زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
عن فظاظة القلوب
كان النبي صلى الله عليه وسلم يطيل سجوده ليحتمل على ظهره حفيديه الحسن والحسين، حتى إنّ بعض المسلمين ظنّ أنه خبر من السماء جاء، أو وحيٌ نزل. بل كان أبو بكر يقول: «نِعْم الجمل جملكما»، ويرد النبي: «ونِعْم الراكبان هما». وسأل سراقة بن جعشم النبي: يا رسول الله، الضالة ترد على حوضي، فهل لي فيها من أجر إن سقيتها؟ قال: اسقها؛ فإن في كل ذات كبد حرى أجرا. والضالة هي كل حيوان تاه عن صاحبه وذات الكبد الحرى هي كل كائن حي.
ثم انظر كيف يعامل بعض بني الإنسان فلذات الأكباد: كان ف. البالغ من العمر 16 سنة، طالبا في السنة النهائية بالمرحلة الثانوية، وقبل نحو أسبوع، تشاجر ف. مع أخيه الأصغر وضربه، فما كان من الأخ المضروب، إلا أن هدده بأنه سيبلغ «بابا» بالأمر، فهرب ف. واختبأ في عشة قريبة من المنزل، ثم تناهى إليه صوت والده المزمجر، فخارت قواه الجسدية والعقلية وأتى بحبل وشنق نفسه من على شجرة، وانتهت بذلك مسيرة حياته.
حتى لو تعرض الإنسان لهجوم من أفعى كوبرا أو نمر، فإنه لا يستسلم ويدافع عن نفسه، وقد يدرك أن المعركة خاسرة فيحاول الهرب، ولكن الأطفال والصبية لا يدافعون عن أنفسهم عند تعرضهم لهجوم من أحد الوالدين. قد يهربون تفاديا لمزيد من الضرب، ولكن الغالبية تعتقد أن التصدي لأحد الوالدين خلال التعرض للضرب، نوع من العقوق وقلة الأدب، ولهذا فإن الوالد –مثلا– قد ينادي على أحد عياله، والأخير يدرك أن المناداة بهدف إنزال عقوبة جسدية به، فيلبي النداء (ولو على مضض). ولكن ما من شك في أن الطالب ف. هذا فكر في حاله واستنتج أن الموت سيكون أخف وطأة من تحمل العذاب الذي سيتعرض له على يد والده. بالتأكيد لم يكن استنتاجه سليما وصحيحا، ولكن الإنسان وفي لحظات الهلع والضعف يفقد القدرة على التفكير المنطقي، وبالتالي حسب ف. أن ما كان ينتظره من عقاب على يد والده أقرب إلى الموت، أو هو الموت بعينه.
كل الإخوة في كل البيوت يتشاجرون بين الحين والآخر: لأن أحدهم خطف حلوى من الآخر، أو حول أي قناة تلفزيونية ينبغي مشاهدتها، أو لأن فلان أخذ قلم علان، وتكون الغلبة في مثل هذه المشاجرات للأكبر أحيانا، وللأصغر إذا كان ذا حلق كبير ومن النوع الذي يستخدم سلاح الصراخ بكفاءة. ولكن إذا وجدت أخوة يتشاجرون بعنف، ويضربون بعضهم البعض بقسوة، فإن مرد ذلك في غالب الأحوال أن الوالدين أو أحدهما عنيف باللسان واليد. ويعتقد بعض الآباء أن البطش بالعيال والقسوة المفرطة عليهم تجعلهم حسني الأدب ومنضبطين سلوكيا، ما يفوت هذا الصنف الغبي من الآباء هو أن الأسرة مجتمع مصغر. له ثقافة وتقاليد متوارثة تحدد كيفية التعايش بين الأفراد. وعلى كل حال فالشخص الذي يعيش في مناخ منزلي يتسم بالرعب والضرب والسب «سيتأثر» به، وقد يصبح بلطجيا ويمارس التنفيس بالاعتداء على الآخرين خارج البيت، بل وقد ينقلب على الأب الباطش.
تحضرني واقعة كتبت عنها أكثر من مرة عن أب كان ميسور الحال وبخيلا وفظا غليظ القلب، ولزم هذا الأب سرير المستشفى بعد إصابته بجرح في ساقه وهو مصاب بالسكري، واستعصى الجرح على العلاج بسبب الغرغرينا، وظل حاله في تدهور مستمر. وكان كلما زاره عياله في المستشفى انهال عليهم بالشتائم، لأنهم «أهملوا» أمر تجارته بحجة ممارضته وعيادته، وذات يوم استدعى الطبيب الابن الأكبر للرجل وقال له: يؤسفني إبلاغك بأن حالة أبيك غير مستقرة. سنظل نعالجه يومين آخرين ولو لم يبرأ الجرح بدرجة أو بأخرى فسنضطر إلى بتر ساقه. فقال الابن: إذا لم يبرأ الجرح، دعك من الساق وابتره هو نفسه بالكامل.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك