زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
الحب في أسمى تجلياته
أذكر أنني كتبت قبل أشهر وربما سنوات عن زواج العراقي مهدي حسن بالسيدة كرجية، وكيف كانت تلك الزيجة تتويجا لقصة حب صادقة ورائعة، وعريس كرجية لم يكن يعرف كم عدد سنوات عمره، ولكنه كان يعرف أن لديه عدة أولاد وأحفاد تنكروا له وألقوا به في دار للمسنين، ولحسن حظه فإن ظروف العراق، في السنوات الأخيرة، لم تكن تسمح بدور منفصلة للمسنين والعجزة من الجنسين، وهكذا انضمت كرجية الى الدار التي كانت تضم سلفا 12 امرأة و41 رجلا، بعد ان عانت هي بدورها من ظلم ذوي القربى ولم تجد مأوى إلا في تلك الدار، وكان ما كان: نظرة، فنظرة، فنظرة، فسلام فكلام كثير وضحكة وكحة وإحساس بالتوافق، فرسالة إلى إدارة الدار يعربان فيها عن رغبتهما في الزواج، وجاءت الموافقة سريعة لأن مديرة الدار امرأة وكانت تراقب «الجوز» وأدركت صدق عواطفهما تجاه بعضهما البعض، فألغت غرفة الحلاقة وحولتها الى غرفة نوم. وسمع صاحب فندق الديوانية بالنجف بالحكاية فقرر إقامة حفل الزفاف على نفقته بالفندق.
نسي أولاد وبنات مهدي وكرجية أمرهما، متعللين بالظروف الاقتصادية والمعايش «الجبارة» التي صارت شماعة يعلق البعض عليها خزيهم وتجردهم من الإنسانية، بل وامتهان الكرامة بممارسة الطأطأة ولعق الأحذية لكسب المزيد من المال. هؤلاء البعض يمارس العقوق بحق الآباء والأمهات بحجة «الظروف الصعبة»، ولكنهم لا يدركون أنهم سيحصدون ما زرعوه في عيالهم من عدم مبالاة بذوي القربى فيأتي دورهم مع الشيخوخة والعجز فيفعل بهم عيالهم ما فعلوه هم بآبائهم وأمهاتهم، وعلى الباغي تدور الدوائر.
ثم تعالوا الى قصة حب رائعة أخرى قام بدور البطولة فيها رجلان (للمرة الألف بعد التريليون: الحب ليس الهمسات واللمسات والقبلات والمسجات والمساج، بل هو قيمة إنسانية سامية تعطي الحياة طعما لذيذا ومعنى ومغزى، ورغم أنها ككلمة تتألف من حرفين فقط إلا أنهما حرفان متخمان بكل الفنون البلاغية). ما علينا: كان السعودي سلمان الشمري زبونا دائما وعلى مدى سنوات طوال في مستشفى حائل لأنه يعاني من فشل كلوي وبحاجة الى غسل الكليتين بانتظام، وذات يوم (وفق رواية صحيفة الشرق الأوسط) كان خليف الدحلان يزور شخصا في المستشفى عندما التقى بسلمان: يااااه وينك يا رجل.. سنين ما شفناك.. كانا صديقين وتفرقت بهما السبل.. وعلم خليف بأمر كلية سلمان، ودون أن ينبس بكلمة توجه الى الطبيب المشرف على علاجه وطلب منه إجراء اختبار على كليته لتحديد ما إذا كانت تناسب صديقه القديم سلمان، وفرح خليف كثيرا عندما أبلغه الطبيب بأن هناك تطابقا تاما بين أنسجتهما. بعدها توجه خليف الى سلمان وقال له: يللا بلاش دلع.. باكر ندخل غرفة العمليات وأسلفك كلية بس احترم نفسك وعامل كليتي بحنية. حسب سلمان أن صاحبه «يهزر» ولكنه فوجئ بترتيبات نقله الى مستشفى في الرياض لإجراء الفحوصات النهائية استعدادا لنقل كلية صديقه اليه في اليوم التالي، ولم يصدق ما يجري وهو الذي عرض عليه العديد من الأقارب كلياتهم ولكنها لم تكن تصلح معه. لم يصدق أنه تخلص من معاناة غسل الكلى، إلا بعد أن أفاق من التخدير في اليوم التالي ووجد نفسه محاطا بالمهنئين وفي السرير المجاور له صديقه خليف يتمدد مبتسما سعيدا. وبعد عدة أيام عاد الصديقان الى حائل ويعيش سلمان الآن حياة طبيعية وسعيدة، وصديقه خليف يبدو أكثر سعادة منه لأنه استطاع أن يقف معه في «ساعة عوزة».
هذا هو الحب في أسمى وأرقى تجلياته. حب الإنسان لأخيه الانسان من دون النظر الى اعتبارات الربح والخسارة. فلا تبتئس وأنت ترى وفاء الصديق وتعاني من كيد الشقيق. الدنيا بخير طالما قلبك عامر بحب الناس وحب الخير. جرِّب متعة أن تعطي الحب وستأتيك متعة الفوز به وتدرك أن السعادة بالعطاء لا تقل عنها بالأخذ.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك