العدد : ١٧٧١٥ - الأربعاء ٢٣ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٢ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧١٥ - الأربعاء ٢٣ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٢ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

ثلاث صفعات للتطرف الصهيوني والفاشية المتصاعدة

بقلم: د. مصطفى البرغوثي

الثلاثاء ٢٢ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

تلقّى‭ ‬نتنياهو‭ ‬والمنظومة‭ ‬الصهيونية‭ ‬الحاكمة‭ ‬في‭ ‬أسبوع‭ ‬واحد‭ ‬ثلاث‭ ‬صفعات‭ ‬مدوية،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تأتي‭ ‬أي‭ ‬منها‭ ‬من‭ ‬جهات‭ ‬فلسطينية‭ ‬أو‭ ‬عربية‭ ‬أو‭ ‬إسلامية‭. ‬الأولى‭ ‬قرار‭ ‬الحكومة‭ ‬البريطانية‭ ‬فرض‭ ‬مقاطعة‭ ‬شاملة‭ ‬على‭ ‬بضائع‭ ‬المستعمرات‭ ‬الاستيطانية،‭ ‬وعلى‭ ‬من‭ ‬يتعامل‭ ‬معها،‭ ‬وترافقت‭ ‬مع‭ ‬تصريحاتٍ‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬لوزير‭ ‬الخارجية‭ ‬البريطاني،‭ ‬إد‭ ‬مليباند،‭ ‬قال‭ ‬فيها‭: ‬‮»‬إنّ‭ ‬ما‭ ‬تمارسه‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزّة‭ ‬وصمة‭ ‬على‭ ‬ضمير‭ ‬العالم‭ ‬وضمير‭ ‬بريطانيا،‭ ‬وتحمل‭ ‬صفات‭ ‬جرائم‭ ‬الحرب،‭ ‬وإنّ‭ ‬ما‭ ‬يمارسه‭ ‬الإرهابيون‭ ‬المستوطنون‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية،‭ ‬تطهير‭ ‬عرقي‮«‬‭. ‬وأعلن‭ ‬مواصلة‭ ‬تعليق‭ ‬جزئي‭ ‬لـ30‭ ‬ترخيصاً‭ ‬للأسلحة‭ ‬المستخدمة‭ ‬من‭ ‬الجيش‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬ودعم‭ ‬قرار‭ ‬محكمة‭ ‬العدل‭ ‬العليا‭ ‬الذي‭ ‬أكد‭ ‬عدم‭ ‬شرعية‭ ‬الاحتلال‭ ‬والاستيطان‭ ‬الإسرائيلي‭.‬

جاءت‭ ‬الصفعة‭ ‬الثانية‭ ‬من‭ ‬منظمة‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬بتسيلم‭ ‬التي‭ ‬أصدرت‭ ‬تقريراً‭ ‬مفصلاً‭ ‬يصف‭ ‬السياسة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬بأنها‭ ‬موجّهة‭ ‬‮«‬لمحو‭ ‬وجود‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‮»‬،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تحطيم‭ ‬وتفكيك‭ ‬منهجيَّين‭ ‬لمقوّمات‭ ‬استمرار‭ ‬الحياة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬الجماعية‭ ‬بهدف‭ ‬إلغاء‭ ‬الوجود‭ ‬الفلسطيني‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭.‬

ووصف‭ ‬التقرير،‭ ‬على‭ ‬نحوٍ‭ ‬منهجي‭ ‬موثق،‭ ‬العمليات‭ ‬الإجرامية‭ ‬الجارية‭ ‬من‭ ‬عنف‭ ‬الجيش،‭ ‬وإرهاب‭ ‬المستوطنين‭ ‬والاعتقالات‭ ‬والتهجير‭ ‬وهدم‭ ‬المنازل‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭ ‬ومصادرة‭ ‬الأراضي‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬القيود‭ ‬المفروضة‭ ‬على‭ ‬الفلسطينيين‭. ‬وسبق‭ ‬ذلك‭ ‬تقرير‭ ‬للمؤسسة‭ ‬نفسها‭ ‬أثبت‭ ‬حدوث‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزّة‭.‬

اللطمة‭ ‬الثالثة‭ ‬جاءت‭ ‬أيضاً‭ ‬من‭ ‬الجانب‭ ‬الإسرائيلي؛‭ ‬إذ‭ ‬فاز‭ ‬فيلم‭ ‬‮«‬نازا‮»‬‭ ‬الوثائقي‭ ‬بجائزة‭ ‬لجنة‭ ‬التحكيم‭ ‬في‭ ‬مهرجان‭ ‬البندقية،‭ ‬وقد‭ ‬وثق‭ ‬شهادات‭ ‬24‭ ‬من‭ ‬الضباط‭ ‬والجنود‭ ‬الإسرائيليين‭ ‬اعترفوا‭ ‬بارتكاب‭ ‬جرائم‭ ‬حرب‭ ‬في‭ ‬غزّة،‭ ‬بأوامر‭ ‬من‭ ‬قادتهم،‭ ‬عبر‭ ‬عمليات‭ ‬القصف‭ ‬التي‭ ‬استهدفت‭ ‬منهجياً‭ ‬المدنيين،‭ ‬واستعانت‭ ‬بالذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬لإيقاع‭ ‬أكبر‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الإصابات‭.‬

تبقى‭ ‬الإجراءات‭ ‬البريطانية‭ ‬التي‭ ‬انضمت‭ ‬لها‭ ‬11‭ ‬دولة،‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬كندا‭ ‬وفرنسا،‭ ‬غير‭ ‬كافية،‭ ‬ولن‭ ‬يكون‭ ‬تأثيرها‭ ‬كبيراً‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬تتبعها‭ ‬عقوبات‭ ‬وإجراءات‭ ‬مقاطعة‭ ‬ضد‭ ‬إسرائيل‭ ‬وحكومتها‭ ‬نفسها،‭ ‬ولكنها‭ ‬تمثل‭ ‬نقطة‭ ‬تحوّل‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬لن‭ ‬تستطيع‭ ‬إسرائيل‭ ‬إعادته‭ ‬إلى‭ ‬الوراء‭. ‬وهي‭ ‬جاءت‭ ‬نتيجة‭ ‬التحول‭ ‬الكبير‭ ‬في‭ ‬مواقف‭ ‬الشعوب‭ ‬وحركات‭ ‬التضامن‭ ‬التي‭ ‬ستواصل‭ ‬ضغوطها‭ ‬على‭ ‬الحكومات‭ ‬لاتخاذ‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬الاجراءات‭.‬

أما‭ ‬ردة‭ ‬فعل‭ ‬رئيس‭ ‬الحكومة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬نتنياهو‭ ‬بأنه‭ ‬سيسحب‭ ‬الجنسية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬من‭ ‬مخرجَي‭ ‬‮«‬نازا‮»‬،‭ ‬ويصدر‭ ‬قانوناً‭ ‬يحرم‭ ‬‮«‬التشهير‮»‬‭ ‬بالجيش‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬فقد‭ ‬كشفت‭ ‬مدى‭ ‬تعاظم‭ ‬الفاشية‭ ‬في‭ ‬إسرائيل‭ ‬التي‭ ‬بدأت‭ ‬تكرّر‭ ‬جرائم‭ ‬الديكتاتوريات‭ ‬بقمع‭ ‬حرية‭ ‬الرأي‭ ‬والتعبير‭ ‬والتفكير،‭ ‬وتحاصر‭ ‬الإبداع‭ ‬ما‭ ‬دام‭ ‬فاضحاً‭ ‬الجرائم‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬وتلتهم‭ ‬المجتمع‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬من‭ ‬الداخل،‭ ‬وذلك‭ ‬دليل‭ ‬ضعف‭ ‬وليس‭ ‬دليل‭ ‬قوة‭.‬

لا‭ ‬حدود‭ ‬لمستوى‭ ‬البطش‭ ‬والاستباحة‭ ‬التي‭ ‬تمارسها‭ ‬إسرائيل‭ ‬ضدّ‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬الذي‭ ‬تُرك‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬حماية،‭ ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬تطبيق‭ ‬للقانون‭ ‬الدولي‭ ‬وقرارات‭ ‬المحكمة‭ ‬الدولية‭. ‬ومع‭ ‬هذا‭ ‬فشل‭ ‬المخطط‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬أهدافه‭ ‬بسبب‭ ‬بطولة‭ ‬الصمود‭ ‬الفلسطيني‭ ‬الباسل‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزّة‭ ‬والضفة‭ ‬الغربية‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬القدس،‭ ‬والداخل‭ ‬الفلسطيني‭.‬

وبدلا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يرحل‭ ‬الفلسطينيون،‭ ‬هرب‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬على‭ ‬ربع‭ ‬مليون‭ ‬إسرائيلي‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الثلاث‭ ‬الماضية‭ ‬من‭ ‬إسرائيل‭ ‬لأنهم‭ ‬لم‭ ‬يعودوا‭ ‬قادرين‭ ‬على‭ ‬التعايش‭ ‬مع‭ ‬الفاشية‭ ‬الصاعدة،‭ ‬بمن‭ ‬فيهم‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬1370‭ ‬طبيباً‭ ‬وآلاف‭ ‬المستثمرين‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬تكنولوجيا‭ ‬المعلومات‭ ‬والفنانين‭ ‬والمثقفين‭. ‬ولم‭ ‬تعد‭ ‬هناك‭ ‬حاجة‭ ‬لإثبات‭ ‬وقوع‭ ‬كبرى‭ ‬جرائم‭ ‬الحرب‭ ‬من‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬إلى‭ ‬التطهير‭ ‬العرقي‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬الحكومة‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬فالإثباتات‭ ‬تأتي‭ ‬من‭ ‬جيشها‭ ‬ومؤسّساتها‭ ‬تباعاً‭.‬

‭ ‬إن‭ ‬المطلوب‭ ‬تحويل‭ ‬الوعي‭ ‬بتلك‭ ‬الجرائم‭ ‬إلى‭ ‬إجراءات‭ ‬عقابية‭ ‬فعالة‭ ‬من‭ ‬مقاطعة‭ ‬إلى‭ ‬سحب‭ ‬للاستثمارات‭ ‬إلى‭ ‬فرض‭ ‬العقوبات‭ ‬على‭ ‬المنظومة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬الحاكمة‭ ‬نفسها‭. ‬ويقف‭ ‬التحدّي‭ ‬هنا‭ ‬أمام‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬والإسلامية،‭ ‬والتي‭ ‬ستُحدث‭ ‬تأثيراً‭ ‬هائلاً‭ ‬إن‭ ‬هي‭ ‬ألقت‭ ‬بثقلها‭ ‬ودعمت‭ ‬حملة‭ ‬فرض‭ ‬المقاطعة‭ ‬والعقوبات‭ ‬والتصدي‭ ‬لممارسات‭ ‬حكومة‭ ‬تمارس‭ ‬الإرهاب‭ ‬الاستيطاني‭ ‬والإبادة‭ ‬والتطهير‭ ‬العرقي،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تكتفي‭ ‬بالبيانات‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬إسرائيل‭ ‬ولا‭ ‬تعني‭ ‬لها‭ ‬شيئاً‭. ‬ومن‭ ‬المهم‭ ‬اتخاذ‭ ‬إجراءات‭ ‬عربية‭ ‬في‭ ‬معاقبة‭ ‬إسرائيل‭ ‬تواكب‭ ‬وتكون‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬الإجراءات‭ ‬العقابية‭ ‬الأوروبية‭ ‬ضد‭ ‬المستوطنات؟

لا‭ ‬يمكن‭ ‬التقليل‭ ‬من‭ ‬المخاطر‭ ‬الوجودية‭ ‬التي‭ ‬يتعرض‭ ‬لها‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬ومنها‭ ‬خطر‭ ‬تكرار‭ ‬نكبة‭ ‬1948‭ ‬بصورة‭ ‬أوسع‭. ‬وذلك‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬المهمة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬الأولى‭ ‬اليوم‭ ‬هي‭ ‬الصمود‭ ‬والبقاء‭ ‬في‭ ‬فلسطين،‭ ‬وإفشال‭ ‬مؤامرة‭ ‬التطهير‭ ‬العرقي‭. ‬

ولا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬تحقيق‭ ‬هذا‭ ‬يتطلب‭ ‬توحيد‭ ‬طاقات‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬أينما‭ ‬كان‭ ‬وجوده‭ ‬نحو‭ ‬ذلك‭ ‬الهدف،‭ ‬وإقامة‭ ‬قيادة‭ ‬وطنية‭ ‬موحدة‭ ‬تتجاوز‭ ‬الانقسامات‭ ‬والعقبات‭ ‬والاتفاقات‭ ‬الجائرة،‭ ‬وتتبنّى‭ ‬استراتيجية‭ ‬وطنية‭ ‬مقاومة‭ ‬للمخاطر‭ ‬الوجودية،‭ ‬وتكون‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬استنهاض‭ ‬التضامن‭ ‬العالمي‭ ‬والعربي‭ ‬والإسلامي‭ ‬بكل‭ ‬الوسائل‭.‬

لا‭ ‬يمكن‭ ‬للفاشية‭ ‬أن‭ ‬تنتصر،‭ ‬ولكنّها‭ ‬كما‭ ‬يعلمنا‭ ‬التاريخ‭ ‬لن‭ ‬تهزم‭ ‬نفسها،‭ ‬بل‭ ‬تُهزم‭ ‬بالإرادة‭ ‬والتضحيات‭ ‬والكفاح‭ ‬المنظم‭ ‬لكلّ‭ ‬الذين‭ ‬تظلمهم‭.‬

 

{ الأمين‭ ‬العام‭ ‬لحركة‭ ‬

المبادرة‭ ‬الوطنية‭ ‬الفلسطينية

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا