عندما تصبح حماية البيئة جزءًا من التجربة السياحية مع اقتراب يوم السياحة العالمي الذي يصادف السابع والعشرين من سبتمبر في كل عام، تتجدد لدينا أهمية التفكير في السياحة ليس اعتبارها نشاطًا اقتصاديًّا فحسب، وإنما باعتبارها قطاعًا يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالإنسان والبيئة والمحيط الذي نعيش فيه. فالسياحة في جوهر ما تمتلكه أي وجهة سياحية في العالم هي أمر قائم على عدة مقومات طبيعية وبشرية وثقافية وإنسانية تمنح الزائر سببًا لاختيار هذه الوجهة دون غيرها، وتجعل من تجربته ذكرى تستحق أن تتكرر. ومن هنا فإن الاحتفال بيوم السياحة العالمي يمكن أن يكون فرصة للتوقف أمام سؤال مهم: إذا أردنا أن يفكر الزائر في زيارة أي وجهة سياحية، ما الذي يريد أن يجده عندما يصل؟
لم تعد البيئة في عالم السياحة المعاصر مجرد خلفية طبيعية للمشهد السياحي أو موردًا مهما تستفيد منه الوجهات السياحية في جذب الزوار، بل أصبحت قيمة أساسية تجدد جودة التجربة السياحية واستمراريتها. فالبحر الذي يستمتع السائح بمياهه ومشاهدة أمواجه، والشاطئ الذي يبحث فيه عن الهدوء والنقاء، والمحميات الطبيعية التي يقصدها لمشاهدة الحياة الفطرية، وكذلك المساحات الخضراء التي تمنحه شعورًا بالراحة، كلها موارد بيئة تشكل جوهر التجربة السياحية، وأي تدهور يصيبها ينعكس بصورة تؤثر في جاذبية المكان وقيمته.
كذلك، فإن النظر إلى البيئة يجب ألا يقتصر على كونها موردًا سياحيا، بل باعتبارها جزءا من هوية المكان وقيمته، وبالنظر الى مملكة البحرين، فإن المملكة تمتلك مقومات طبيعية منفردة ارتبطت بتاريخها وحياة مجتمعها، ولا تزال بعض هذه الموارد تحافظ على وجودها على الرغْم ما تواجهه هذه البيئات من ضغوط متزايدة تؤثر في قدرتها واستدامتها، ولا سيما الموارد الطبيعة ذات الطبيعة الهشة التي هي بحاجة إلى عناية مستمرة بثورة متوازنة توضح آليات المحافظة عليها في ظل الاستفادة منها كمورد طبيعي مهم.
وعليه فإن استدامة هذه الموارد لا تعني منع الإنسان من الوصول إليها والاستمتاع بها، وإنما تعني إدارة استخدامها بطريقة سليمة ومسؤولة تضمن بقاءها، حيُث إن كل موطن طبيعي وكل ساحل نظيف، وكل كائن سواء كان بريًّا أو بحريًّا ويتم حمايته، يمثل جزءًا من الصورة التي يمكن أن تقدمها الوجهة السياحية لأي زائر. ولذلك فإن الاهتمام بالبيئة الطبيعية والمحافظة على مواردها يجب أن يكون حاضراً في التخطيط الاستراتيجي لاقتصاديات أي دولة، وخاصة عند التخطي السياحي لأي مشروع، وكان يجب أن يترجم ذلك في سلوك الزوار والممارسات اليومية داخل هذه الوجهة السياحية، حنى تبقى الطبيعة قادرة على منح الأجيال القادمة التجربة ذاتها التي نحن نعيشها اليوم.
وفي يوم السياحة العالمي، ربما يكون من الأفضل أن نغّير السؤال من: كيف نجذب المزيد من السيّاح إلى سؤال أعمق: كيف نحافظ على البيئة التي يريد أن يأتي السائح من أجلها؟ فالإجابة عن السؤالين يجب أن تكون مترابطة؛ لأن نمو السياحة وحماية البيئة لا يمكن لهما السير في مسارين منفصلين عن بعضهما البعض، إنما في مسار واحد قائم على الاستدامة. وعلى ذلك فإن مستقبل السياحة في البحرين لا يرتبط فقط ببناء المنشآت والمرافق، إنما بما يمكننا المحافظة عليه واستعادته وتطويره بصورة مستدامة، خاصة فيما تبقى من مواردنا الطبيعية التي تستحق الحماية من كل أفراد المجتمع، وهي مسؤولية يشترك فيها السائح، والسكان المحليون والمنشآت السياحية التي لها دور في التقليل من الآثار البيئية للسياحة، والمؤسسات التعليمية التي تسهم في بناء الوعي والسلوك، والقطاع الخاص الذي يدعم المبادرات والمشروعات الخضراء.
وهنا أتذكر رحلة إلى محافظة ظفار في سلطنة عمان، وتحديدًا إلى صلالة، وقد كان الاختيار قائمًا على هدف واضح: الطبيعة. لم يكن البحث عن فندق أو مطعم أو مركز تجاري هو الدافع الرئيس للرحلة، وإنما الرغبة في الحصول على تجربة سياحية قائمة على الطبيعة ومواردها، وهذا ما يؤكد أن السائح لا يبحث فقط عن الخدمات السياحية، إنما يبحث عن المكان وما يميزه من مقومات، وعن التجربة التي يمكن أن يعيشها. وهنا لا بد لنا إذا أردنا تنمية سياحية مستدامة فعلينا أن نحافظ على مقوماتنا الطبيعية من البحر والشواطئ والمناطق الطبيعية والتنوع البيئي، إلى جانب المواقع التراثية الثقافية والأثرية. ولذلك، فإن الحديث عن تنشيط السياحة لا ينبغي أن ينفصل بأي طريقة عن حماية البيئة ومقوماتها الطبيعية التي تجعل من الزائر يفضلها كوجهة سياحية دون غيرها. ومن هنا فإن الحفاظ على البيئة لا يعد قيدًا وعائقًا أمام النشاط السياحي، بل يجب أن يتم اعتباره استثمارًا في مستقبل السياحة وحماية الموارد التي تتشكل منها التجارب السياحية من الأساس.
تكمن المعادلة الحقيقية للاستدامة: في أنه لا يوجد اقتصاد سياحي مستدام من دون بيئة سليمة، ولا حماية بيئية مستدامة من دون قيمة اقتصادية واجتماعية تعزز استمرارها، والمطلوب ليس المفاضلة بين البيئة والتنمية، إنما بناء نموذج يجعل البيئة أساسًا للتنمية، وجعل السياحة وسيلة للاستثمار المسؤول في الموارد، وبذلك يصبح العائد الاقتصادي حافزًا لمواصلة هذه الموارد، وإذا كنا جادين في استقطاب المزيد من السيّاح، فإنه يجب علينا أن نبذل قصارى جهدنا للحفاظ على المقومات التي تجذبهم، فالموارد الطبيعية ليست مجرد عناصر بيئة طبيعية، وإنما تمثل جزءًا من رأس المال السياحي لأي وجهة سياحية، وكلما حافظنا على سلامة شواطئنا وبيئاتنا البحرية ومناطقنا الطبيعية وتراثنا العريق فإننا نحافظ على هويتنا ومقدراتنا الوطنية.
وفي الختام تبرز لدينا أهمية الانتقال من مفهوم السياحة التي تستخدم البيئة إلى سياحة تشارك في حمايتها؛ بحيث تصبح الممارسات البيئية جزءًا من الرحلة نفسها، بدأ من اختيار وسائل المواصلات الأقل تأثيرًا، وترشيد استهلاك المياه والطاقة، والحد من النفايات، واحترام الحياة الفطرية، إلى جانب التعهد بالالتزام بالمحافظة على المواقع الطبيعية والثقافية، ومن هنا فإن أجمل ما نقدمه للسياحة ليس شعارًا جديدًا، إنما هو التزام جديد: أن نحمي المكان الذي نريد رؤية السياح له بشكل سليم، حيث إن التجربة السياحية عندما تصبح البيئة جزءًا منها، فإننا لا نحمي البيئة من أجل السياحة فقط، بل نحمي هوية المكان وجودة الحياة، ومستقبل السياحة معا، فالبيئة ليست عنصرًا ثانويًا في التنمية السياحية، بل هي الأساس الذي تقوم عليه الاستدامة بأبعادها المختلفة، وفي مقدمتها الاستدامة الاقتصادية التي لا يمكنه الاستمرار في تحقيق النمو في حال استنزفت الموارد الذي يعتمد عليها، وأما الاستدامة البيئية فالسياحة ترتبط ارتباطًا مباشرًا بجودة البيئة وحمايتها فالبحر وشواطئه، والمناطق الطبيعية والتنوع الإحيائي جميعها أصوًلا تسهم في بناء اقتصاد سياحي متنوع؛ ولهذا فإن حماية البيئة يجب أن تكون نقطة الانطلاق عند التفكير في التنمية الاقتصادية، وضرورة الأخذ بعين الاعتبار عند تصميم الأنشطة الاقتصادية بما يتناسب مع كل الإمكانات التي تمتلكها مملكة البحرين.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك