لم تكن البطولة العربية الثانية للمنتخبات تحت 17 عاما للكرة الطائرة مجرد محطة تنافسية للبحث عن بطل ونتائج، بل شكلت فرصة حقيقية لقراءة واقع الكرة الطائرة العربية في إحدى فئاتها العمرية (الناشئين)، والوقوف على ما تمتلكه المنتخبات المشاركة من مواهب وإمكانات، وما تحتاج إليه من عمل وتطوير، وبينما عكست المنافسات تقاربا فنيا ملحوظا في عدد من المباريات، كشفت في الوقت نفسه عن جوانب فنية لا تزال بحاجة إلى المعالجة، خصوصا في الاستقبال والثبات على مستوى الأداء. وفي هذا السياق، يقدم المدربون محمد عبد المنعم (مصري) ومحمد علي بن الشيخ (تونسي) وسمير عصام (جزائري) قراءة فنية لمستويات المنتخبات الستة، وما يمكن أن تحمله هذه التجربة العربية من مؤشرات للمستقبل.
عبد المنعم: مستويات جيدة
أكد المدرب المساعد للمنتخب المصري محمد عبد المنعم أن جميع المنتخبات المشاركة في البطولة العربية للمنتخبات تحت 17 عاما قدمت مستويات جيدة، مشيرا إلى أن الفوارق بين المنتخبات كانت محدودة، ويرى أن مثل هذه البطولات تمثل فرصة مهمة للاعبين في هذه المرحلة العمرية لاكتساب المزيد من الخبرة والاحتكاك.
وقال عبد المنعم: إن لاعبي هذه المنتخبات ما زالوا في بداية مشوارهم الرياضي، كونهم تحت سن 18 عاما، وبالتالي فإن حاجتهم إلى المشاركة في المزيد من البطولات والمباريات الدولية تعد أمرا مهما لتطوير مستواهم وصقل مواهبهم، مؤكدا في ذات الوقت أن الخبرة لا تأتي بين ليلة وضحاها، وإنما تتراكم من خلال كثرة المشاركات والاحتكاك بمدارس فنية مختلفة.
وأضاف أن استمرار إقامة مثل هذه البطولات العربية سيكون له مردود إيجابي على مستوى اللاعبين والمنتخبات في المستقبل، إذ تمنح الأجهزة الفنية فرصة للتعرف على مستويات اللاعبين وتحديد الجوانب التي تحتاج إلى تطوير، كما تساعد اللاعبين أنفسهم على التعامل بصورة أفضل مع أجواء المنافسات الرسمية والضغوط المصاحبة لها.
وأوضح المدرب المساعد المصري أن المستوى الذي ظهرت به المنتخبات في البطولة يعد مؤشرا إيجابيا، متوقعا أن تشهد السنوات المقبلة تطوراً أكبر في أداء هذه الفئة، خصوصاً مع استمرار منح اللاعبين الفرصة للمشاركة والتدريب بصورة منتظمة.
وختم عبد المنعم حديثه بالتأكيد على أن العمل في المراحل العمرية يحتاج إلى الصبر والاستمرارية، معربا عن تفاؤله بأن يكون مستوى اللاعبين والمنتخبات العربية أكثر تقدما في السنوات القادمة، بإذن الله، في ظل توافر المزيد من البطولات والخبرات والتجارب الدولية.
ابن الشيخ: إيقاع مرتفع
ومن جانبه أشاد التونسي محمد علي بن الشيخ مدرب المنتخب الكويتي، بالمستوى الفني الذي ظهرت عليه المباراة النهائية للبطولة العربية للمنتخبات تحت 17 عاما، مؤكدا أن المواجهة اتسمت بالإيقاع المرتفع والمستوى الجيد، خصوصا من جانب المنتخب البحريني الذي قدم أداء قويا ونجح في مجاراة المنتخب المصري، رغم أن الأخير خاض نهائي بطولة أفريقيا في الفترة الماضية.
وقال بن الشيخ إن المنتخب البحريني ظهر في النهائي بصورة تعكس التطور الذي يعيشه، وقدم مباراة ندية أمام منتخب مصري يملك خبرة وتجربة على مستوى البطولات القارية، مشيرا إلى أن قدرة لاعبي البحرين على المحافظة على نسق المباراة ومجاراة المنافس تؤكد امتلاكهم إمكانيات جيدة يمكن البناء عليها خلال المرحلة المقبلة.
وعن بقية المنتخبات المشاركة، أوضح بن الشيخ أن المنتخب الجزائري يملك إمكانات فنية جيدة وخامات واعدة، إلا أن مشكلته الأساسية تكمن في مهارة الاستقبال، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على مستوى الأداء والقدرة على بناء الهجمات بالشكل المطلوب، مؤكدا أن تطوير هذا الجانب سيمنح المنتخب الجزائري إضافة واضحة في استحقاقاته المقبلة.
وتحدث المدرب التونسي عن المنتخب السعودي، مشيدا بما يمتلكه من خامات مميزة، موضحا أن المجموعة الحالية جاءت نتيجة عمل بدأ قبل نحو أربع سنوات، وهو ما يؤكد أهمية التخطيط والاستثمار في الفئات العمرية على المدى البعيد. لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن ضعف الاستقبال وتذبذب المستوى خلال المباريات أثرا في قدرة المنتخب السعودي على تقديم أفضل ما لديه، مبينا أن معالجة هذه الجوانب ستساعد اللاعبين على استثمار الإمكانيات التي يمتلكونها بصورة أفضل.
أما المنتخب الأردني، فأكد بن الشيخ أنه يضم خامات ممتازة، مشيرا إلى وجود تحسن واضح في مستواه تحت قيادة مدربه حسن الحصري. وأضاف أن المنتخب الأردني، مع تكثيف العمل والاستمرار في خوض المباريات والمعسكرات، سيكون قادرا على تطوير مستواه والدخول في دائرة المنتخبات القادرة على المنافسة بصورة أقوى في البطولات المقبلة، خصوصا أن اللاعبين في هذه المرحلة العمرية بحاجة إلى تراكم الخبرات أكثر من حاجتهم إلى النتائج الآنية.
وتطرق إلى الحديث عن المنتخب الكويتي، قال بن الشيخ إن المنتخب يملك عناصر جيدة من الناحية الفنية، إلى جانب الروح القتالية والرغبة في المنافسة، لكنه يحتاج إلى المزيد من العمل المنظم خلال المرحلة المقبلة، لافتا إلى أهمية تكثيف المعسكرات التدريبية ومنح اللاعبين جرعات أكبر من المباريات الدولية.
وأكد أن المباريات الدولية تمثل عاملا أساسيا في بناء شخصية اللاعب الناشئ، لأنها تضعه أمام مدارس فنية وأساليب لعب مختلفة، وتساعده على اكتساب الخبرة والتعامل مع ضغوط المنافسات، وهو ما سينعكس تدريجيا على مستوى المنتخب ونتائجه.
وختم بن الشيخ بالتأكيد على أن البطولة العربية كشفت عن وجود عدد كبير من الخامات والمواهب في المنتخبات المشاركة، إلا أن تطوير هذه المواهب يتطلب الاستمرارية في العمل، وكثرة المشاركات، وتوفير المعسكرات والمباريات الدولية، حتى تتمكن هذه المنتخبات من الانتقال من مرحلة امتلاك المواهب إلى مرحلة المنافسة الحقيقية على المراكز المتقدمة.
عصام: اختبار مفيد
وأشاد مدرب المنتخب الجزائري سمير عصام بالمستوى الفني الذي ظهرت عليه منافسات البطولة العربية للمنتخبات تحت 17 عاما، مؤكدا أن البطولة شكلت اختبارا جيدا ومفيدا للمنتخب الجزائري، خصوصا في ظل تنوع المدارس الفنية وارتفاع نسق المنافسة بين المنتخبات المشاركة.
وقال عصام إن المنتخب الجزائري استفاد كثيرا من هذه المشاركة، رغم أن الفريق لم يقدم في بعض مبارياته المستوى الذي كانت تطمح إليه الأجهزة الفنية واللاعبون، ربما الظروف لم تسعفهم لتقديم أداء أفضل، وهو ما يمثل أحد الجوانب التي تحتاج إلى الوقوف عليها ومعالجتها في المرحلة المقبلة.
وأضاف أن مثل هذه البطولات لا تقاس نتائجها فقط بما يتحقق داخل الملعب، وإنما بما تتيحه من فرصة لاكتشاف الأخطاء وتحديد نقاط القوة والضعف، مشيرا إلى أن مواجهة منتخبات عربية مختلفة في المستوى والأسلوب تمنح اللاعبين خبرة مهمة، وتساعد الجهاز الفني على تكوين صورة أكثر وضوحا عن احتياجات الفريق الفنية والبدنية والنفسية.
وأعرب مدرب المنتخب الجزائري عن ارتياحه الكبير للمستوى العام للبطولة، مشيدا بالجانب التنظيمي الذي وصفه بأنه كان جيدا جدا وعلى مختلف المستويات، سواء من حيث ترتيبات المنافسات أو الجوانب اللوجستية والتنظيمية، مؤكدا أن الوفد الجزائري كان فخورا بالمشاركة في هذا التجمع الرياضي العربي.
وتابع: إن الجانب الفني للبطولة كان مفاجئا بصورة إيجابية، مشيرا إلى أنه لم يكن يتوقع أن تكون المنافسات بهذا المستوى من القوة والندية، وأن ما قدمته المنتخبات المشاركة يؤكد وجود عمل جيد في الفئات العمرية، إلى جانب امتلاك عدد من المنتخبات لاعبين يملكون مؤهلات فنية وبدنية يمكن البناء عليها مستقبلا.
وختم عصام بالتأكيد على أن استمرار إقامة مثل هذه البطولات يمثل مكسبا مهما للكرة الطائرة العربية، لأنها تمنح اللاعبين الصغار فرصة الاحتكاك واكتساب الخبرة في سن مبكرة، كما توفر للأجهزة الفنية فرصة تقييم العمل بصورة واقعية، مؤكدا أن تراكم المشاركات الدولية سيؤدي مع الوقت إلى رفع مستوى اللاعبين والمنتخبات، والوصول بها إلى مراحل أكثر تقدما على الصعيدين العربي والقاري.
وفي المحصلة النهائية أكدت البطولة أن الكرة الطائرة العربية تملك قاعدة من المواهب والخامات القادرة على التطور والمنافسة، غير أن الانتقال بهذه المواهب إلى مستوى أعلى لا يرتبط بالموهبة وحدها، وإنما يحتاج إلى مشروع متكامل يقوم على الاستمرارية في التدريب، وكثرة المشاركات، وتوفير المعسكرات والمباريات الدولية، إلى جانب العمل على معالجة نقاط الضعف الفنية التي كشفت عنها المنافسات، وبينما تبقى النتائج في هذه المرحلة العمرية مهمة، فإن الأهم هو ما تتركه مثل هذه البطولات من خبرة وتراكم لدى اللاعبين والأجهزة الفنية، بما يمهد لبناء منتخبات عربية أكثر قوة ونضجا وقدرة على الحضور في الاستحقاقات المقبلة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك