لكل زمن مزاجه الخاص، وكأن للسنين أرواحا، فالسنوات لا تشبه بعضها. فكر في عام 1999، ثم 2001، 2008، 2011، ثم فكر في اليوم. لا تستحضر الأحداث الكبرى فقط، بل حاول أن تتذكر كيف كانت الحياة تبدو: شكل الناس، الموسيقى، الشوارع، طريقة حديثنا، علاقتنا بالوقت والأخبار وبأنفسنا، مقدار خوفنا من المستقبل أو حماسنا له.
حتى ذكرياتنا تبدو وكأن لكل حقبة لونًا مختلفًا، كأن لكل زمن مزاجه الخاص، ولكل عصر روح. وأحيانًا أفكر في 2019 كما نفكر في آخر صورة التقطت قبل حادث لم نكن نعرف أنه سيقع؛ لم يكن في الصورة شيء استثنائي، الناس يذهبون إلى أعمالهم، المطارات ممتلئة، الوجوه مكشوفة، نتصافح بلا تفكير، نخطط للعام المقبل كما لو أن العالم ملزم بتنفيذ خططنا، نتذمر من مشكلاتنا العادية، ولم نكن نعرف أننا ننظر إلى نهاية شيء. ثم جاءت 2020، وفجأة أصبح هناك قبل وبعد.
ولم تكن المسألة جائحة فقط، بل كأن العالم بعدما توقف عاد إلى الدوران بسرعة مختلفة: حروب، أزمات، تضخم، عزلة، خوف، شاشات، خوارزميات، ذكاء اصطناعي، واقع يتسارع إلى درجة أننا بالكاد نستوعب حدثًا قبل أن يبتلعه حدث آخر. ولم نعد نحن أيضًا كما كنا. فهل نحن فقط نمر بالسنوات؟ أم أن السنوات هي التي تمر بنا وتترك في كل مرة إنسانًا مختلفًا عن الذي وجدته؟
ربما تبدو فكرة أن «للزمن روحًا» شاعرية أكثر مما ينبغي، لكن علم الاجتماع والفلسفة عرفا منذ زمن مفهوم روح العصر؛ ذلك المزاج غير المرئي الذي تصنعه السياسة والحروب والاقتصاد والفن والتكنولوجيا والخوف والأمل معًا، حتى يصبح جيل كامل ابن مناخ نفسي واحد دون أن يلتقي أفراده أو يتفقوا عليه.
ولكل عصر بالفعل لغته ومخاوفه وأوهامه. كان مطلع الألفية محكومًا بوعد العولمة وعالم بلا حدود، ثم جاء الحادي عشر من سبتمبر ليعيد الخوف والأمن والحرب إلى قلب السياسة. جاءت أزمة 2008 فاهتز اليقين الاقتصادي، وفي 2011 بدت وسائل التواصل الاجتماعي للحظة كأنها أداة لتحرير الجماهير وإسقاط الجدران، قبل أن نكتشف بعد سنوات أن الأدوات نفسها تستطيع أن تصبح مصانع للاستقطاب والتضليل والغضب.
ثم جاءت 2020، ولم يعد العالم القديم تمامًا. واليوم، في 2026، يبدو أننا نعيش روح عصر أكثر قلقًا؛ الحرب عادت لتصبح جزءًا طبيعيًا من نشرات الأخبار، أوكرانيا تدخل عامًا آخر من حرب طويلة لا تبدو لها نهاية واضحة، غزة لا تزال جرحًا مفتوحًا في الضمير والسياسة، والشرق الأوسط عاش حربًا جديدة مع إيران تجاوز أثرها ساحات القتال إلى الطاقة والممرات البحرية والاقتصاد وحسابات الأمن والتحالفات.
لم تعد الحروب محلية تمامًا؛ صاروخ في مكان ما قد يرفع سعر الطاقة في مكان آخر، وقرار سياسي في عاصمة كبرى قد يظهر بعد أيام في فاتورة إنسان لم يشارك في الحرب أصلًا.
وفي الوقت ذاته، تعيد القوى الكبرى حساب مواقعها؛ أمريكا والصين تتنافسان على التكنولوجيا والنفوذ والتجارة، روسيا تختبر حدود القوة والنظام الأوروبي، ودول الجنوب العالمي تبحث عن مساحة أكبر في نظام دولي لم يعد يبدو مقتنعًا حتى بالقواعد التي صنعها. وكأن العالم لم يدخل نظامًا جديدًا بعد، لكنه بدأ يفقد ثقته بالنظام القديم.
الإنسان أدرك منذ آلاف السنين أن التطور لا يعني بالضرورة التقدم؛ يمكن للتكنولوجيا أن تتقدم بينما يتراجع الإنسان أخلاقيًا، يمكننا أن نصنع آلات أكثر ذكاء دون أن نصبح أكثر حكمة، يمكننا الوصول إلى الفضاء بينما نفشل في تعلم كيفية العيش مع بعضنا على الأرض، يمكننا تطوير أدوات قادرة على إنتاج المعرفة في ثوان بينما يصبح الاتفاق على معنى «الحقيقة» نفسها أكثر صعوبة.
مفارقة عصرنا؛ هي أن الإنسان لم يمتلك في تاريخه هذا القدر من المعلومات، نعرف أن حربًا بدأت بعد دقائق من بدايتها، نشاهد الموت مباشرة، نرى زلزال على الطرف الآخر من الكوكب، تصلنا تصريحات الرؤساء والأسواق والصواريخ والكوارث والمجازر إلى الهاتف نفسه الذي نطلب منه العشاء، العالم كله في راحة يدنا.
لكن هل أصبحنا أكثر معرفة؟ أم أننا فقط أصبحنا أكثر تعرضًا للمعلومات؟ وهل كثرة المعلومات توسع الوعي دائمًا؟ أم أنها قد تغرق الإنسان في ضجيج هائل إلى درجة أنه يعرف كل شيء ولا يفهم شيئًا؟
نحن لا نعيش فقط تحولًا سياسيًا، بل هناك شيء يتغير في الإنسان نفسه؛ للمرة الأولى لا تصنع وعينا الأسرة والمدرسة والكتاب والمجتمع والتجربة وحدها، بل تشارك في صناعته الخوارزمية، تعرف ما يلفت انتباهنا، ما يخيفنا، ما يغضبنا، ما يجعلنا نبقى أمام الشاشة لثانية إضافية.
تبدو بعض السنوات أثقل من غيرها لأن التاريخ أحيانًا يتكثف؛ تحدث أشياء كثيرة في وقت قصير، فتتغير السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا وعلاقة الإنسان بنفسه دفعة واحدة، فنخرج من سنة وندخل أخرى ونحن لسنا الإنسان ذاته.
{ إعلامية فلسطينية

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك