العدد : ١٧٧١٤ - الثلاثاء ٢٢ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١١ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧١٤ - الثلاثاء ٢٢ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١١ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

هل تستطيع أوروبا حقا مساءلة إسرائيل عن سياساتها الاستيطانية؟

بقلم: د. رمزي بارود

الاثنين ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

تبدو‭ ‬أوروبا‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬جادةً‭ ‬بشأن‭ ‬مساءلة‭ ‬إسرائيل‭ ‬يشأن‭ ‬انتهاكاتها‭ ‬الصارخة‭ ‬وسياساتها‭ ‬الاستيطانية‭ ‬–‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬تريدنا‭ ‬إحدى‭ ‬عشرة‭ ‬دولة‭ ‬أوروبية‭ -‬بالاشتراك‭ ‬مع‭ ‬كندا‭- ‬أن‭ ‬نصدقه‭.‬

ففي‭ ‬يوم‭ ‬8‭ ‬سبتمبر2026،‭ ‬أعلنت‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬كندا‭ ‬والدنمارك‭ ‬وفنلندا‭ ‬وفرنسا‭ ‬وأيسلندا‭ ‬وإيرلندا‭ ‬والنرويج‭ ‬وبولندا‭ ‬والبرتغال‭ ‬وإسبانيا‭ ‬والسويد‭ ‬والمملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬نيتها‭ ‬فرض‭ ‬قيود‭ ‬وطنية،‭ ‬أو‭ ‬دعم‭ ‬قيود‭ ‬أوروبية،‭ ‬أو‭ ‬النظر‭ ‬بجدية‭ ‬في‭ ‬اتخاذ‭ ‬تدابير‭ ‬تتعلق‭ ‬بتجارة‭ ‬السلع‭ ‬مع‭ ‬المستوطنات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬غير‭ ‬القانونية‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬المحتلة‭.‬

ومما‭ ‬لا‭ ‬شك‭ ‬فيه‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الإعلان‭ ‬يمثل‭ ‬سابقة‭ ‬سياسية‭ ‬وقانونية‭ ‬مهمة؛‭ ‬إذ‭ ‬سيكون‭ ‬من‭ ‬التسرع‭ ‬والخطأ‭ ‬استبعاده‭ ‬أو‭ ‬التقليل‭ ‬من‭ ‬شأنه،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬مشاركة‭ ‬حكومات‭ ‬–‭ ‬مثل‭ ‬حكومتي‭ ‬كندا‭ ‬والمملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬–‭ ‬دأبت‭ ‬تاريخياً‭ ‬على‭ ‬تقديم‭ ‬دعم‭ ‬سياسي‭ ‬ودبلوماسي‭ ‬واسع‭ ‬النطاق‭ ‬لإسرائيل‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬الاحتفاء‭ ‬بهذا‭ ‬الإعلان‭ ‬باعتباره‭ ‬حدثا‭ ‬مدويا‭ ‬وفارقا‭ ‬–‭ ‬دون‭ ‬تمحيص‭ ‬سياقه‭ ‬وتوقيته‭ ‬وفعاليته‭ ‬المحتملة‭ ‬–‭ ‬يُعد‭ ‬تصرفاً‭ ‬متسرعاً‭ ‬بالقدر‭ ‬ذاته‭. ‬

والأسوأ‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬أنه‭ ‬قد‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬إضعاف‭ ‬الضغط‭ ‬الشعبي‭ ‬الذي‭ ‬أجبر‭ ‬الحكومات‭ ‬الغربية‭ ‬أخيراً‭ ‬على‭ ‬اتخاذ‭ ‬هذه‭ ‬الخطوات‭ ‬المحدودة‭.‬

وبغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬الدلالة‭ ‬السياسية‭ ‬للمبادرة،‭ ‬ثمة‭ ‬اعتبارات‭ ‬وتحفظات‭ ‬مهمة‭ ‬يجب‭ ‬أخذها‭ ‬في‭ ‬الحسبان‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬التحرك‭ ‬الأوروبي‭.‬

أولاً،‭ ‬أعلنت‭ ‬معظم‭ ‬الحكومات‭ ‬الاثنتي‭ ‬عشرة‭ ‬عن‭ ‬‮«‬نوايا‮»‬‭ ‬فحسب،‭ ‬وليس‭ ‬عن‭ ‬قيود‭ ‬ملزمة‭ ‬أو‭ ‬قابلة‭ ‬للتنفيذ‭ ‬الفوري‭.‬

وعليه،‭ ‬يظل‭ ‬هذا‭ ‬القرار‭ ‬عرضة‭ ‬للتأثر‭ ‬بالمفاوضات‭ ‬السياسية،‭ ‬والتأخيرات‭ ‬التشريعية،‭ ‬وضغوط‭ ‬الجماعات‭ ‬المؤيدة‭ ‬لإسرائيل،‭ ‬وتغير‭ ‬الحسابات‭ ‬الانتخابية‭. ‬

وفي‭ ‬غياب‭ ‬جداول‭ ‬زمنية‭ ‬صارمة‭ ‬وآليات‭ ‬قابلة‭ ‬للتنفيذ،‭ ‬قد‭ ‬تفقد‭ ‬النوايا‭ ‬المعلنة‭ ‬اليوم‭ ‬قيمتها‭ ‬أو‭ ‬جدواها‭ ‬بحلول‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬يحين‭ ‬فيه‭ ‬موعد‭ ‬تطبيقها‭.‬

ثانياً،‭ ‬لم‭ ‬تقم‭ ‬فرنسا‭ ‬وكندا‭ ‬بعدُ‭ ‬بنشر‭ ‬جداول‭ ‬زمنية‭ ‬مفصلة‭ ‬للتنفيذ‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬أعلنت‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬حزمة‭ ‬واسعة‭ ‬النطاق‭ ‬نسبياً،‭ ‬تشمل‭ ‬السلع‭ ‬والخدمات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالمستوطنات‭ ‬في‭ ‬قطاعات‭ ‬التمويل‭ ‬والبناء‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭ ‬والعقارات‭ ‬والإعلانات؛‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬دخول‭ ‬قيودها‭ ‬حيز‭ ‬التنفيذ‭ ‬قد‭ ‬يستغرق‭ ‬فترة‭ ‬تتراوح‭ ‬بين‭ ‬ستة‭ ‬وتسعة‭ ‬أشهر‭.‬

وحتى‭ ‬لو‭ ‬أدت‭ ‬هذه‭ ‬التدابير‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬إلى‭ ‬ممارسة‭ ‬ضغوط‭ ‬مؤثرة،‭ ‬فإن‭ ‬إسرائيل‭ ‬تكون‭ ‬قد‭ ‬حصلت‭ ‬على‭ ‬وقت‭ ‬إضافي‭ ‬للمضي‭ ‬قدماً‭ ‬في‭ ‬خطط‭ ‬الضم‭ ‬وفرض‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الوقائع‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬رجعة‭ ‬فيها‭ ‬على‭ ‬الأرض‭.‬

ثالثاً،‭ ‬يركز‭ ‬الالتزام‭ ‬المشترك‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭ ‬على‭ ‬السلع،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬يعتمد‭ ‬مشروع‭ ‬الاستيطان‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬على‭ ‬شبكة‭ ‬أوسع‭ ‬بكثير‭ ‬تشمل‭ ‬التمويل‭ ‬والاستثمار‭ ‬والبناء‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬والخدمات‭. ‬

ومما‭ ‬لا‭ ‬شك‭ ‬فيه‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الروابط‭ ‬التي‭ ‬تتم‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬هياكل‭ ‬مؤسسية‭ ‬معقدة‭ ‬تخفي‭ ‬حقيقة‭ ‬ارتباط‭ ‬شركة‭ ‬ما‭ -‬أو‭ ‬معاملة‭ ‬تجارية‭ ‬معينة‭- ‬ارتباطاً‭ ‬مباشراً‭ ‬بالمستوطنات‭.‬

رابعاً،‭ ‬تُعنى‭ ‬المبادرة‭ ‬في‭ ‬المقام‭ ‬الأول‭ ‬بمسألة‭ ‬المستوطنات،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬مشروع‭ ‬‮«‬E1‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬المنطقة‭ ‬‮«‬E1‮»‬‭ ‬منطقة‭ ‬ذات‭ ‬موقع‭ ‬استراتيجي‭ ‬تقع‭ ‬بين‭ ‬القدس‭ ‬الشرقية‭ ‬المحتلة‭ ‬وتكتل‭ ‬مستوطنات‭ ‬‮«‬معاليه‭ ‬أدوميم‮»‬‭.‬

‭ ‬ومن‭ ‬شأن‭ ‬أي‭ ‬عمليات‭ ‬بناء‭ ‬إسرائيلية‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬أن‭ ‬تزيد‭ ‬من‭ ‬تقسيم‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬المحتلة،‭ ‬وتقطع‭ ‬التواصل‭ ‬الجغرافي‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬وتعزل‭ ‬القدس‭ ‬الشرقية‭ ‬المحتلة‭ ‬عن‭ ‬التجمعات‭ ‬الفلسطينية‭ ‬المحيطة‭ ‬بها‭.‬

وتخشى‭ ‬أوروبا‭ ‬أن‭ ‬يؤدي‭ ‬استكمال‭ ‬مشروع‭ ‬‮«‬E1‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬مقومات‭ ‬جغرافية‭ ‬لقيام‭ ‬دولة‭ ‬فلسطينية‭ ‬في‭ ‬المستقبل،‭ ‬وهو‭ ‬قلقٌ‭ ‬مبررٌ‭ ‬طالما‭ ‬ظل‭ ‬حل‭ ‬الدولتين‭ ‬يمثل‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬المعلنة‭ ‬للسياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬الأوروبية‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬البيان‭ ‬المشترك‭ ‬لا‭ ‬يتطرق‭ ‬إلى‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬في‭ ‬غزة،‭ ‬ولا‭ ‬يتصدى‭ ‬للنظام‭ ‬الأوسع‭ ‬للاحتلال‭ ‬العسكري‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬الذي‭ ‬يتيح‭ ‬التوسع‭ ‬الاستيطاني‭ ‬والتهجير‭ ‬القسري‭ ‬ومصادرة‭ ‬الأراضي؛‭ ‬فهو‭ ‬يتناول‭ ‬مظهراً‭ ‬واحداً‭ ‬مثيراً‭ ‬للقلق‭ ‬بشكل‭ ‬خاص‭ ‬من‭ ‬مظاهر‭ ‬الاحتلال،‭ ‬بينما‭ ‬يغفل‭ ‬الهيكل‭ ‬الأكبر‭ ‬للاحتلال‭ ‬دون‭ ‬معالجة‭ ‬تذكر‭.‬

خامساً،‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬هناك‭ ‬غياب‭ ‬لأي‭ ‬تعليق‭ ‬منسق‭ ‬لاتفاقية‭ ‬الشراكة‭ ‬بين‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬وإسرائيل،‭ ‬وكذلك‭ ‬غياب‭ ‬لحظر‭ ‬أوروبي‭ ‬جماعي‭ ‬على‭ ‬تصدير‭ ‬الأسلحة‭ ‬إلى‭ ‬إسرائيل‭.‬

وتكتسب‭ ‬هذه‭ ‬المسألة‭ ‬أهمية‭ ‬بالغة‭ ‬عند‭ ‬النظر‭ ‬إليها‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬العلاقات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الأوسع،‭ ‬إذ‭ ‬تُظهر‭ ‬بيانات‭ ‬المفوضية‭ ‬الأوروبية‭ ‬أن‭ ‬إجمالي‭ ‬حجم‭ ‬التبادل‭ ‬التجاري‭ ‬السلعي‭ ‬بين‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬وإسرائيل‭ ‬قد‭ ‬ارتفع‭ ‬خلال‭ ‬عامي‭ ‬2024‭ ‬و2025،‭ ‬وهما‭ ‬أول‭ ‬عامين‭ ‬تقويميين‭ ‬كاملين‭ ‬تليا‭ ‬بدء‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭.‬

وعليه،‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬خسائر‭ ‬قد‭ ‬تتكبدها‭ ‬المستوطنات‭ ‬–‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تشكل‭ ‬سوى‭ ‬جزء‭ ‬ضئيل‭ ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬تجارة‭ ‬إسرائيل‭ ‬–‭ ‬يمكن‭ ‬استيعابها‭ ‬وتجاوزها‭ ‬بفضل‭ ‬العلاقات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الأضخم‭ ‬بكثير‭ ‬التي‭ ‬تربط‭ ‬إسرائيل‭ ‬بأوروبا‭.‬

ويبرز‭ ‬التناقض‭ ‬العسكري‭ ‬بشكل‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحاً؛‭ ‬فوفقاً‭ ‬لمعهد‭ ‬ستوكهولم‭ ‬الدولي‭ ‬لأبحاث‭ ‬السلام‭ (‬SIPRI‭)‬،‭ ‬وفّرت‭ ‬ألمانيا‭ ‬31‭ ‬في‭ ‬المائة‭ ‬من‭ ‬واردات‭ ‬الأسلحة‭ ‬الرئيسية‭ ‬لإسرائيل‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬2021‭ ‬و2025،‭ ‬مما‭ ‬جعلها‭ ‬ثاني‭ ‬أكبر‭ ‬مورد‭ ‬للأسلحة‭ ‬لإسرائيل‭ ‬بعد‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭. ‬

وقد‭ ‬واصلت‭ ‬إسرائيل‭ ‬تلقي‭ ‬أسلحة‭ ‬رئيسية‭ ‬طوال‭ ‬تلك‭ ‬الفترة،‭ ‬رغم‭ ‬استمرار‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬وتصاعد‭ ‬العنف‭ ‬ضد‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭.‬

كما‭ ‬تُعد‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬مشترياً‭ ‬رئيسياً‭ ‬للتكنولوجيا‭ ‬العسكرية‭ ‬الإسرائيلية؛‭ ‬إذ‭ ‬استقبلت‭ ‬أوروبا‭ ‬41‭ ‬في‭ ‬المائة‭ ‬من‭ ‬صادرات‭ ‬الأسلحة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬نفسها،‭ ‬مما‭ ‬ساهم‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬صناعة‭ ‬متجذرة‭ ‬بعمق‭ ‬في‭ ‬المؤسسة‭ ‬العسكرية‭ ‬الإسرائيلية‭.‬

وعليه،‭ ‬تحاول‭ ‬أوروبا‭ ‬تقييد‭ ‬المستوطنات‭ ‬مع‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬علاقات‭ ‬اقتصادية‭ ‬وعسكرية‭ ‬مع‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬تموّل‭ ‬هذه‭ ‬المستوطنات‭ ‬وتحميها‭ ‬وتعمل‭ ‬على‭ ‬توسيعها‭.‬

وثمة‭ ‬حجة‭ ‬مضادة‭ ‬–تتمتع‭ ‬ببعض‭ ‬الوجاهة–‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬التدابير‭ ‬المعلنة‭ ‬تمثل‭ ‬خطوة‭ ‬أولى‭ ‬قد‭ ‬تليها‭ ‬إجراءات‭ ‬محاسبة‭ ‬أوسع‭ ‬نطاقاً،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الحجة‭ ‬لا‭ ‬تكتسب‭ ‬ثقلها‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬أدركنا‭ ‬الدوافع‭ ‬التي‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬تحرك‭ ‬تلك‭ ‬الحكومات‭ ‬في‭ ‬المقام‭ ‬الأول‭.‬

وإذا‭ ‬كان‭ ‬الهدف‭ ‬الأساسي‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬القيود‭ ‬هو‭ ‬إضعاف‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو‭ ‬قبيل‭ ‬الانتخابات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬المقررة‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬أكتوبر‭ ‬2026،‭ ‬فقد‭ ‬تظل‭ ‬مجرد‭ ‬أدوات‭ ‬سياسية‭ ‬مؤقتة‭ ‬يتوقف‭ ‬مصيرها‭ ‬على‭ ‬نتائج‭ ‬تلك‭ ‬الانتخابات‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬ثمة‭ ‬بصيص‭ ‬أمل‭ ‬يلوح‭ ‬في‭ ‬الأفق‭ ‬بفضل‭ ‬تزايد‭ ‬التضامن‭ ‬الشعبي‭ ‬مع‭ ‬فلسطين‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬أنحاء‭ ‬أوروبا‭. ‬فقد‭ ‬أظهر‭ ‬استطلاع‭ ‬للرأي‭ ‬–نشره‭ ‬المجلس‭ ‬الأوروبي‭ ‬للعلاقات‭ ‬الخارجية–‭ ‬أن‭ ‬46‭% ‬من‭ ‬المشاركين‭ ‬البريطانيين‭ ‬يؤيدون‭ ‬حظر‭ ‬التجارة‭ ‬مع‭ ‬المستوطنات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬غير‭ ‬القانونية،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬عارض‭ ‬ذلك‭ ‬18‭% ‬فقط‭. ‬

ومما‭ ‬لا‭ ‬شك‭ ‬فيه‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬يمثل‭ ‬تطورا‭ ‬يستحق‭ ‬الاحتفاء؛‭ ‬ليس‭ ‬باعتباره‭ ‬دليلاً‭ ‬على‭ ‬شجاعة‭ ‬الحكومات‭ ‬الأوروبية،‭ ‬بل‭ ‬كبرهان‭ ‬على‭ ‬قوة‭ ‬الحراك‭ ‬الشعبي‭ ‬المتواصل‭.‬

لم‭ ‬تتخذ‭ ‬الحكومات‭ ‬الغربية‭ ‬هذه‭ ‬التدابير‭ ‬بمبادرة‭ ‬ذاتية،‭ ‬بل‭ ‬جاءت‭ ‬استجابةً‭ ‬لضغوط‭ ‬شملت‭ ‬الاحتجاجات،‭ ‬وحملات‭ ‬المقاطعة،‭ ‬وتحركات‭ ‬النقابات‭ ‬العمالية‭ ‬ومنظمات‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني،‭ ‬والطعون‭ ‬القانونية،‭ ‬ومواقف‭ ‬الناخبين‭ ‬الذين‭ ‬رفضوا‭ ‬السماح‭ ‬بتلاشي‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬من‭ ‬المشهد‭ ‬السياسي‭.‬

تواصل‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الحكومات‭ ‬الأوروبية‭ ‬تزويد‭ ‬إسرائيل‭ ‬بالأسلحة،‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬العلاقات‭ ‬التجارية‭ ‬معها،‭ ‬وتوفير‭ ‬الاستقرار‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الذي‭ ‬تحتاجه‭ ‬لمواصلة‭ ‬حروبها‭ ‬ضد‭ ‬فلسطين‭ ‬ودول‭ ‬عربية‭ ‬أخرى؛‭ ‬ولا‭ ‬تُمحى‭ ‬هذه‭ ‬الشراكة‭ ‬في‭ ‬المسؤولية‭ ‬بمجرد‭ ‬اتخاذ‭ ‬تدابير‭ ‬محدودة‭ ‬تتعلق‭ ‬بالمستوطنات‭.‬

وإذا‭ ‬كان‭ ‬ثمة‭ ‬ما‭ ‬يستحق‭ ‬الإشادة‭ ‬والتهنئة،‭ ‬فهو‭ ‬موقف‭ ‬المجتمعات‭ ‬الأوروبية‭ ‬والأمريكية‭ ‬الشمالية‭ ‬التي‭ ‬تواصل‭ ‬رفع‭ ‬التكلفة‭ ‬السياسية‭ ‬لدعم‭ ‬إسرائيل،‭ ‬وتُصرّ‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭ ‬المساءلة‭ ‬واحترام‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭.‬

ينبغي‭ ‬الترحيب‭ ‬بهذه‭ ‬التدابير‭ ‬الأخيرة،‭ ‬ولكن‭ ‬باعتبارها‭ ‬دليلاً‭ ‬على‭ ‬فاعلية‭ ‬الضغط‭ ‬الشعبي،‭ ‬وسبباً‭ ‬لتكثيفه‭.‬

{‭ ‬أكاديمي‭ ‬وكاتب‭ ‬فلسطيني‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا