تأتي الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان في ظل تعقيدات إقليمية تتقاطع فيها الطموحات الإيرانية مع المساعي الأمريكية لإعادة هيكلة التوازنات الاستراتيجية في المنطقة، الأمر الذي جعل من لبنان ساحة لتصفية حسابات تتجاوز حدوده الوطنية. فالبلاد تتأرجح بين ضغوط التصعيد العسكري لحزب الله وارتباطاته الإقليمية من جهة، ومساعي الحكومة اللبنانية لتجنّب انجراف الدولة نحو حرب شاملة قد تُفضي إلى انهيار اقتصادي واجتماعي أعمق من جهة أخرى.
ومنذ دخول اتفاق وقف الأعمال العدائية حيّز التنفيذ في نهاية تشرين الثاني/نوفمبر 2024 برعاية أمريكية-فرنسية، لم يفضِ هذا الاتفاق إلى تهدئة مستقرة، بل تحوّل الوضع الميداني إلى ما يشبه حالة »لا حرب ولا سلم«: خروقات إسرائيلية شبه يومية على الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، مقابل تريّث حذر من جانب حزب الله في الرد الشامل، وسط ضغوط أمريكية وإقليمية متصاعدة لإنهاء ازدواجية السلاح في الدولة اللبنانية.
رهان الدولة على استعادة القرار
منذ انتخاب العماد جوزيف عون رئيساً للجمهورية وتكليف نواف سلام تشكيل الحكومة مطلع عام 2025، تبنّى الثنائي مقاربة تقوم على استعادة قرار الحرب والسلم حصراً بيد الدولة، عبر خطة وضعها قائد الجيش العماد رودولف هيكل لحصر السلاح بيد المؤسسة العسكرية على مراحل. وقد شكّل قرار مجلس الوزراء الصادر بين مطلع آب/أغسطس ومطلع أيلول/سبتمبر 2025 بالمصادقة على هذه الخطة محطة مفصلية، اعتبرها الرئيس عون إنجازاً لم يتحقق منذ أربعة عقود، فيما أكّد سلام أن الاقتصاد اللبناني لن ينهض ما لم يتعزّز أمن الدولة واستقرارها السياسي.
غير أن هذا المسار لا يخلو من هشاشة بنيوية: فالحكومة تراهن إلى حدٍّ بعيد على المظلة الأمريكية بوصفها الضمانة الأنجع لكبح الاعتداءات الإسرائيلية ومنع الانزلاق نحو مزيد من الدمار، في وقت تتقاطع فيه أولويات واشنطن وتل أبيب حول ملف حزب الله وإيران مع محدودية اهتمامهما الفعلي بمتطلبات السلم الأهلي الداخلي. كما تواجه رئاسة الجمهورية والحكومة ضغطاً مزدوجاً: من جهة أولى، مطالبات دولية وأمريكية متكررة بالإسراع في تنفيذ مراحل نزع السلاح، وتحذيرات من أن أي تلكؤ قد يفتح الباب أمام تحرك إسرائيلي أحادي أو تدخل إقليمي يهدد النظام السياسي الهش أصلاً؛ ومن جهة ثانية، تمسك حزب الله برفض التسليم الكامل للسلاح، ما يضع السلطة التنفيذية أمام معادلة دقيقة بين فرض هيبة الدولة وتجنّب الانزلاق نحو مواجهة داخلية.
المأزق الراهن لـ»حزب الله«
حافظ حزب الله، على لسان أمينه العام الشيخ نعيم قاسم، على موقف متكرر وثابت برفض تسليم سلاحه، معتبراً أن هذا السلاح يمثل عامل ردع أساسي في مواجهة إسرائيل وشرطاً لبقاء الحزب في معادلة الداخل والإقليم، ومصوّراً أي مسعى لنزعه بأنه تمهيد لتصفية »المقاومة« وليس مجرد إجراء سيادي داخلي. وقد رفض الحزب في أكثر من مناسبة مبادرات وساطة، منها مقترح فرنسي قضى بوقف إطلاق نار مقابل موافقته على تسليم السلاح والسماح بانتشار الجيش في مناطق نفوذه العسكري، كما رفض فكرة التفاوض المباشر مع إسرائيل بالكامل.
في المقابل، تشير مؤشرات عدة إلى تململ متزايد داخل الطبقة السياسية الحليفة تقليدياً لحزب الله، إذ باتت مواقف شخصيات محورية كرئيس مجلس النواب نبيه بري أقرب إلى التسليم بأن الحزب لم يعد وحده قادراً على فرض وقف الاعتداءات الإسرائيلية أو انتزاع الانسحاب، وأن مفتاح إنهاء الحرب بات فعلياً بيد الدولة والدبلوماسية والضغط الأمريكي، وهو ما يعكس تصدّعاً تدريجياً في الخطاب الموحد الذي اعتاد الحزب وحلفاؤه تبنّيه. ويضع هذا المسار حزب الله أمام معضلة وجودية حقيقية: فالتشبث بالسلاح في ظل تراجع الغطاء الإيراني وتفكك محور “الممانعة” الإقليمي بعد سقوط النظام السوري السابق، قد يعرّض الحزب لعزلة سياسية متزايدة وضغوط شعبية داخلية، بينما قد يعني التخلي التدريجي عن السلاح فقدانه لعنصر قوته الأساسي ووظيفته الإقليمية بوصفه أداة ردع مرتبطة بمحور طهران.
إسرائيل وتغيير قواعد الاشتباك
تغيّرت الأهداف الإسرائيلية المعلنة في لبنان بشكل ملحوظ مقارنة بمرحلة ما قبل عامين، حين كان العمل العسكري الإسرائيلي مقيّداً نسبياً بحسابات الردع الإيراني وبتحفّظ الإدارة الأمريكية السابقة عن مواجهة مباشرة بين إسرائيل وإيران. أما اليوم، فتؤكد تل أبيب أنها لن تسمح لحزب الله بالاحتفاظ بقدرة تهديد شمال إسرائيل، وتصف استمرار وجوده المسلح بأنه تهديد مباشر لأمنها القومي ولاستقرار الدولة اللبنانية ذاتها. وقد ترافق ذلك مع خروقات شبه يومية لاتفاق وقف الأعمال العدائية طالت الضاحية الجنوبية والجنوب والبقاع، بلغت ذروتها في موجات قصف واسعة أسفرت عن سقوط ضحايا مدنيين وأثارت دعوات أممية للتحقيق، في وقت تربط فيه إسرائيل أي انسحاب كامل من النقاط التي لا تزال تحتلها جنوب لبنان بإحراز تقدم ملموس في مسار نزع سلاح حزب الله.
موقف الدول العربية والخليجية
تحوّلت المقاربة العربية والخليجية تجاه الأزمة اللبنانية تدريجياً من موقف الحياد الحذر إلى انخراط أكثر وضوحاً في دعم مسار الدولة، شريطة إحراز تقدم فعلي في حصر السلاح. فقد تبنّى المجلس الوزاري العربي مواقف داعمة لقرارات الحكومة اللبنانية القاضية بحظر الأنشطة الأمنية والعسكرية لحزب الله واعتبارها خارجة عن الشرعية، مع المطالبة في الوقت نفسه بإلزام إسرائيل بوقف اعتداءاتها والانسحاب إلى ما وراء الحدود المعترف بها دولياً وفق القرار الأممي 1701. كما برز تحرك سعودي-فرنسي مشترك يهدف إلى رسم ملامح “نهاية زمن السلاح غير الشرعي” في لبنان عبر دعم مؤسسات الدولة وتمكين الجيش وأجهزته الأمنية، في مقابل ربط أي دعم مالي أو استثماري خليجي مرتقب بإحراز تقدم ملموس في هذا الملف، بما يعكس تحوّل الدعم العربي إلى أداة ضغط سياسي واقتصادي مشروط أكثر منه دعماً غير مشروط كما كان الحال في عقود سابقة.
الحسابات الأمريكية والفرنسية
تقود الولايات المتحدة، عبر مبعوثين خاصين، مساراً تفاوضياً يقوم على مطالبة الدولة اللبنانية بمواجهة صريحة لملف من يمتلك السلاح ومن يزوّده به، مع التعامل مع الحكومة اللبنانية بوصفها السلطة الشرعية الوحيدة المخوّلة بالتفاوض، ورفض مبدئي لفكرة إشراك »حزب الله« وإيران في أي تفاوض مباشر رغم تصريحات متضاربة صدرت في هذا الشأن أثارت جدلاً داخلياً واسعاً واعتُبرت من قوى سيادية لبنانية مساساً بهيبة الدولة. وقد رافقت هذا المسار جولات تفاوضية غير مباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية استضافتها واشنطن وروما، تناولت آليات التحقق من نزع السلاح جنوب الليطاني ومستقبل قوات حفظ السلام الدولية بعد انتهاء مهمة »اليونيفيل«.
أما فرنسا، الشريك التاريخي للبنان والراعية المشتركة لاتفاق وقف الأعمال العدائية، فقد جمعت بين إدانة صريحة لتصعيد »حزب الله« ودعمٍ متواصل لمسار الرئيس عون وحكومة سلام في إعادة بسط سلطة الدولة، مع الدفع باتجاه تفعيل القرار الأممي 1701 وتعزيز قدرات الجيش اللبناني، في تنسيق متزايد مع الرياض يهدف إلى تحويل الدعم السياسي إلى التزامات عملية قابلة للتنفيذ.
ختاما، يكشف تقاطع هذه المواقف عن معادلة إقليمية ودولية معقدة تُبقي لبنان أسير حالة «لا حرب ولا سلم» متجددة: فحزب الله لا يمتلك القدرة على الانخراط في حرب شاملة قد تنهي وجوده العسكري، لكنه في الوقت نفسه غير مستعد للتخلي الكامل عن سلاحه؛ وإسرائيل تفضّل استنزاف الحزب بضربات محسوبة على حرب واسعة مكلفة؛ والحكومة اللبنانية تسعى إلى كسب الوقت عبر مسار تدريجي لحصر السلاح تحت غطاء أمريكي وعربي، دون أن تملك بعد أدوات إنفاذ كافية لفرضه بالكامل.
وفي ظل هذا التشابك، يبقى مستقبل الاستقرار السياسي في لبنان مرهوناً بقدرة الدولة على تحويل الدعم الخارجي المشروط إلى إنجاز فعلي وتدريجي في بسط سيادتها، وبمدى استعداد »حزب الله« لإعادة تعريف دوره ضمن مؤسسات الدولة بدلا من موازاتها، وبمدى نجاح الفاعلين الإقليميين والدوليين في الانتقال من إدارة الأزمة إلى المساهمة الفعلية في حلّها. ومن دون ذلك، سيظل لبنان عالقاً بين حرب لا تندلع بكامل زخمها وسلام لا يكتمل، في دورة استنزاف تُبقي مؤسساته وسيادته رهينة لتوازنات لا يتحكم بها وحده.
{ باحث في الشؤون العربية

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك