بروفيسور دلال الرميحي: عندما نرى طفلا يعاني السمنة.. نخشى أن نرى مصابا بالسكري في المستقبل!
تُعد السمنة عند الأطفال من أكثر المشكلات الصحية انتشارًا في العالم، وأصبحت تشكل تحديًا حقيقيا يهدد صحة الأطفال في الوقت الحاضر ومستقبلهم. ولم تعد السمنة مجرد مشكلة تتعلق بالمظهر الخارجي، بل هي مرض مزمن قد يؤدي إلى مضاعفات صحية خطيرة إذا لم يتم التعامل معه مبكرًا وبالطريقة الصحيحة. وفي الوقت الحالي ظهرت أدوية التخسيس على شكل أبر ويتبعها أقراص فهل تكون خيارا جيدا للأطفال والمراهقين للوقاية من مضاعفات السمنة؟ الخليج الطبيب تلتقي مع الدكتورة خديجة العلا استشاري طب الاطفال والغدد الصماء والسكري ورئيس قسم السكري بمستشفى الرسالة الأمريكية والبروفيسور دلال الرميحي استشاري الغدد الصماء والسكري بمستشفى عوالي لنستعرض كل ما يتعلق بمشكلة السمنة لدى الأطفال.
حيث أجابت الدكتورة خديجة العلا بأول سؤال عن سبب زيادة الوزن عند الأطفال وقالت «هناك عدة عوامل تؤدي إلى زيادة الوزن والسمنة، منها: تناول الأطعمة الغنية بالسكريات والدهون والوجبات السريعة، قلة النشاط البدني وكثرة الجلوس أمام الشاشات، قلة ساعات النوم، العوامل الوراثية، بعض الأمراض الهرمونية أو استخدام بعض الأدوية، وإن كانت تمثل نسبة قليلة من الحالات وفي معظم الأطفال، يكون السبب الرئيسي هو اختلال التوازن بين السعرات الحرارية التي يتم تناولها والطاقة التي يستهلكها الجسم.
كما أكدت الدكتورة خديجة أن السمنة مرض خطير ويسبب العديد من المضاعفات حتى في الأعمار الصغيرة وأبرز هذه المضاعفات التي يجب الانتباه اليها هي الإصابة بداء السكري من النوع الثاني، ارتفاع ضغط الدم، ارتفاع الدهون والكوليسترول، الكبد الدهني، انقطاع التنفس أثناء النوم، مشاكل العظام والمفاصل، البلوغ المبكر، خاصة لدى الفتيات، التأثير على الصحة النفسية والثقة بالنفس، وما قد يصاحبه من التنمر والانعزال الاجتماعي. مشيرة الى ان الطفل المصاب بالسمنة يكون أكثر عرضة للاستمرار بالسمنة في مرحلة البلوغ، مما يزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية.
وعن علاج السمنة أفادت أن العلاج لا يعتمد على الحمية القاسية أو الحرمان، بل يقوم على خطة متكاملة تشمل عدة خطوات تثقيف الأسرة كاملة وليس الطفل فقط، تحسين نوعية الغذاء وتقليل المشروبات السكرية، زيادة النشاط البدني بما لا يقل عن ساعة يوميًا، تقليل وقت استخدام الأجهزة الإلكترونية، تحسين عادات النوم، المتابعة المنتظمة مع الفريق الطبي. مؤكدة على أن يكون الهدف هو تحسين صحة الطفل ونموه وليس فقط إنقاص الوزن بسرعة.
وعن اللجوء الى العلاج الدوائي أشارت الدكتورة خديجة أن في بعض الحالات لا يكون تعديل نمط الحياة وحده كافيًا، خاصة إذا كان الطفل يعاني من سمنة شديدة ومضاعفات صحية مثل السكري او الكبد الدهني او ارتفاع ضغط الدم مع عدم الاستجابة لبرنامج الغذائي والرياضي، عندها قد يوصي الطبيب باستخدام أدوية معتمدة للمساعدة في إنقاص الوزن، مع الاستمرار في اتباع نمط حياة صحي.
وأضافت، ظهرت أدوية حديثة تُعرف باسم محفزات مستقبلات GLP-1، والتي أحدثت نقلة نوعية في علاج السمنة لدى بعض الأطفال المؤهلين للعلاج.
وتعمل هذه الأدوية من خلال: زيادة الشعور بالشبع، تقليل الشهية، إبطاء إفراغ المعدة، تحسين تنظيم مستوى السكر في الدم.
وقد أثبتت الدراسات العلمية أن استخدامها، إلى جانب تغيير نمط الحياة، يساعد على فقدان نسبة مهمة من الوزن وتحسين العديد من المضاعفات المصاحبة للسمنة، مثل تحسين التحكم في السكر، وتقليل دهون الكبد، وتحسين جودة الحياة.
ومن المهم أن يعرف الأهالي أن هذه الأدوية ليست مناسبة لجميع الأطفال. فقد تمت الموافقة على استخدام بعض أدوية GLP-1 لعلاج السمنة لدى المراهقين بعمر 12 سنة فأكثر ممن تنطبق عليهم المعايير الطبية المحددة، وبعد تقييم شامل من قبل طبيب مختص. أما الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 12 عامًا، فلا تزال الأبحاث والدراسات مستمرة لتقييم سلامة وفعالية هذه العلاجات لديهم، ولذلك لا تُستخدم بشكل روتيني في هذه الفئة العمرية. ولا تعد مناسبة لجميع الأطفال، فهذه الأدوية ليست مخصصة للأطفال الذين لديهم زيادة بسيطة في الوزن، ولا ينبغي استخدامها بهدف تحسين الشكل أو التنحيف السريع.
وشددت على ان هذا النوع من العلاج يتم وصفه فقط بعد تقييم دقيق من قبل طبيب متخصص، وفق معايير علمية تشمل العمر، ومؤشر كتلة الجسم، ووجود أمراض مصاحبة، وبعد التأكد من عدم وجود موانع للاستعمال.
كما تحتاج إلى متابعة منتظمة لمراقبة الاستجابة للعلاج والآثار الجانبية المحتملة، والتي غالبًا ما تكون مؤقتة، مثل الغثيان أو القيء أو اضطرابات الجهاز الهضمي في بداية العلاج. مع الالتزام بنظام غذائي صحي وممارسة الرياضة كخطة علاجية متكاملة.
واختتمت الدكتورة خديجة حديثها قائلة «السمنة عند الأطفال ليست نتيجة ضعف الإرادة، وإنما مرض مزمن ومعقد له أسباب متعددة، ويستحق التشخيص والعلاج المبكر. وكلما بدأ التدخل في وقت مبكر، زادت فرص حماية الطفل من المضاعفات الصحية في المستقبل. واليوم، ومع توفر خيارات علاجية حديثة مثل أدوية GLP-1 للمراهقين بعمر 12 سنة فأكثر ممن تنطبق عليهم المعايير الطبية، أصبح بإمكاننا تقديم علاج أكثر فعالية للحالات المناسبة. ومع ذلك، يبقى الأساس دائمًا هو تبني نمط حياة صحي، يشمل التغذية المتوازنة، والنشاط البدني، والدعم الأسري، والمتابعة الطبية المنتظمة».
السمنة عند الأطفال.. لماذا يجب أن نهتم مبكرًا؟
والتقطت أطراف الحديث البروفيسور دلال الرميحي معربة عن قلقها من مشكلة السمنة التي أصبحت في ازدياد مستمر، وقالت «مرض السمنة يجب أن نهتم به مبكرا. عندما نستقبل في عيادات السمنة رجلًا أو امرأة بعد سن الاربعين يعانون من السكري، ارتفاع ضغط الدم، انقطاع التنفس أثناء النوم، أو مشاكل في العظام، كثيرًا ما نجد أنهم يعانون من مشكلة زيادة الوزن او السمنة منذ الطفولة.
هذه الحقيقة تجعل أطباء السمنة لدى البالغين ينظرون إلى سمنة الأطفال بطريقة جدية، فنحن لا نرى طفلًا زائد الوزن اليوم فقط، بل نرى الشخص الذي قد يجلس أمامنا بعد عشرين أو ثلاثين عامًا إذا لم نتدخل مبكرً».
وأكدت الدكتورة دلال أن السمنة في الطفولة ليست مرحلة عابرة ومن أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعًا أن الطفل سيتعافى من زيادة الوزن مع العمر. هذا يحدث مع بعض الأطفال، لكنه ليس القاعدة للأسف.
وبينت، كلما ظهرت السمنة في عمر أصغر، وكلما كانت أشد، زادت احتمالية استمرارها حتى مرحلة البلوغ. وتشير الدراسات إلى أن نسبة كبيرة من الأطفال المصابين بالسمنة، خصوصًا في سن الطفولة والمراهقة، يستمرون بالسمنة عند البلوغ، ليبدأوا رحلة طويلة مع الأمراض المزمنة.
كما قد تؤدي السمنة إلى البلوغ المبكر لدى كثير من الفتيات، اضطرابات في البلوغ والهرمونات لدى بعض الأولاد، زيادة احتمالية الإصابة بمتلازمة المبايض الهرمونية مستقبلًا لدى الفتيات.
وأشارت الى القاعدة الذهبية وهي الوقاية العلاج الحقيقي لهذه المشكلة المجتمعيّة، وبينت على الرغم من وجود التقدم الكبير في أدوية السمنة، يبقى الوقاية هي العلاج الأهم والأكثر فاعلية. وتبدأ الوقاية من التغذية الصحية للأسرة كلها، وليس للطفل وحده، تقليل تناول المشروبات المحلاة والوجبات السريعة، النوم الكافي، النشاط البدني اليومي، تقليل وقت الشاشات وأن يكون الوالدان قدوة في نمط الحياة الصحي. فالطفل لا يغيّر عاداته وحده، بل يكتسبها من بيئته المنزلية.
وأجابت عن مدى انتفاع الأطفال بأدوية السمنة، حيث أكدت الدكتورة دلال ان السنوات الأخيرة شهدت تطورًا كبيرًا في علاج السمنة عند الأطفال والمراهقين. واليوم توجد أدوية معتمدة بعد دراسات علمية كبيرة للأطفال والمراهقين ضمن أعمار محددة، وتُستخدم فقط بعد تقييم طبي دقيق، ويصاحبها تعديل نمط الحياة، وليست بديلًا عنه.
ومن المهم أن يعرف الأهالي أن هذه الأدوية لا تُصرف لكل طفل وتخضع لمتابعة طبية منتظمة ولديها سجل موثوق من الأمان عند استخدامها وفق الإرشادات العلمية. وفي الأطفال الذين يتم اختيارهم للعلاج، فإن فوائد هذه الادوية تقلل من مضاعفات السمنة وتحسن الصحة المستقبلية وغالبًا ما تفوق مخاطر الادوية المحتملة.
لذلك لم يعد من الصحيح تأجيل العلاج سنوات طويلة خوفًا من الدواء، بينما تستمر السمنة بإحداث أضرارها يومًا بعد يوم.
وأشارت البيانات الوطنية أن السمنة أصبحت واحدة من أكبر التحديات الصحية في المملكة. فقد أظهر المسح الصحي الوطني الذي نُشرت نتائجه في عام 2020 استمرار الارتفاع في معدلات زيادة الوزن والسمنة بين البالغين. كما أظهرت الدراسات البحرينية خلال العقدين الماضيين ارتفاع معدلات زيادة الوزن والسمنة بين الأطفال والمراهقين، مع ملاحظة ازديادها مقارنة بالأجيال السابقة، ما يستدعي تقوية برامج الوقاية والكشف المبكر.
واختتمت بروفيسور دلال، مؤكدة ان علاج السمنة عند الأطفال ليس تجميلًا، وليس رفاهية، وليس استسلامًا للأدوية. بل هو تأهيل صحي للطفل لا بد ان يتكامل مع التوعية وتغيير نمط الحياة لحماية الطفل والمراهق من أمراض قد تبدأ بصمت اليوم، وترافقه طوال حياته.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك