العدد : ١٧٥٩٦ - الأربعاء ٢٧ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٠ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٩٦ - الأربعاء ٢٧ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٠ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

الحب في أسمى تجلياته

أذكر‭ ‬أنني‭ ‬كتبت‭ ‬قبل‭ ‬أشهر‭ ‬وربما‭ ‬سنوات‭ ‬عن‭ ‬زواج‭ ‬العراقي‭ ‬مهدي‭ ‬حسن‭ ‬بالسيدة‭ ‬كرجية،‭ ‬وكيف‭ ‬كانت‭ ‬تلك‭ ‬الزيجة‭ ‬تتويجا‭ ‬لقصة‭ ‬حب‭ ‬صادقة‭ ‬ورائعة،‭ ‬وعريس‭ ‬كرجية‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يعرف‭ ‬كم‭ ‬عدد‭ ‬سنوات‭ ‬عمره،‭ ‬ولكنه‭ ‬كان‭ ‬يعرف‭ ‬أن‭ ‬لديه‭ ‬عدة‭ ‬أولاد‭ ‬وأحفاد‭ ‬تنكروا‭ ‬له‭ ‬وألقوا‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬دار‭ ‬للمسنين،‭ ‬ولحسن‭ ‬حظه‭ ‬فإن‭ ‬ظروف‭ ‬العراق،‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تسمح‭ ‬بدور‭ ‬منفصلة‭ ‬للمسنين‭ ‬والعجزة‭ ‬من‭ ‬الجنسين،‭ ‬وهكذا‭ ‬انضمت‭ ‬كرجية‭ ‬الى‭ ‬الدار‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تضم‭ ‬سلفا‭ ‬12‭ ‬امرأة‭ ‬و41‭ ‬رجلا،‭ ‬بعد‭ ‬ان‭ ‬عانت‭ ‬هي‭ ‬بدورها‭ ‬من‭ ‬ظلم‭ ‬ذوي‭ ‬القربى‭ ‬ولم‭ ‬تجد‭ ‬مأوى‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الدار،‭ ‬وكان‭ ‬ما‭ ‬كان‭: ‬نظرة،‭ ‬فنظرة،‭ ‬فنظرة،‭ ‬فسلام‭ ‬فكلام‭ ‬كثير‭ ‬وضحكة‭ ‬وكحة‭ ‬وإحساس‭ ‬بالتوافق،‭ ‬فرسالة‭ ‬إلى‭ ‬إدارة‭ ‬الدار‭ ‬يعربان‭ ‬فيها‭ ‬عن‭ ‬رغبتهما‭ ‬في‭ ‬الزواج،‭ ‬وجاءت‭ ‬الموافقة‭ ‬سريعة‭ ‬لأن‭ ‬مديرة‭ ‬الدار‭ ‬امرأة‭ ‬وكانت‭ ‬تراقب‭ ‬‮«‬الجوز‮»‬‭ ‬وأدركت‭ ‬صدق‭ ‬عواطفهما‭ ‬تجاه‭ ‬بعضهما‭ ‬البعض،‭ ‬فألغت‭ ‬غرفة‭ ‬الحلاقة‭ ‬وحولتها‭ ‬الى‭ ‬غرفة‭ ‬نوم‭. ‬وسمع‭ ‬صاحب‭ ‬فندق‭ ‬الديوانية‭ ‬بالنجف‭ ‬بالحكاية‭ ‬فقرر‭ ‬إقامة‭ ‬حفل‭ ‬الزفاف‭ ‬على‭ ‬نفقته‭ ‬بالفندق‭. ‬

نسي‭ ‬أولاد‭ ‬وبنات‭ ‬مهدي‭ ‬وكرجية‭ ‬أمرهما،‭ ‬متعللين‭ ‬بالظروف‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والمعايش‭ ‬‮«‬الجبارة‮»‬‭ ‬التي‭ ‬صارت‭ ‬شماعة‭ ‬يعلق‭ ‬البعض‭ ‬عليها‭ ‬خزيهم‭ ‬وتجردهم‭ ‬من‭ ‬الإنسانية،‭ ‬بل‭ ‬وامتهان‭ ‬الكرامة‭ ‬بممارسة‭ ‬الطأطأة‭ ‬ولعق‭ ‬الأحذية‭ ‬لكسب‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬المال‭. ‬هؤلاء‭ ‬البعض‭ ‬يمارس‭ ‬العقوق‭ ‬بحق‭ ‬الآباء‭ ‬والأمهات‭ ‬بحجة‭ ‬‮«‬الظروف‭ ‬الصعبة‮»‬،‭ ‬ولكنهم‭ ‬لا‭ ‬يدركون‭ ‬أنهم‭ ‬سيحصدون‭ ‬ما‭ ‬زرعوه‭ ‬في‭ ‬عيالهم‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬مبالاة‭ ‬بذوي‭ ‬القربى‭ ‬فيأتي‭ ‬دورهم‭ ‬مع‭ ‬الشيخوخة‭ ‬والعجز‭ ‬فيفعل‭ ‬بهم‭ ‬عيالهم‭ ‬ما‭ ‬فعلوه‭ ‬هم‭ ‬بآبائهم‭ ‬وأمهاتهم،‭ ‬وعلى‭ ‬الباغي‭ ‬تدور‭ ‬الدوائر‭.‬

ثم‭ ‬تعالوا‭ ‬الى‭ ‬قصة‭ ‬حب‭ ‬رائعة‭ ‬أخرى‭ ‬قام‭ ‬بدور‭ ‬البطولة‭ ‬فيها‭ ‬رجلان‭ (‬للمرة‭ ‬الألف‭ ‬بعد‭ ‬التريليون‭: ‬الحب‭ ‬ليس‭ ‬الهمسات‭ ‬واللمسات‭ ‬والقبلات‭ ‬والمسجات‭ ‬والمساج،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬قيمة‭ ‬إنسانية‭ ‬سامية‭ ‬تعطي‭ ‬الحياة‭ ‬طعما‭ ‬لذيذا‭ ‬ومعنى‭ ‬ومغزى،‭ ‬ورغم‭ ‬أنها‭ ‬ككلمة‭ ‬تتألف‭ ‬من‭ ‬حرفين‭ ‬فقط‭ ‬إلا‭ ‬أنهما‭ ‬حرفان‭ ‬متخمان‭ ‬بكل‭ ‬الفنون‭ ‬البلاغية‭). ‬ما‭ ‬علينا‭: ‬كان‭ ‬السعودي‭ ‬سلمان‭ ‬الشمري‭ ‬زبونا‭ ‬دائما‭ ‬وعلى‭ ‬مدى‭ ‬سنوات‭ ‬طوال‭ ‬في‭ ‬مستشفى‭ ‬حائل‭ ‬لأنه‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬فشل‭ ‬كلوي‭ ‬وبحاجة‭ ‬الى‭ ‬غسل‭ ‬الكليتين‭ ‬بانتظام،‭ ‬وذات‭ ‬يوم‭ (‬وفق‭ ‬رواية‭ ‬صحيفة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭) ‬كان‭ ‬خليف‭ ‬الدحلان‭ ‬يزور‭ ‬شخصا‭ ‬في‭ ‬المستشفى‭ ‬عندما‭ ‬التقى‭ ‬بسلمان‭: ‬يااااه‭ ‬وينك‭ ‬يا‭ ‬رجل‭.. ‬سنين‭ ‬ما‭ ‬شفناك‭.. ‬كانا‭ ‬صديقين‭ ‬وتفرقت‭ ‬بهما‭ ‬السبل‭.. ‬وعلم‭ ‬خليف‭ ‬بأمر‭ ‬كلية‭ ‬سلمان،‭ ‬ودون‭ ‬أن‭ ‬ينبس‭ ‬بكلمة‭ ‬توجه‭ ‬الى‭ ‬الطبيب‭ ‬المشرف‭ ‬على‭ ‬علاجه‭ ‬وطلب‭ ‬منه‭ ‬إجراء‭ ‬اختبار‭ ‬على‭ ‬كليته‭ ‬لتحديد‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬تناسب‭ ‬صديقه‭ ‬القديم‭ ‬سلمان،‭ ‬وفرح‭ ‬خليف‭ ‬كثيرا‭ ‬عندما‭ ‬أبلغه‭ ‬الطبيب‭ ‬بأن‭ ‬هناك‭ ‬تطابقا‭ ‬تاما‭ ‬بين‭ ‬أنسجتهما‭. ‬بعدها‭ ‬توجه‭ ‬خليف‭ ‬الى‭ ‬سلمان‭ ‬وقال‭ ‬له‭: ‬يللا‭ ‬بلاش‭ ‬دلع‭.. ‬باكر‭ ‬ندخل‭ ‬غرفة‭ ‬العمليات‭ ‬وأسلفك‭ ‬كلية‭ ‬بس‭ ‬احترم‭ ‬نفسك‭ ‬وعامل‭ ‬كليتي‭ ‬بحنية‭. ‬حسب‭ ‬سلمان‭ ‬أن‭ ‬صاحبه‭ ‬‮«‬يهزر‮»‬‭ ‬ولكنه‭ ‬فوجئ‭ ‬بترتيبات‭ ‬نقله‭ ‬الى‭ ‬مستشفى‭ ‬في‭ ‬الرياض‭ ‬لإجراء‭ ‬الفحوصات‭ ‬النهائية‭ ‬استعدادا‭ ‬لنقل‭ ‬كلية‭ ‬صديقه‭ ‬اليه‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬التالي،‭ ‬ولم‭ ‬يصدق‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬عرض‭ ‬عليه‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الأقارب‭ ‬كلياتهم‭ ‬ولكنها‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تصلح‭ ‬معه‭. ‬لم‭ ‬يصدق‭ ‬أنه‭ ‬تخلص‭ ‬من‭ ‬معاناة‭ ‬غسل‭ ‬الكلى،‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أفاق‭ ‬من‭ ‬التخدير‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬التالي‭ ‬ووجد‭ ‬نفسه‭ ‬محاطا‭ ‬بالمهنئين‭ ‬وفي‭ ‬السرير‭ ‬المجاور‭ ‬له‭ ‬صديقه‭ ‬خليف‭ ‬يتمدد‭ ‬مبتسما‭ ‬سعيدا‭. ‬وبعد‭ ‬عدة‭ ‬أيام‭ ‬عاد‭ ‬الصديقان‭ ‬الى‭ ‬حائل‭ ‬ويعيش‭ ‬سلمان‭ ‬الآن‭ ‬حياة‭ ‬طبيعية‭ ‬وسعيدة،‭ ‬وصديقه‭ ‬خليف‭ ‬يبدو‭ ‬أكثر‭ ‬سعادة‭ ‬منه‭ ‬لأنه‭ ‬استطاع‭ ‬أن‭ ‬يقف‭ ‬معه‭ ‬في‭ ‬‮«‬ساعة‭ ‬عوزة‮»‬‭.‬

هذا‭ ‬هو‭ ‬الحب‭ ‬في‭ ‬أسمى‭ ‬وأرقى‭ ‬تجلياته‭. ‬حب‭ ‬الإنسان‭ ‬لأخيه‭ ‬الانسان‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬النظر‭ ‬الى‭ ‬اعتبارات‭ ‬الربح‭ ‬والخسارة‭. ‬فلا‭ ‬تبتئس‭ ‬وأنت‭ ‬ترى‭ ‬وفاء‭ ‬الصديق‭ ‬وتعاني‭ ‬من‭ ‬كيد‭ ‬الشقيق‭. ‬الدنيا‭ ‬بخير‭ ‬طالما‭ ‬قلبك‭ ‬عامر‭ ‬بحب‭ ‬الناس‭ ‬وحب‭ ‬الخير‭. ‬جرِّب‭ ‬متعة‭ ‬أن‭ ‬تعطي‭ ‬الحب‭ ‬وستأتيك‭ ‬متعة‭ ‬الفوز‭ ‬به‭ ‬وتدرك‭ ‬أن‭ ‬السعادة‭ ‬بالعطاء‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬عنها‭ ‬بالأخذ‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا