفقد‭ ‬ثقته‭ ‬بالنظام‭ ‬القديم‭.‬

الإنسان‭ ‬أدرك‭ ‬منذ‭ ‬آلاف‭ ‬السنين‭ ‬أن‭ ‬التطور‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬التقدم؛‭ ‬يمكن‭ ‬للتكنولوجيا‭ ‬أن‭ ‬تتقدم‭ ‬بينما‭ ‬يتراجع‭ ‬الإنسان‭ ‬أخلاقيًا،‭ ‬يمكننا‭ ‬أن‭ ‬نصنع‭ ‬آلات‭ ‬أكثر‭ ‬ذكاء‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نصبح‭ ‬أكثر‭ ‬حكمة،‭ ‬يمكننا‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الفضاء‭ ‬بينما‭ ‬نفشل‭ ‬في‭ ‬تعلم‭ ‬كيفية‭ ‬العيش‭ ‬مع‭ ‬بعضنا‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬يمكننا‭ ‬تطوير‭ ‬أدوات‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬المعرفة‭ ‬في‭ ‬ثوان‭ ‬بينما‭ ‬يصبح‭ ‬الاتفاق‭ ‬على‭ ‬معنى‭ ‬‮«‬الحقيقة‮»‬‭ ‬نفسها‭ ‬أكثر‭ ‬صعوبة‭.‬

مفارقة‭ ‬عصرنا؛‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬الإنسان‭ ‬لم‭ ‬يمتلك‭ ‬في‭ ‬تاريخه‭ ‬هذا‭ ‬القدر‭ ‬من‭ ‬المعلومات،‭ ‬نعرف‭ ‬أن‭ ‬حربًا‭ ‬بدأت‭ ‬بعد‭ ‬دقائق‭ ‬من‭ ‬بدايتها،‭ ‬نشاهد‭ ‬الموت‭ ‬مباشرة،‭ ‬نرى‭ ‬زلزال‭ ‬على‭ ‬الطرف‭ ‬الآخر‭ ‬من‭ ‬الكوكب،‭ ‬تصلنا‭ ‬تصريحات‭ ‬الرؤساء‭ ‬والأسواق‭ ‬والصواريخ‭ ‬والكوارث‭ ‬والمجازر‭ ‬إلى‭ ‬الهاتف‭ ‬نفسه‭ ‬الذي‭ ‬نطلب‭ ‬منه‭ ‬العشاء،‭ ‬العالم‭ ‬كله‭ ‬في‭ ‬راحة‭ ‬يدنا‭.‬

لكن‭ ‬هل‭ ‬أصبحنا‭ ‬أكثر‭ ‬معرفة؟‭ ‬أم‭ ‬أننا‭ ‬فقط‭ ‬أصبحنا‭ ‬أكثر‭ ‬تعرضًا‭ ‬للمعلومات؟‭ ‬وهل‭ ‬كثرة‭ ‬المعلومات‭ ‬توسع‭ ‬الوعي‭ ‬دائمًا؟‭ ‬أم‭ ‬أنها‭ ‬قد‭ ‬تغرق‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬ضجيج‭ ‬هائل‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬أنه‭ ‬يعرف‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬ولا‭ ‬يفهم‭ ‬شيئًا؟

نحن‭ ‬لا‭ ‬نعيش‭ ‬فقط‭ ‬تحولًا‭ ‬سياسيًا،‭ ‬بل‭ ‬هناك‭ ‬شيء‭ ‬يتغير‭ ‬في‭ ‬الإنسان‭ ‬نفسه؛‭ ‬للمرة‭ ‬الأولى‭ ‬لا‭ ‬تصنع‭ ‬وعينا‭ ‬الأسرة‭ ‬والمدرسة‭ ‬والكتاب‭ ‬والمجتمع‭ ‬والتجربة‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬تشارك‭ ‬في‭ ‬صناعته‭ ‬الخوارزمية،‭ ‬تعرف‭ ‬ما‭ ‬يلفت‭ ‬انتباهنا،‭ ‬ما‭ ‬يخيفنا،‭ ‬ما‭ ‬يغضبنا،‭ ‬ما‭ ‬يجعلنا‭ ‬نبقى‭ ‬أمام‭ ‬الشاشة‭ ‬لثانية‭ ‬إضافية‭.‬

تبدو‭ ‬بعض‭ ‬السنوات‭ ‬أثقل‭ ‬من‭ ‬غيرها‭ ‬لأن‭ ‬التاريخ‭ ‬أحيانًا‭ ‬يتكثف؛‭ ‬تحدث‭ ‬أشياء‭ ‬كثيرة‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬قصير،‭ ‬فتتغير‭ ‬السياسة‭ ‬والاقتصاد‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬وعلاقة‭ ‬الإنسان‭ ‬بنفسه‭ ‬دفعة‭ ‬واحدة،‭ ‬فنخرج‭ ‬من‭ ‬سنة‭ ‬وندخل‭ ‬أخرى‭ ‬ونحن‭ ‬لسنا‭ ‬الإنسان‭ ‬ذاته‭.‬

 

{ إعلامية‭ ‬فلسطينية

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا