العدد : ١٧٧١٣ - الاثنين ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٠ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧١٣ - الاثنين ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٠ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

العرب وتحديات أمن الملاحة في البحر الأحمر

بقلم: عبد الله السناوي

الأحد ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬تطور‭ ‬جوهري‭ ‬ومنذر‭ ‬بعواقب‭ ‬وتداعيات‭ ‬على‭ ‬استراتيجية‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬وحركة‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية‭ ‬عبر‭ ‬قناة‭ ‬السويس،‭ ‬أحكم‭ ‬الحوثيون‭ ‬قبضتهم‭ ‬على‭ ‬مضيق‭ ‬باب‭ ‬المندب‭.‬

كان‭ ‬ذلك‭ ‬داعيًا‭ ‬إلى‭ ‬تساؤلات‭ ‬ومخاوف‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬انتقال‭ ‬كتل‭ ‬النيران‭ ‬من‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬إلى‭ ‬مضيق‭ ‬باب‭ ‬المندب‭ ‬على‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭. ‬إنها‭ ‬تداعيات‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬وإنذار‭ ‬مدوٍ‭ ‬باختناق‭ ‬أكبر‭ ‬وأخطر‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬ناقلات‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬من‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭.‬

لم‭ ‬تكن‭ ‬ورقة‭ ‬‮«‬باب‭ ‬المندب‮»‬‭ ‬مستبعدة‭ ‬في‭ ‬سيناريوهات‭ ‬المواجهة،‭ ‬التي‭ ‬طُرحت‭ ‬إثر‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬على‭ ‬إيران،‭ ‬لكن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يتوقع‭ ‬أحد‭ ‬سقوط‭ ‬مدن‭ ‬ومواقع‭ ‬الساحل‭ ‬الغربي‭ ‬لليمن،‭ ‬التي‭ ‬تتحكم‭ ‬في‭ ‬باب‭ ‬المندب‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النحو،‭ ‬السريع‭ ‬والحاسم،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬مقاومة‭ ‬تُذكر‭ ‬أمام‭ ‬تقدم‭ ‬الحوثيين‭.‬

رغم‭ ‬نفي‭ ‬الحوثيين‭ ‬نيتهم‭ ‬إغلاق‭ ‬باب‭ ‬المندب‭ ‬أمام‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية،‭ ‬باستثناء‭ ‬الناقلات‭ ‬السعودية‭ ‬على‭ ‬خلفية‭ ‬التصعيد‭ ‬المتبادل‭ ‬معها،‭ ‬فإن‭ ‬خطابات‭ ‬الطمأنة‭ ‬لا‭ ‬تمنع‭ ‬من‭ ‬الإقرار‭ ‬بسيطرة‭ ‬حلفاء‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬اليمن‭ ‬على‭ ‬المضيق‭ ‬البالغ‭ ‬الأهمية‭ ‬الاستراتيجية‭.‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬من‭ ‬أهداف‭ ‬العمليات‭ ‬العسكرية‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬فتح‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬مفتوحًا‭ ‬بالفعل،‭ ‬لكنه‭ ‬تحوّل‭ ‬بالوقت‭ ‬إلى‭ ‬أهم‭ ‬ورقة‭ ‬إيرانية‭ ‬تضغط‭ ‬على‭ ‬أعصاب‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬وتضع‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬‮«‬دونالد‭ ‬ترامب‮»‬‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬حرج،‭ ‬لا‭ ‬هو‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬حسم‭ ‬الحرب‭ ‬بالقوة‭ ‬المسلحة،‭ ‬ولا‭ ‬هو‭ ‬مستعد‭ ‬أن‭ ‬يعترف‭ ‬بأنه‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬هز‭ ‬صورة‭ ‬بلاده‭ ‬أمام‭ ‬مواطنيها‭ ‬قبل‭ ‬غيرهم‭.‬

الآن‭ ‬أضيفت‭ ‬ورقة‭ ‬ضغط‭ ‬أخرى‭ ‬عند‭ ‬مضيق‭ ‬باب‭ ‬المندب‭. ‬بالتزامن،‭ ‬جرى‭ ‬استهداف‭ ‬خط‭ ‬الأنابيب‭ ‬شرق‭ ‬غرب‭ ‬الذي‭ ‬يستخدم‭ ‬في‭ ‬تصدير‭ ‬النفط‭ ‬عبر‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭. ‬لقد‭ ‬استخدمت‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬العملية‭ ‬النوعية‭ ‬مسيرات‭ ‬انطلقت‭ ‬من‭ ‬العراق،‭ ‬الذي‭ ‬وجد‭ ‬نفسه‭ ‬محشورًا‭ ‬بين‭ ‬حكومة‭ ‬تحاول‭ ‬ضبط‭ ‬أمنها‭ ‬وألا‭ ‬تتورط‭ ‬في‭ ‬مواجهات‭ ‬النار،‭ ‬وفصائل‭ ‬مسلحة‭ ‬تبرر‭ ‬وجودها‭ ‬بمعاداة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والتحالف‭ ‬مع‭ ‬إيران‭. ‬وقد‭ ‬رجح‭ ‬‮«‬ترامب‮»‬‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬إيران‭ ‬وراء‭ ‬ذلك‭ ‬الاستهداف،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يجزم‭. ‬لقد‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬تعبيرًا‭ ‬عن‭ ‬خشية‭ ‬أي‭ ‬تورط‭ ‬إضافي‭ ‬في‭ ‬مستنقع‭ ‬الحرب‭ ‬معها‭.‬

نحن‭ ‬أمام‭ ‬استراتيجية‭ ‬إيرانية‭ ‬متكاملة‭ ‬تسعى‭ ‬لإحكام‭ ‬الحصار‭ ‬على‭ ‬نقل‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬من‭ ‬المنطقة‭ ‬ضغطًا‭ ‬على‭ ‬القرار‭ ‬الغربي‭ ‬ومحاولة‭ ‬التفاهم‭ ‬مع‭ ‬سلطنة‭ ‬عمان‭ ‬وهما‭ ‬البلدان‭ ‬المطلان‭ ‬على‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يعني‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬المضيق‭ ‬سوف‭ ‬يكون‭ ‬آمنًا‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬توقف‭ ‬الإدارة‭ ‬الأمريكية‭ ‬حربها‭ ‬على‭ ‬إيران‭.‬

بتعبير‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬الإيراني‭ ‬‮«‬عباس‭ ‬عراقجي‮»‬،‭ ‬فإن‭ ‬بلاده‭ ‬تتناقش‭ ‬في‭ ‬انعدام‭ ‬الأمن‭ ‬بالمنطقة‭ ‬وتبعاته‭ ‬على‭ ‬مستقبل‭ ‬دولها‭. ‬وباستغلاق‭ ‬أي‭ ‬أفق‭ ‬سياسي‭ ‬لإنهاء‭ ‬الحرب‭ ‬وسيطرة‭ ‬الحوثيين‭ ‬على‭ ‬باب‭ ‬المندب،‭ ‬يجد‭ ‬‮«‬ترامب‮»‬‭ ‬نفسه‭ ‬عالقًا‭ ‬في‭ ‬تعقيدات‭ ‬لا‭ ‬نهاية‭ ‬لها‭. ‬فلا‭ ‬بوسعه‭ ‬أن‭ ‬يحسمها‭ ‬عسكريًا،‭ ‬ولا‭ ‬هو‭ ‬مستعد‭ ‬أن‭ ‬يستأنف‭ ‬المفاوضات‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تفاهمات‭ ‬جديدة‭. ‬لقد‭ ‬قال‭ ‬إنه‭ ‬يفكر‭ ‬في‭ ‬إنهاء‭ ‬الحرب‭ ‬إثر‭ ‬انتخابات‭ ‬مجلسي‭ ‬الكونجرس‭ ‬مطلع‭ ‬نوفمبر‭ ‬المقبل‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يكشف‭: ‬كيف؟‭.. ‬ووفق‭ ‬أي‭ ‬أسس‭ ‬ومعايير؟‭!‬

هنا،‭ ‬لعله‭ ‬أراد‭ ‬أن‭ ‬يطمئن‭ ‬القاعدة‭ ‬الانتخابية‭ ‬القلقة‭ ‬قبيل‭ ‬الانتخابات‭ ‬من‭ ‬أنه‭ ‬يعرف‭ ‬ما‭ ‬يريد‭ ‬وكيف‭ ‬يحققه‭ ‬بالوقت‭ ‬الذي‭ ‬يحدده‭ ‬ولكن‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ذلك‭ ‬مقنعًا‭ ‬لأحد‭. ‬رغم‭ ‬قوله‭: ‬‮«‬أنا‭ ‬لست‭ ‬نادمًا‭ ‬على‭ ‬الحرب‭ ‬مع‭ ‬إيران‮»‬

قد‭ ‬يعتبر‭ ‬البعض‭ ‬ذلك‭ ‬التصريح‭ ‬نوعا‭ ‬من‭ ‬المكابرة‭ ‬تجاه‭ ‬الحقائق،‭ ‬التي‭ ‬تهدد‭ ‬حظوظ‭ ‬الجمهوريين‭ ‬في‭ ‬انتخابات‭ ‬التجديد‭ ‬النصفي‭ ‬لمجلسي‭ ‬الكونجرس،‭ ‬حيث‭ ‬تنخفض‭ ‬شعبيته‭ ‬بفداحة‭ ‬في‭ ‬استطلاعات‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭.‬

‮«‬نحن‭ ‬نسيطر‭ ‬على‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‮»‬‭. ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬ادعاءً‭ ‬متكررًا‭ ‬من‭ ‬‮«‬ترامب‮»‬‭ ‬يستهدف‭ ‬إقناع‭ ‬الناخبين‭ ‬بأنه‭ ‬قد‭ ‬انتصر‭ ‬فعلًا،‭ ‬متعهدًا‭ ‬بإنهاء‭ ‬الحرب‭ ‬بعد‭ ‬الانتخابات‭ ‬الوشيكة،‭ ‬لكن‭ ‬مشكلته‭ ‬أن‭ ‬الناخبين‭ ‬يصدقون‭ ‬الأسواق‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬وعوده‭.‬

وقد‭ ‬كان‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬الديزل‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬قياسية‭ ‬مؤشرًا‭ ‬على‭ ‬زيادات‭ ‬غير‭ ‬محتملة‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬السلع‭ ‬الرئيسية‭ ‬وتراجعات‭ ‬في‭ ‬مستويات‭ ‬المعيشة‭.‬‭ ‬هكذا‭ ‬أخفقت‭ ‬الاستراتيجيات‭ ‬الترامبية‭ ‬واحدة‭ ‬إثر‭ ‬أخرى،‭ ‬وأخطرها‭ ‬الخنق‭ ‬الاقتصادي‭ ‬بحصار‭ ‬الموانئ‭ ‬الإيرانية‭ ‬في‭ ‬تليين‭ ‬الموقف‭ ‬الإيراني‭. ‬باعتراف‭ ‬الرئيس‭ ‬‮«‬مسعود‭ ‬بزشكيان‮»‬،‭ ‬فإنه‭ ‬موجع،‭ ‬لكنه‭ ‬لن‭ ‬يكسر‭ ‬شوكة‭ ‬بلاده‭.‬

في‭ ‬لحظة‭ ‬ضيق‭ ‬بالغ،‭ ‬لوح‭ ‬‮«‬ترامب‮»‬‭ ‬باستخدام‭ ‬الأسلحة‭ ‬النووية،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يسارع‭ ‬هو‭ ‬نفسه‭ ‬بالنفي‭!‬

من‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى،‭ ‬وبأي‭ ‬نظر‭ ‬جيواستراتيجي،‭ ‬فإن‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬المصري‭ ‬يتصل‭ ‬جوهريًا‭ ‬بما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬عند‭ ‬مضيق‭ ‬باب‭ ‬المندب‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الخصوص‭.‬

والسؤال‭ ‬المطروح‭ ‬الآن‭ ‬كما‭ ‬قال‭ ‬محمد‭ ‬حسنين‭ ‬هيكل‭ ‬ذات‭ ‬مرة‭: ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬لذلك‭ ‬كله‭ ‬أن‭ ‬ينسجم‭ ‬مع‭ ‬استراتيجية‭ ‬عربية‭ ‬عامة‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬الآن‭ - ‬وسوف‭ ‬يصبح‭ ‬غدا‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬وأخطر‭ ‬جبهات‭ ‬الصراع‭ ‬الطويل‭ ‬والمتصل‭ ‬مع‭ ‬العدو‭ ‬الإسرائيلي‮»‬‭.‬

كانت‭ ‬تلك‭ ‬نبوءة‭ ‬سياسية‭ ‬في‭ ‬مقال‭ ‬عنوانه‭: ‬‮«‬الخطر‭ ‬فوق‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‮»‬،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬ذلك‭ ‬استشعار‭ ‬الخطر‭ ‬افتراضيًا،‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬التحديات‭ ‬المستجدة‭ ‬بشأن‭ ‬أمن‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭.‬

 

{ كاتب‭ ‬صحفي‭ ‬مصري

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا