العدد : ١٧٧١٤ - الثلاثاء ٢٢ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١١ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧١٤ - الثلاثاء ٢٢ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١١ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

المشهد اللبناني وتحولات الحسابات الإقليمية والدولية

بقلم: خالد فياض

الثلاثاء ٢٢ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

تأتي‭ ‬الاعتداءات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬على‭ ‬لبنان‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تعقيدات‭ ‬إقليمية‭ ‬تتقاطع‭ ‬فيها‭ ‬الطموحات‭ ‬الإيرانية‭ ‬مع‭ ‬المساعي‭ ‬الأمريكية‭ ‬لإعادة‭ ‬هيكلة‭ ‬التوازنات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬جعل‭ ‬من‭ ‬لبنان‭ ‬ساحة‭ ‬لتصفية‭ ‬حسابات‭ ‬تتجاوز‭ ‬حدوده‭ ‬الوطنية‭. ‬فالبلاد‭ ‬تتأرجح‭ ‬بين‭ ‬ضغوط‭ ‬التصعيد‭ ‬العسكري‭ ‬لحزب‭ ‬الله‭ ‬وارتباطاته‭ ‬الإقليمية‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬ومساعي‭ ‬الحكومة‭ ‬اللبنانية‭ ‬لتجنّب‭ ‬انجراف‭ ‬الدولة‭ ‬نحو‭ ‬حرب‭ ‬شاملة‭ ‬قد‭ ‬تُفضي‭ ‬إلى‭ ‬انهيار‭ ‬اقتصادي‭ ‬واجتماعي‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭.‬‮ ‬

ومنذ‭ ‬دخول‭ ‬اتفاق‭ ‬وقف‭ ‬الأعمال‭ ‬العدائية‭ ‬حيّز‭ ‬التنفيذ‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬تشرين‭ ‬الثاني‭/‬نوفمبر‭ ‬2024‭ ‬برعاية‭ ‬أمريكية‭-‬فرنسية،‭ ‬لم‭ ‬يفضِ‭ ‬هذا‭ ‬الاتفاق‭ ‬إلى‭ ‬تهدئة‭ ‬مستقرة،‭ ‬بل‭ ‬تحوّل‭ ‬الوضع‭ ‬الميداني‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬حالة‭ ‬‮»‬لا‭ ‬حرب‭ ‬ولا‭ ‬سلم‮«‬‭: ‬خروقات‭ ‬إسرائيلية‭ ‬شبه‭ ‬يومية‭ ‬على‭ ‬الجنوب‭ ‬والبقاع‭ ‬والضاحية‭ ‬الجنوبية،‭ ‬مقابل‭ ‬تريّث‭ ‬حذر‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬حزب‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬الرد‭ ‬الشامل،‭ ‬وسط‭ ‬ضغوط‭ ‬أمريكية‭ ‬وإقليمية‭ ‬متصاعدة‭ ‬لإنهاء‭ ‬ازدواجية‭ ‬السلاح‭ ‬في‭ ‬الدولة‭ ‬اللبنانية‭.‬‮ ‬

رهان‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬استعادة‭ ‬القرار‮ ‬

منذ‭ ‬انتخاب‭ ‬العماد‭ ‬جوزيف‭ ‬عون‭ ‬رئيساً‭ ‬للجمهورية‭ ‬وتكليف‭ ‬نواف‭ ‬سلام‭ ‬تشكيل‭ ‬الحكومة‭ ‬مطلع‭ ‬عام‭ ‬2025،‭ ‬تبنّى‭ ‬الثنائي‭ ‬مقاربة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬استعادة‭ ‬قرار‭ ‬الحرب‭ ‬والسلم‭ ‬حصراً‭ ‬بيد‭ ‬الدولة،‭ ‬عبر‭ ‬خطة‭ ‬وضعها‭ ‬قائد‭ ‬الجيش‭ ‬العماد‭ ‬رودولف‭ ‬هيكل‭ ‬لحصر‭ ‬السلاح‭ ‬بيد‭ ‬المؤسسة‭ ‬العسكرية‭ ‬على‭ ‬مراحل‭. ‬وقد‭ ‬شكّل‭ ‬قرار‭ ‬مجلس‭ ‬الوزراء‭ ‬الصادر‭ ‬بين‭ ‬مطلع‭ ‬آب‭/‬أغسطس‭ ‬ومطلع‭ ‬أيلول‭/‬سبتمبر‭ ‬2025‭ ‬بالمصادقة‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الخطة‭ ‬محطة‭ ‬مفصلية،‭ ‬اعتبرها‭ ‬الرئيس‭ ‬عون‭ ‬إنجازاً‭ ‬لم‭ ‬يتحقق‭ ‬منذ‭ ‬أربعة‭ ‬عقود،‭ ‬فيما‭ ‬أكّد‭ ‬سلام‭ ‬أن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬اللبناني‭ ‬لن‭ ‬ينهض‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يتعزّز‭ ‬أمن‭ ‬الدولة‭ ‬واستقرارها‭ ‬السياسي‭.‬‮ ‬

غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬لا‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬هشاشة‭ ‬بنيوية‭: ‬فالحكومة‭ ‬تراهن‭ ‬إلى‭ ‬حدٍّ‭ ‬بعيد‭ ‬على‭ ‬المظلة‭ ‬الأمريكية‭ ‬بوصفها‭ ‬الضمانة الأنجع لكبح‭ ‬الاعتداءات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬ومنع‭ ‬الانزلاق‭ ‬نحو‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬الدمار،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تتقاطع‭ ‬فيه‭ ‬أولويات‭ ‬واشنطن‭ ‬وتل‭ ‬أبيب‭ ‬حول‭ ‬ملف‭ ‬حزب‭ ‬الله‭ ‬وإيران‭ ‬مع‭ ‬محدودية‭ ‬اهتمامهما‭ ‬الفعلي‭ ‬بمتطلبات‭ ‬السلم‭ ‬الأهلي‭ ‬الداخلي‭. ‬كما‭ ‬تواجه‭ ‬رئاسة‭ ‬الجمهورية‭ ‬والحكومة‭ ‬ضغطاً‭ ‬مزدوجاً‭: ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أولى،‭ ‬مطالبات‭ ‬دولية‭ ‬وأمريكية‭ ‬متكررة‭ ‬بالإسراع‭ ‬في‭ ‬تنفيذ‭ ‬مراحل‭ ‬نزع‭ ‬السلاح،‭ ‬وتحذيرات‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬تلكؤ‭ ‬قد‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬تحرك‭ ‬إسرائيلي‭ ‬أحادي‭ ‬أو‭ ‬تدخل‭ ‬إقليمي‭ ‬يهدد‭ ‬النظام‭ ‬السياسي‭ ‬الهش‭ ‬أصلاً؛‭ ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬ثانية،‭ ‬تمسك‭ ‬حزب‭ ‬الله‭ ‬برفض‭ ‬التسليم‭ ‬الكامل‭ ‬للسلاح،‭ ‬ما‭ ‬يضع‭ ‬السلطة‭ ‬التنفيذية‭ ‬أمام‭ ‬معادلة‭ ‬دقيقة‭ ‬بين‭ ‬فرض‭ ‬هيبة‭ ‬الدولة‭ ‬وتجنّب‭ ‬الانزلاق‭ ‬نحو‭ ‬مواجهة‭ ‬داخلية‭.‬‮ ‬

المأزق‭ ‬الراهن‭ ‬لـ»حزب‭ ‬الله‮«‬

حافظ‭ ‬حزب‭ ‬الله،‭ ‬على‭ ‬لسان‭ ‬أمينه‭ ‬العام‭ ‬الشيخ‭ ‬نعيم‭ ‬قاسم،‭ ‬على‭ ‬موقف‭ ‬متكرر‭ ‬وثابت‭ ‬برفض‭ ‬تسليم‭ ‬سلاحه،‭ ‬معتبراً‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬السلاح‭ ‬يمثل‭ ‬عامل‭ ‬ردع‭ ‬أساسي‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬إسرائيل‭ ‬وشرطاً‭ ‬لبقاء‭ ‬الحزب‭ ‬في‭ ‬معادلة‭ ‬الداخل‭ ‬والإقليم،‭ ‬ومصوّراً‭ ‬أي‭ ‬مسعى‭ ‬لنزعه‭ ‬بأنه‭ ‬تمهيد‭ ‬لتصفية‭ ‬‮»‬المقاومة‮«‬‭ ‬وليس‭ ‬مجرد‭ ‬إجراء‭ ‬سيادي‭ ‬داخلي‭. ‬وقد‭ ‬رفض‭ ‬الحزب‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مناسبة‭ ‬مبادرات‭ ‬وساطة،‭ ‬منها‭ ‬مقترح‭ ‬فرنسي‭ ‬قضى‭ ‬بوقف‭ ‬إطلاق‭ ‬نار‭ ‬مقابل‭ ‬موافقته‭ ‬على‭ ‬تسليم‭ ‬السلاح‭ ‬والسماح‭ ‬بانتشار‭ ‬الجيش‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬نفوذه‭ ‬العسكري،‭ ‬كما‭ ‬رفض‭ ‬فكرة‭ ‬التفاوض‭ ‬المباشر‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‭ ‬بالكامل‭.‬‮ ‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬تشير‭ ‬مؤشرات‭ ‬عدة‭ ‬إلى‭ ‬تململ‭ ‬متزايد‭ ‬داخل‭ ‬الطبقة‭ ‬السياسية‭ ‬الحليفة‭ ‬تقليدياً‭ ‬لحزب‭ ‬الله،‭ ‬إذ‭ ‬باتت‭ ‬مواقف‭ ‬شخصيات‭ ‬محورية‭ ‬كرئيس‭ ‬مجلس‭ ‬النواب‭ ‬نبيه‭ ‬بري‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬التسليم‭ ‬بأن‭ ‬الحزب‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬وحده‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬فرض‭ ‬وقف‭ ‬الاعتداءات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬أو‭ ‬انتزاع‭ ‬الانسحاب،‭ ‬وأن‭ ‬مفتاح‭ ‬إنهاء‭ ‬الحرب‭ ‬بات‭ ‬فعلياً‭ ‬بيد‭ ‬الدولة والدبلوماسية‭ ‬والضغط‭ ‬الأمريكي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬تصدّعاً‭ ‬تدريجياً‭ ‬في‭ ‬الخطاب‭ ‬الموحد‭ ‬الذي‭ ‬اعتاد‭ ‬الحزب‭ ‬وحلفاؤه‭ ‬تبنّيه‭. ‬ويضع‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬حزب‭ ‬الله‭ ‬أمام‭ ‬معضلة‭ ‬وجودية‭ ‬حقيقية‭: ‬فالتشبث‭ ‬بالسلاح‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تراجع‭ ‬الغطاء‭ ‬الإيراني‭ ‬وتفكك‭ ‬محور‭ ‬“الممانعة”‭ ‬الإقليمي‭ ‬بعد‭ ‬سقوط‭ ‬النظام‭ ‬السوري‭ ‬السابق،‭ ‬قد‭ ‬يعرّض‭ ‬الحزب‭ ‬لعزلة‭ ‬سياسية‭ ‬متزايدة‭ ‬وضغوط‭ ‬شعبية‭ ‬داخلية،‭ ‬بينما‭ ‬قد‭ ‬يعني‭ ‬التخلي‭ ‬التدريجي‭ ‬عن‭ ‬السلاح‭ ‬فقدانه‭ ‬لعنصر‭ ‬قوته‭ ‬الأساسي‭ ‬ووظيفته‭ ‬الإقليمية‭ ‬بوصفه‭ ‬أداة‭ ‬ردع‭ ‬مرتبطة‭ ‬بمحور‭ ‬طهران‭.‬‮ ‬

إسرائيل‭ ‬وتغيير‭ ‬قواعد‭ ‬الاشتباك‮ ‬

تغيّرت‭ ‬الأهداف‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬المعلنة‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬بشكل‭ ‬ملحوظ‭ ‬مقارنة‭ ‬بمرحلة‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬عامين،‭ ‬حين‭ ‬كان‭ ‬العمل‭ ‬العسكري‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬مقيّداً‭ ‬نسبياً‭ ‬بحسابات‭ ‬الردع‭ ‬الإيراني‭ ‬وبتحفّظ‭ ‬الإدارة‭ ‬الأمريكية‭ ‬السابقة‭ ‬عن‭ ‬مواجهة‭ ‬مباشرة‭ ‬بين‭ ‬إسرائيل‭ ‬وإيران‭. ‬أما‭ ‬اليوم،‭ ‬فتؤكد‭ ‬تل‭ ‬أبيب‭ ‬أنها‭ ‬لن‭ ‬تسمح‭ ‬لحزب‭ ‬الله‭ ‬بالاحتفاظ‭ ‬بقدرة‭ ‬تهديد‭ ‬شمال‭ ‬إسرائيل،‭ ‬وتصف‭ ‬استمرار‭ ‬وجوده‭ ‬المسلح‭ ‬بأنه‭ ‬تهديد‭ ‬مباشر‭ ‬لأمنها‭ ‬القومي‭ ‬ولاستقرار‭ ‬الدولة‭ ‬اللبنانية‭ ‬ذاتها‭. ‬وقد‭ ‬ترافق‭ ‬ذلك‭ ‬مع‭ ‬خروقات‭ ‬شبه‭ ‬يومية‭ ‬لاتفاق‭ ‬وقف‭ ‬الأعمال‭ ‬العدائية‭ ‬طالت‭ ‬الضاحية‭ ‬الجنوبية‭ ‬والجنوب‭ ‬والبقاع،‭ ‬بلغت‭ ‬ذروتها‭ ‬في‭ ‬موجات‭ ‬قصف‭ ‬واسعة‭ ‬أسفرت‭ ‬عن‭ ‬سقوط‭ ‬ضحايا‭ ‬مدنيين‭ ‬وأثارت‭ ‬دعوات‭ ‬أممية‭ ‬للتحقيق،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تربط‭ ‬فيه‭ ‬إسرائيل‭ ‬أي‭ ‬انسحاب‭ ‬كامل‭ ‬من‭ ‬النقاط‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تحتلها‭ ‬جنوب‭ ‬لبنان‭ ‬بإحراز‭ ‬تقدم‭ ‬ملموس‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬نزع‭ ‬سلاح‭ ‬حزب‭ ‬الله‭.‬‮ ‬

‭ ‬موقف‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬والخليجية

تحوّلت‭ ‬المقاربة‭ ‬العربية‭ ‬والخليجية‭ ‬تجاه‭ ‬الأزمة‭ ‬اللبنانية‭ ‬تدريجياً‭ ‬من‭ ‬موقف‭ ‬الحياد‭ ‬الحذر‭ ‬إلى‭ ‬انخراط‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحاً‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬مسار‭ ‬الدولة،‭ ‬شريطة‭ ‬إحراز‭ ‬تقدم‭ ‬فعلي‭ ‬في‭ ‬حصر‭ ‬السلاح‭. ‬فقد‭ ‬تبنّى‭ ‬المجلس‭ ‬الوزاري‭ ‬العربي‭ ‬مواقف‭ ‬داعمة‭ ‬لقرارات‭ ‬الحكومة‭ ‬اللبنانية‭ ‬القاضية‭ ‬بحظر‭ ‬الأنشطة‭ ‬الأمنية‭ ‬والعسكرية‭ ‬لحزب‭ ‬الله‭ ‬واعتبارها‭ ‬خارجة‭ ‬عن‭ ‬الشرعية،‭ ‬مع‭ ‬المطالبة‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬بإلزام‭ ‬إسرائيل‭ ‬بوقف‭ ‬اعتداءاتها‭ ‬والانسحاب‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬وراء‭ ‬الحدود‭ ‬المعترف‭ ‬بها‭ ‬دولياً‭ ‬وفق‭ ‬القرار‭ ‬الأممي‭ ‬1701‭. ‬كما‭ ‬برز‭ ‬تحرك‭ ‬سعودي‭-‬فرنسي‭ ‬مشترك‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬رسم‭ ‬ملامح‭ ‬“نهاية‭ ‬زمن‭ ‬السلاح‭ ‬غير‭ ‬الشرعي”‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬عبر‭ ‬دعم‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬وتمكين‭ ‬الجيش‭ ‬وأجهزته‭ ‬الأمنية،‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬ربط‭ ‬أي‭ ‬دعم‭ ‬مالي‭ ‬أو‭ ‬استثماري‭ ‬خليجي‭ ‬مرتقب‭ ‬بإحراز‭ ‬تقدم‭ ‬ملموس‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الملف،‭ ‬بما‭ ‬يعكس‭ ‬تحوّل‭ ‬الدعم‭ ‬العربي‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬ضغط‭ ‬سياسي‭ ‬واقتصادي‭ ‬مشروط‭ ‬أكثر‭ ‬منه‭ ‬دعماً‭ ‬غير‭ ‬مشروط‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬عقود‭ ‬سابقة‭.‬‮ ‬

الحسابات‭ ‬الأمريكية‭ ‬والفرنسية

تقود‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬عبر‭ ‬مبعوثين‭ ‬خاصين،‭ ‬مساراً‭ ‬تفاوضياً‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬مطالبة‭ ‬الدولة‭ ‬اللبنانية‭ ‬بمواجهة‭ ‬صريحة‭ ‬لملف‭ ‬من‭ ‬يمتلك‭ ‬السلاح‭ ‬ومن‭ ‬يزوّده‭ ‬به،‭ ‬مع‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الحكومة‭ ‬اللبنانية‭ ‬بوصفها‭ ‬السلطة‭ ‬الشرعية‭ ‬الوحيدة‭ ‬المخوّلة‭ ‬بالتفاوض،‭ ‬ورفض‭ ‬مبدئي‭ ‬لفكرة‭ ‬إشراك‭ ‬‮»‬حزب‭ ‬الله‮«‬‭ ‬وإيران‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬تفاوض‭ ‬مباشر‭ ‬رغم‭ ‬تصريحات‭ ‬متضاربة‭ ‬صدرت‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشأن‭ ‬أثارت‭ ‬جدلاً‭ ‬داخلياً‭ ‬واسعاً‭ ‬واعتُبرت‭ ‬من‭ ‬قوى‭ ‬سيادية‭ ‬لبنانية‭ ‬مساساً‭ ‬بهيبة الدولة‭. ‬وقد‭ ‬رافقت‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬جولات‭ ‬تفاوضية‭ ‬غير‭ ‬مباشرة‭ ‬بين‭ ‬لبنان‭ ‬وإسرائيل‭ ‬برعاية‭ ‬أمريكية‭ ‬استضافتها‭ ‬واشنطن‭ ‬وروما،‭ ‬تناولت‭ ‬آليات‭ ‬التحقق‭ ‬من‭ ‬نزع‭ ‬السلاح‭ ‬جنوب‭ ‬الليطاني‭ ‬ومستقبل‭ ‬قوات‭ ‬حفظ‭ ‬السلام‭ ‬الدولية‭ ‬بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬مهمة‭ ‬‮»‬اليونيفيل‮«‬‭.‬‮ ‬

أما‭ ‬فرنسا،‭ ‬الشريك‭ ‬التاريخي‭ ‬للبنان‭ ‬والراعية‭ ‬المشتركة‭ ‬لاتفاق‭ ‬وقف‭ ‬الأعمال‭ ‬العدائية،‭ ‬فقد‭ ‬جمعت‭ ‬بين‭ ‬إدانة‭ ‬صريحة‭ ‬لتصعيد‭ ‬‮»‬حزب‭ ‬الله‮«‬‭ ‬ودعمٍ‭ ‬متواصل‭ ‬لمسار‭ ‬الرئيس‭ ‬عون‭ ‬وحكومة‭ ‬سلام‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬بسط‭ ‬سلطة‭ ‬الدولة،‭ ‬مع‭ ‬الدفع‭ ‬باتجاه‭ ‬تفعيل‭ ‬القرار‭ ‬الأممي‭ ‬1701‭ ‬وتعزيز‭ ‬قدرات‭ ‬الجيش‭ ‬اللبناني،‭ ‬في‭ ‬تنسيق‭ ‬متزايد‭ ‬مع‭ ‬الرياض‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬تحويل‭ ‬الدعم‭ ‬السياسي‭ ‬إلى‭ ‬التزامات‭ ‬عملية‭ ‬قابلة‭ ‬للتنفيذ‭.‬‮ ‬

ختاما،‭ ‬يكشف‭ ‬تقاطع‭ ‬هذه‭ ‬المواقف‭ ‬عن‭ ‬معادلة‭ ‬إقليمية‭ ‬ودولية‭ ‬معقدة‭ ‬تُبقي‭ ‬لبنان‭ ‬أسير‭ ‬حالة‭ ‬‮«‬لا‭ ‬حرب‭ ‬ولا‭ ‬سلم‮»‬‭ ‬متجددة‭: ‬فحزب‭ ‬الله‭ ‬لا‭ ‬يمتلك‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الانخراط‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬شاملة‭ ‬قد‭ ‬تنهي‭ ‬وجوده‭ ‬العسكري،‭ ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬غير‭ ‬مستعد‭ ‬للتخلي‭ ‬الكامل‭ ‬عن‭ ‬سلاحه؛‭ ‬وإسرائيل‭ ‬تفضّل‭ ‬استنزاف‭ ‬الحزب‭ ‬بضربات‭ ‬محسوبة‭ ‬على‭ ‬حرب‭ ‬واسعة‭ ‬مكلفة؛‭ ‬والحكومة‭ ‬اللبنانية‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬كسب‭ ‬الوقت‭ ‬عبر‭ ‬مسار‭ ‬تدريجي‭ ‬لحصر‭ ‬السلاح‭ ‬تحت‭ ‬غطاء‭ ‬أمريكي‭ ‬وعربي،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تملك‭ ‬بعد‭ ‬أدوات‭ ‬إنفاذ‭ ‬كافية‭ ‬لفرضه‭ ‬بالكامل‭.‬

وفي‭ ‬ظل‭ ‬هذا‭ ‬التشابك،‭ ‬يبقى‭ ‬مستقبل‭ ‬الاستقرار‭ ‬السياسي‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬مرهوناً‭ ‬بقدرة‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬الدعم‭ ‬الخارجي‭ ‬المشروط‭ ‬إلى‭ ‬إنجاز‭ ‬فعلي‭ ‬وتدريجي‭ ‬في‭ ‬بسط‭ ‬سيادتها،‭ ‬وبمدى‭ ‬استعداد‭ ‬‮»‬حزب‭ ‬الله‮«‬‭ ‬لإعادة‭ ‬تعريف‭ ‬دوره‭ ‬ضمن‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬موازاتها،‭ ‬وبمدى‭ ‬نجاح‭ ‬الفاعلين‭ ‬الإقليميين‭ ‬والدوليين‭ ‬في‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬إدارة‭ ‬الأزمة إلى‭ ‬المساهمة‭ ‬الفعلية‭ ‬في‭ ‬حلّها‭. ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬ذلك،‭ ‬سيظل‭ ‬لبنان‭ ‬عالقاً‭ ‬بين‭ ‬حرب‭ ‬لا‭ ‬تندلع‭ ‬بكامل‭ ‬زخمها‭ ‬وسلام‭ ‬لا‭ ‬يكتمل،‭ ‬في‭ ‬دورة‭ ‬استنزاف‭ ‬تُبقي‭ ‬مؤسساته‭ ‬وسيادته‭ ‬رهينة‭ ‬لتوازنات‭ ‬لا‭ ‬يتحكم‭ ‬بها‭ ‬وحده‭.‬‮ ‬

 

{ باحث‭ ‬في‭ ‬الشؤون‭ ‬العربية

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا