يواصل الحوثيون عدوانهم بالمسيّرات والصواريخ على السعودية، ولم يستثن عدوانهم حتى مكة المكرمة، التي تعد أقدس الأماكن لدى المسلمين كافة، وتدرك السعودية أنها تدفع ثمن مواقفها المبدئية من القضية الفلسطينية، وضريبة سياساتها ودورها المحوري تجاه العرب والمسلمين، كما تدرك حجم الضغوط الهائلة التي تمثلت في عدوان إيران على الشرق، وأذرعها في العراق من الشمال، وتوابعها من الجنوب بمليشيات الحوثي، لكنها واثقة بقدراتها على الصمود، وأن احتلال المخا، على رغم فداحته الموقتة على اليمن ومضيق باب المندب، ما هو إلا معركة في حرب متعددة الجبهات، فباب المندب ممرّ دولي، وحرية الملاحة فيه حق لكل دول العالم، بموجب «قانون البحار الدولي»، ويفترض ألا يقف المجتمع الدولي متفرجاً على قرصنة مليشيات الحوثي على ممر تجاري بحري مهم.
قهوة الـ «موكا» وتكتب بالإنجليزية (Mocha) أو (Mocca) في بعض اللغات الأوروبية، وهي غالباً خليط من القهوة والشكولاتة والحليب الساخن مع رغوة، واسمها ينسب لميناء المخا اليمني، الذي كان أشهر موانئ تصدير أجود أنواع البن اليمني، خلال القرنين الـ 16 والـ 17 الميلاديين، وخصوصاً إلى أوروبا.
كان اليمن يزرع ذهباً من حبوب البن المميز، قبل أن يقوم «المقوّتون» (تجار القات) بتجريف مزارع البن واستبدالها بورقة القات المخدرة، وكانت قهوة الـ «موكا» وقتها بناً عربياً خالصاً، لكن الإضافات من الشكولاتة والحليب جاءت لاحقاً في أوروبا.
في عام 1994 كتبت مقالة في صحيفة «القبس» الكويتية، عنوانها «سقطت عدن وبدأت الحرب»، وجادلت في تلك المقالة بأن الوحدة اليمنية لا يمكن فرضها بالقوة، وأن سقوط عدن في السابع من يوليو ذلك العام، هو بداية حروب يمنية جديدة، وهو ما حصل، فقد اندلع في اليمن منذ ذلك التاريخ ما لا يقل عن 15 حرباً متفرقة، نصفها تقريباً سُمي بـ «حروب صعدة»، التي كان عددها ستة حروب، بين الحوثيين ونظام علي عبدالله صالح، الذي اجتاحت قواته عدن، فارضاً الوحدة اليمنية عنوة في عام 1994.
حشد الحوثيون بتخطيط وقيادة من الحرس الثوري الإيراني، الخميس الماضي، أكثر من 75 ألف مقاتل من مليشياتهم، بل إن تقريراً لـ«رويترز» ذكر أن العدد وصل إلى 100 ألف مليشياوي، لاحتلال المخا والساحل الغربي لليمن، وصولاً إلى باب المندب، وهو الأمر الذي تحقق على الأرض، لكن احتلال الأرض شيء، والتمسك بها شيء آخر تماماً.
يُذكر أن شعار الحوثيين هو «الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل»، لكن بيان التهديد بغلق مضيق باب المندب لم يأت على ذكر سفن أمريكا ولا إسرائيل، بل إن مصادر إخبارية رصدت مرور سفن تجارية إسرائيلية تعبر المضيق بسلام، وزاد تقرير لـ «رويترز» حول لقاء في عُمان بين الحوثيين، ووفد جاء من أمريكا التي يرفع الحوثيون شعار «الموت لها».
ان «الشرعية اليمنية» قادرة على استرجاع المخا، بل إن الطموح الأكبر الذي أصبح هدف اليمنيين المناهضين لمليشيات الحوثي هو تحرير صنعاء نفسها، فتقدُم الحوثي في المخا وباب المندب قابله تقدم لقوات «الشرعية» والقبائل، وفصائل أخرى في الجوف ومأرب، بل وحتى في محافظة البيضاء باتجاه صنعاء، وما تحرير صنعاء على الشعب اليمني بمستحيل، شرط توحيد الصفوف والانضواء تحت قيادة الشرعية، ومن يدري، فقد يشرب اليمنيون جميعاً الـ «موكا» في صنعاء قريباً، لكنها «موكا» البن اليمني الأصيل، بلا شوكولاتة الأوروبيين، ولا زعفران الإيرانيين.
{ وزير الإعلام السابق في الكويت
MANSOR - FILE: -2- FOLDER: -9- 21/9/2026

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك