زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
حكاية مارتي القيحة
مثل معظم الآباء على مر عصور طويلة، كان من عادتي ان ادخل على صغاري دائما وانا احمل لهم شيئا يحبونه، وحتى بعد أن كبروا قليلا كنت أحرص بين الحين والآخر أن أدخل عليهم وأنا أحمل بعض الممنوعات (كي لا يشطح بك الخيال أعني على سبيل المثال المشروبات الغازية والآيسكريم والبيرغر) ومع هذا كنت أتعمد رفض العديد من مطالبهم، ليدركوا معنى «اخشوشنوا فإن النعمة لا تدوم»، وانه لا يمكن ان تكون كل طلباتهم مستجابة، ما كان يعرضني للاتهام بأنني «قيحة» أي بخيل، بل كما شكوت هنا مرارا، وكانت بنتي مروة في طفولتها وكل ما رفضت لها طلبا تسأل عن سبب الرفض، ومن باب «قفل الحجة» كنت أقول لها: ما عندي فلوس، وكان لذلك الرد عواقب نفسية ومعنوية وخيمة، لأنها كانت تلتفت نحو أمها وتسألها: ليه ما تزوجتِ واحد غني؟ وهكذا صرت أبرر رفضي شراء ما تطلبه مروة بأن البنك «مقفول»، فصارت بدورها تقول: في صناديق في الحيطان بتدي فلوس (تقصد أجهزة إيه تي إم / الصراف الآلي)، وأقنعتها بأن الذين يأخذون نقودا من صناديق الحيطان حرامية. عايزة بابا يكون حرامي ويدخل السجن؟
ولك ان تتخيل مدى سعادتي عندما قرأت على عيالي حكاية الامريكي مارتي بروان: عندما يريد مارتي ان يهنئ شخصا ما بمناسبة سعيدة، فإنه يستخدم بطاقة اتته من شخص آخر، ويقوم بشطب ما عليها من كلام، وكتابة عبارات التهنئة الخاصة به، وبالنسبة الى البامبرز فإنه يشطف ويجفف البامبرز المشبع بالفضلات البشرية، لإعادة استخدامه، ويصرف لزوجته وبناته الثلاث الكبار لفة ورق تواليت واحدة في الاسبوع، يعني اذا اصيبت احداهن بإسهال فعليها ان تقترض من الاخريات، او تلجأ الى بيت الجيران، ويسمح مارتي لزوجته بمكالمة هاتفية واحدة في الشهر مع امها ولمدة خمس دقائق فقط، ويظل واقفا جوارها وهي تتكلم ممسكا بساعة توقيت (ستوب ووتش)، وما أن تنقضي الدقائق الخمس حتى ينزع السماعة من يدها ويغلق الخط، ويتم اعداد شوربة الطماطم في بيته بخلط عبوات الكتشاب في الماء الساخن، ويقوم مارتي بسرقة اكياس الكتشاب الصغيرة من مطاعم الوجبات السريعة حيث تكون في متناول الجميع. وتحكي كاثي زوجة مارتي انه قدم لها عند الزواج دبلة جميلة صفراء ولكن سرعان ما اكتشفت انها مصنوعة من النحاس، وفي شهر العسل اقام معها في مقطورة يملكها اخوه قرب مقلب القمامة في المدينة، ورغم ان بيت العائلة مزود بمكيفات هواء ومراوح إلا ان مارتي قام بتعطيلها بل ولا يسمح للعائلة بإضاءة اكثر من مصباح كهربائي واحد في البيت مساء!!
والغريب في الامر ان مارتي ليس معسرا بل احواله المادية متيسرة ولديه رصيد مصرفي طيب، ولا شك عندي في ان عياله ينتظرون موته بفارغ الصبر كي يعيشوا كالآخرين، وفي احدى مدن السودان كان احد كبار التجار على درجة عالية من البخل، وكانت الملابس التي يرتديها ابشع من تلك التي كان القذافي يرتديها، وبعد اصابته بداء السكر تلوث جرح في احدى قدميه، لأنه لم يكن على استعداد لشراء الانسولين لجعل السكر تحت السيطرة، وبعد تدهور حال القدم المصابة استدعى الطبيب اكبر اولاد الرجل وقال له بنبرة حزينة: اذا لم تتحسن حالة ابيك خلال 48 ساعة فقد نضطر إلى بتر قدمه فقال له الابن: اذا لم تتحسن حالته خلال 48 ساعة فابتره هو نفسه بالكامل!! صِف هذا الولد بما تشاء من اوصاف ولكنك لا تستطيع ان تنكر ان بخل والده هو الذي جرده من اي عاطفة تجاهه فصار يمني نفسه بعيشة هنية بعد وفاته!!

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك