العدد : ١٧٦٠١ - الاثنين ٠١ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٥ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٦٠١ - الاثنين ٠١ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٥ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

عن فظاظة القلوب

كان‭ ‬النبي‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬يطيل‭ ‬سجوده‭ ‬ليحتمل‭ ‬على‭ ‬ظهره‭ ‬حفيديه‭ ‬الحسن‭ ‬والحسين،‭ ‬حتى‭ ‬إنّ‭ ‬بعض‭ ‬المسلمين‭ ‬ظنّ‭ ‬أنه‭ ‬خبر‭ ‬من‭ ‬السماء‭ ‬جاء،‭ ‬أو‭ ‬وحيٌ‭ ‬نزل‭. ‬بل‭ ‬كان‭ ‬أبو‭ ‬بكر‭ ‬يقول‭: ‬‮«‬نِعْم‭ ‬الجمل‭ ‬جملكما‮»‬،‭ ‬ويرد‭ ‬النبي‭: ‬‮«‬ونِعْم‭ ‬الراكبان‭ ‬هما‮»‬‭. ‬وسأل‭ ‬سراقة‭ ‬بن‭ ‬جعشم‭ ‬النبي‭: ‬يا‭ ‬رسول‭ ‬الله،‭ ‬الضالة‭ ‬ترد‭ ‬على‭ ‬حوضي،‭ ‬فهل‭ ‬لي‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬أجر‭ ‬إن‭ ‬سقيتها؟‭ ‬قال‭: ‬اسقها؛‭ ‬فإن‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ذات‭ ‬كبد‭ ‬حرى‭ ‬أجرا‭. ‬والضالة‭ ‬هي‭ ‬كل‭ ‬حيوان‭ ‬تاه‭ ‬عن‭ ‬صاحبه‭ ‬وذات‭ ‬الكبد‭ ‬الحرى‭ ‬هي‭ ‬كل‭ ‬كائن‭ ‬حي‭.‬

ثم‭ ‬انظر‭ ‬كيف‭ ‬يعامل‭ ‬بعض‭ ‬بني‭ ‬الإنسان‭ ‬فلذات‭ ‬الأكباد‭: ‬كان‭ ‬ف‭. ‬البالغ‭ ‬من‭ ‬العمر‭ ‬16‭ ‬سنة،‭ ‬طالبا‭ ‬في‭ ‬السنة‭ ‬النهائية‭ ‬بالمرحلة‭ ‬الثانوية،‭ ‬وقبل‭ ‬نحو‭ ‬أسبوع،‭ ‬تشاجر‭ ‬ف‭. ‬مع‭ ‬أخيه‭ ‬الأصغر‭ ‬وضربه،‭ ‬فما‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الأخ‭ ‬المضروب،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬هدده‭ ‬بأنه‭ ‬سيبلغ‭ ‬‮«‬بابا‮»‬‭ ‬بالأمر،‭ ‬فهرب‭ ‬ف‭. ‬واختبأ‭ ‬في‭ ‬عشة‭ ‬قريبة‭ ‬من‭ ‬المنزل،‭ ‬ثم‭ ‬تناهى‭ ‬إليه‭ ‬صوت‭ ‬والده‭ ‬المزمجر،‭ ‬فخارت‭ ‬قواه‭ ‬الجسدية‭ ‬والعقلية‭ ‬وأتى‭ ‬بحبل‭ ‬وشنق‭ ‬نفسه‭ ‬من‭ ‬على‭ ‬شجرة،‭ ‬وانتهت‭ ‬بذلك‭ ‬مسيرة‭ ‬حياته‭.‬

حتى‭ ‬لو‭ ‬تعرض‭ ‬الإنسان‭ ‬لهجوم‭ ‬من‭ ‬أفعى‭ ‬كوبرا‭ ‬أو‭ ‬نمر،‭ ‬فإنه‭ ‬لا‭ ‬يستسلم‭ ‬ويدافع‭ ‬عن‭ ‬نفسه،‭ ‬وقد‭ ‬يدرك‭ ‬أن‭ ‬المعركة‭ ‬خاسرة‭ ‬فيحاول‭ ‬الهرب،‭ ‬ولكن‭ ‬الأطفال‭ ‬والصبية‭ ‬لا‭ ‬يدافعون‭ ‬عن‭ ‬أنفسهم‭ ‬عند‭ ‬تعرضهم‭ ‬لهجوم‭ ‬من‭ ‬أحد‭ ‬الوالدين‭. ‬قد‭ ‬يهربون‭ ‬تفاديا‭ ‬لمزيد‭ ‬من‭ ‬الضرب،‭ ‬ولكن‭ ‬الغالبية‭ ‬تعتقد‭ ‬أن‭ ‬التصدي‭ ‬لأحد‭ ‬الوالدين‭ ‬خلال‭ ‬التعرض‭ ‬للضرب،‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬العقوق‭ ‬وقلة‭ ‬الأدب،‭ ‬ولهذا‭ ‬فإن‭ ‬الوالد‭ ‬–مثلا–‭ ‬قد‭ ‬ينادي‭ ‬على‭ ‬أحد‭ ‬عياله،‭ ‬والأخير‭ ‬يدرك‭ ‬أن‭ ‬المناداة‭ ‬بهدف‭ ‬إنزال‭ ‬عقوبة‭ ‬جسدية‭ ‬به،‭ ‬فيلبي‭ ‬النداء‭ (‬ولو‭ ‬على‭ ‬مضض‭). ‬ولكن‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬شك‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬الطالب‭ ‬ف‭. ‬هذا‭ ‬فكر‭ ‬في‭ ‬حاله‭ ‬واستنتج‭ ‬أن‭ ‬الموت‭ ‬سيكون‭ ‬أخف‭ ‬وطأة‭ ‬من‭ ‬تحمل‭ ‬العذاب‭ ‬الذي‭ ‬سيتعرض‭ ‬له‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬والده‭. ‬بالتأكيد‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬استنتاجه‭ ‬سليما‭ ‬وصحيحا،‭ ‬ولكن‭ ‬الإنسان‭ ‬وفي‭ ‬لحظات‭ ‬الهلع‭ ‬والضعف‭ ‬يفقد‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التفكير‭ ‬المنطقي،‭ ‬وبالتالي‭ ‬حسب‭ ‬ف‭. ‬أن‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬ينتظره‭ ‬من‭ ‬عقاب‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬والده‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬الموت،‭ ‬أو‭ ‬هو‭ ‬الموت‭ ‬بعينه‭.‬

كل‭ ‬الإخوة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬البيوت‭ ‬يتشاجرون‭ ‬بين‭ ‬الحين‭ ‬والآخر‭: ‬لأن‭ ‬أحدهم‭ ‬خطف‭ ‬حلوى‭ ‬من‭ ‬الآخر،‭ ‬أو‭ ‬حول‭ ‬أي‭ ‬قناة‭ ‬تلفزيونية‭ ‬ينبغي‭ ‬مشاهدتها،‭ ‬أو‭ ‬لأن‭ ‬فلان‭ ‬أخذ‭ ‬قلم‭ ‬علان،‭ ‬وتكون‭ ‬الغلبة‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬المشاجرات‭ ‬للأكبر‭ ‬أحيانا،‭ ‬وللأصغر‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬ذا‭ ‬حلق‭ ‬كبير‭ ‬ومن‭ ‬النوع‭ ‬الذي‭ ‬يستخدم‭ ‬سلاح‭ ‬الصراخ‭ ‬بكفاءة‭. ‬ولكن‭ ‬إذا‭ ‬وجدت‭ ‬أخوة‭ ‬يتشاجرون‭ ‬بعنف،‭ ‬ويضربون‭ ‬بعضهم‭ ‬البعض‭ ‬بقسوة،‭ ‬فإن‭ ‬مرد‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬غالب‭ ‬الأحوال‭ ‬أن‭ ‬الوالدين‭ ‬أو‭ ‬أحدهما‭ ‬عنيف‭ ‬باللسان‭ ‬واليد‭. ‬ويعتقد‭ ‬بعض‭ ‬الآباء‭ ‬أن‭ ‬البطش‭ ‬بالعيال‭ ‬والقسوة‭ ‬المفرطة‭ ‬عليهم‭ ‬تجعلهم‭ ‬حسني‭ ‬الأدب‭ ‬ومنضبطين‭ ‬سلوكيا،‭ ‬ما‭ ‬يفوت‭ ‬هذا‭ ‬الصنف‭ ‬الغبي‭ ‬من‭ ‬الآباء‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الأسرة‭ ‬مجتمع‭ ‬مصغر‭. ‬له‭ ‬ثقافة‭ ‬وتقاليد‭ ‬متوارثة‭ ‬تحدد‭ ‬كيفية‭ ‬التعايش‭ ‬بين‭ ‬الأفراد‭. ‬وعلى‭ ‬كل‭ ‬حال‭ ‬فالشخص‭ ‬الذي‭ ‬يعيش‭ ‬في‭ ‬مناخ‭ ‬منزلي‭ ‬يتسم‭ ‬بالرعب‭ ‬والضرب‭ ‬والسب‭ ‬‮«‬سيتأثر‮»‬‭ ‬به،‭ ‬وقد‭ ‬يصبح‭ ‬بلطجيا‭ ‬ويمارس‭ ‬التنفيس‭ ‬بالاعتداء‭ ‬على‭ ‬الآخرين‭ ‬خارج‭ ‬البيت،‭ ‬بل‭ ‬وقد‭ ‬ينقلب‭ ‬على‭ ‬الأب‭ ‬الباطش‭.‬

تحضرني‭ ‬واقعة‭ ‬كتبت‭ ‬عنها‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مرة‭ ‬عن‭ ‬أب‭ ‬كان‭ ‬ميسور‭ ‬الحال‭ ‬وبخيلا‭ ‬وفظا‭ ‬غليظ‭ ‬القلب،‭ ‬ولزم‭ ‬هذا‭ ‬الأب‭ ‬سرير‭ ‬المستشفى‭ ‬بعد‭ ‬إصابته‭ ‬بجرح‭ ‬في‭ ‬ساقه‭ ‬وهو‭ ‬مصاب‭ ‬بالسكري،‭ ‬واستعصى‭ ‬الجرح‭ ‬على‭ ‬العلاج‭ ‬بسبب‭ ‬الغرغرينا،‭ ‬وظل‭ ‬حاله‭ ‬في‭ ‬تدهور‭ ‬مستمر‭. ‬وكان‭ ‬كلما‭ ‬زاره‭ ‬عياله‭ ‬في‭ ‬المستشفى‭ ‬انهال‭ ‬عليهم‭ ‬بالشتائم،‭ ‬لأنهم‭ ‬‮«‬أهملوا‮»‬‭ ‬أمر‭ ‬تجارته‭ ‬بحجة‭ ‬ممارضته‭ ‬وعيادته،‭ ‬وذات‭ ‬يوم‭ ‬استدعى‭ ‬الطبيب‭ ‬الابن‭ ‬الأكبر‭ ‬للرجل‭ ‬وقال‭ ‬له‭: ‬يؤسفني‭ ‬إبلاغك‭ ‬بأن‭ ‬حالة‭ ‬أبيك‭ ‬غير‭ ‬مستقرة‭. ‬سنظل‭ ‬نعالجه‭ ‬يومين‭ ‬آخرين‭ ‬ولو‭ ‬لم‭ ‬يبرأ‭ ‬الجرح‭ ‬بدرجة‭ ‬أو‭ ‬بأخرى‭ ‬فسنضطر‭ ‬إلى‭ ‬بتر‭ ‬ساقه‭. ‬فقال‭ ‬الابن‭: ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يبرأ‭ ‬الجرح،‭ ‬دعك‭ ‬من‭ ‬الساق‭ ‬وابتره‭ ‬هو‭ ‬نفسه‭ ‬بالكامل‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا