يحتفي العالم في 30 من مايو في كل عام باليوم العالمي لمرض التصلب اللويحي المتعدد MS، لرفع مستوى الوعي من أجل إحداث تغيير إيجابي في حياة أكثر من 3 ملايين شخص حول العالم يعيشون مع مرض التصلب المتعدد. في الحوار التالي مع الدكتورة فرزانة السيد استشاري أمراض المخ والأعصاب بعيادة Brain) Welleness) عيادات مستشفى رويال بحرين الجنبية، نستعرض أحدث طرق العلاج والتشخيص وبعض النصائح المفيدة بجانب الخطة العلاجية.
هل مرض التصلب المتعدد في ازدياد؟ وهل نستطيع اعتباره مرضًا وراثيًّا؟
ُيعد مرض التصلب اللويحي المتعدد من أكثر أمراض المناعة الذاتية التي تصيب الجهاز العصبي المركزي شيوعًا، خصوصًا لدى الشباب والنساء. خلال السنوات الأخيرة لاحظنا زيادة في عدد الحالات المشخّصة، وهذا لا يعني بالضرورة أن المرض أصبح أكثر انتشارًا فقط، بل يعود أيضًا إلى تحسّن وسائل التشخيص، وزيادة الوعي الطبي، واستخدام الرنين المغناطيسي بشكل أوسع، مما يساعد على اكتشاف الحالات مبكرًا.
أما من ناحية الوراثة، فلا يُعد التصلب المتعدد مرضًا وراثيًا مباشرًا مثل بعض الأمراض التي تنتقل من الأب أو الأم إلى الأبناء بنمط واضح. لكنه مرض له استعداد جيني؛ أي أن وجود تاريخ عائلي قد يزيد الاحتمال قليلًا، لكنه لا يعني حتمية الإصابة.
كما أن العوامل البيئية تلعب دورًا مهمًا أيضًا، مثل نقص فيتامين (د)، قلة التعرض للشمس، التدخين، السمنة في مرحلة المراهقة، وبعض العدوى الفيروسية، وأهمها ارتباط فيروس (إبشتاين-بار) بزيادة خطر الإصابة.
ما أعراضه؟ وهل تتشابه مع أعراض أمراض عصبية أخرى؟
أعراض التصلب المتعدد متنوعة جدًا، لأن المرض قد يصيب مناطق مختلفة من الدماغ أو الحبل الشوكي أو العصب البصري.
من الأعراض الشائعة: تشوش أو فقدان مؤقت في النظر، ألم مع حركة العين، تنميل أو خدر في الأطراف، ضعف في اليدين أو الساقين، اختلال التوازن، الدوخة، ازدواجية الرؤية، الإرهاق الشديد، تيبس أو تشنج العضلات، اضطرابات التبول، آلام عصبية، ومشكلات في التركيز أو الذاكرة.
نعم، قد تتشابه أعراضه مع أمراض عصبية أخرى، ولذلك لا يمكن الاعتماد على الأعراض وحدها. بعض الحالات التي قد تشبه التصلب المتعدد تشمل نقص فيتامين ب12، التهابات الأعصاب، الجلطات الصغيرة، أمراض المناعة مثل الذئبة، التهابات الأوعية الدموية، أمراض الحبل الشوكي، وبعض أمراض العصب البصري مثل NMOSD وMOGAD. لذلك فإن التشخيص يحتاج إلى تقييم دقيق وليس مجرد وجود تنميل أو دوخة.
ما هو التشخيص الصحيح للتصلب المتعدد؟
التشخيص الصحيح يعتمد على الجمع بين التاريخ المرضي، الفحص العصبي، والرنين المغناطيسي للدماغ والحبل الشوكي، مع استبعاد الأمراض المشابهة. نبحث في الرنين عن آفات أو لويحات منتشرة في أماكن مميزة، مثل حول البطينات، جذع الدماغ، المخيخ، العصب البصري، أو الحبل الشوكي. وفي بعض الحالات نحتاج إلى تحليل السائل النخاعي للبحث عن الأشرطة قليلة النسائل، وهي علامة تدعم التشخيص.
وقد نطلب أيضًا تحاليل دم لاستبعاد نقص الفيتامينات، الالتهابات، أمراض المناعة، وبعض الأجسام المضادة الخاصة بأمراض مشابهة.
يعتمد التشخيص غالبًا على معايير (ماكدونالد)، والتي تهدف لإثبات أن الالتهاب حدث في أكثر من مكان وأكثر من وقت داخل الجهاز العصبي المركزي.
كيف نحدد نوع التصلب المتعدد؟
تحديد النوع مهم جدًا لأنه يؤثر على خطة العلاج والمتابعة. أكثر الأنواع شيوعًا هو التصلب المتعدد الانتكاسي الهاجع، حيث تحدث نوبات أو انتكاسات يعقبها تحسن كلي أو جزئي. هناك أيضًا النوع التقدمي الأولي، وفيه تتدهور الأعراض تدريجيًا من البداية دون نوبات واضحة. أما النوع التقدمي الثانوي فقد يحدث بعد سنوات من النوع الانتكاسي، حيث تقل الانتكاسات ويبدأ التدهور التدريجي.
نحدد النوع من خلال نمط الأعراض عبر الزمن، عدد الانتكاسات، درجة التعافي، نتائج الرنين المغناطيسي، ومقياس الإعاقة العصبية. المتابعة المنتظمة ضرورية لأن طبيعة المرض قد تتغير، وقد نحتاج لتعديل العلاج حسب النشاط الالتهابي أو التقدم السريري.
ما علاج التصلب المتعدد؟
علاج التصلب المتعدد ينقسم إلى ثلاثة محاور رئيسية: أولًا: علاج الانتكاسات وتقليل التهاب الأعصاب. عند حدوث انتكاسة واضحة، نستخدم غالبًا جرعات عالية من الكورتيزون الوريدي أو الفموي لفترة قصيرة، بهدف تقليل الالتهاب وتسريع التعافي. في الحالات الشديدة التي لا تستجيب، يمكن اللجوء إلى تبديل البلازما في المستشفى.
ثانيًا: العلاجات المعدلة لمسار المرض لتقليل الانتكاسات وتأخير تقدم الحالة. هذه العلاجات لا «تشفي» المرض نهائيًا، لكنها تقلل نشاطه وتحد من ظهور لويحات جديدة وتؤخر الإعاقة. الخيارات تطورت كثيرًا، وتشمل أدوية حقن، وأدوية فموية، وأدوية وريدية أو تحت الجلد عالية الفاعلية. من أمثلتها الإنترفيرونات، غلاتيرامر، فينغوليمود، ديميثيل فومارات، تيريفلونوميد، ناتاليزوماب، أوكريليزوماب، أوفاتوموماب، أليمتيزوماب، وكلادريبين وغيرها. اختيار العلاج يعتمد على شدة المرض، عمر المريض، الرغبة في الحمل، وجود أمراض أخرى، نتائج التحاليل، وخطورة الآثار الجانبية. ومن التطورات المهمة في السنوات الأخيرة التوجه إلى العلاج المبكر والفعّال، وعدم الانتظار حتى تتكرر النوبات. كما ظهرت أدوية تستهدف خلايا B المناعية وحققت نتائج مهمة، خاصة في تقليل النشاط الالتهابي وبعض أشكال المرض التقدمي. وهناك أبحاث نشطة حول مؤشرات حيوية مثل neurofilament light chain لمتابعة نشاط المرض، وأبحاث حول إصلاح الميالين والخلايا الجذعية، لكنها ليست علاجًا روتينيًا لكل المرضى حتى الآن.
ثالثًا: علاج الأعراض. قد يحتاج المريض إلى علاج للإرهاق، التشنجات، الألم العصبي، اضطرابات النوم، الاكتئاب أو القلق، مشكلات التبول، الإمساك، الدوخة، أو الضعف الجنسي. العلاج الطبيعي والتأهيل العصبي جزء أساسي من الخطة، وليس أمرًا ثانويًا. الهدف ليس فقط تقليل الانتكاسات، بل تحسين جودة حياة المريض وقدرته على العمل والدراسة والحياة اليومية.
ما العادات الصحية التي تساعد في تخفيف الأعراض؟
نمط الحياة الصحي لا يغني عن العلاج الدوائي، لكنه يساعد كثيرًا في التحكم بالأعراض وتحسين الطاقة والمزاج. أنصح المرضى بممارسة نشاط بدني منتظم ومناسب لحالتهم، مثل المشي، السباحة، تمارين التوازن، وتمارين المقاومة الخفيفة. الرياضة لم تعد ممنوعة كما كان يُعتقد سابقًا، بل هي جزء مهم من العلاج. من المهم أيضًا النوم الجيد، علاج نقص فيتامين د إن وجد، الإقلاع عن التدخين، الحفاظ على وزن صحي، تناول غذاء متوازن غني بالخضروات والبروتينات الجيدة والدهون الصحية، وتقليل الأطعمة فائقة التصنيع. كما يجب تجنب الحرارة الزائدة عند المرضى الذين تزداد أعراضهم مع الحر، وتنظيم فترات الراحة خلال اليوم. الدعم النفسي مهم جدًا، لأن المرض مزمن وقد يسبب قلقًا، لكن كثيرًا من المرضى يعيشون حياة طبيعية ومنتجة مع العلاج والمتابعة.
هل يمكن الحمل الآمن لمريضات التصلب المتعدد؟
نعم، يمكن الحمل الآمن لمعظم مريضات التصلب المتعدد، بشرط التخطيط المسبق مع طبيب المخ والأعصاب وطبيب النساء. التصلب المتعدد بحد ذاته لا يمنع الحمل غالبًا، ولا يعني أن الطفل سيصاب بالمرض، بل إن نشاط المرض قد يقل أثناء الحمل، خاصة في الثلثين الثاني والثالث، بسبب تغيرات المناعة الطبيعية خلال الحمل. لكن المهم هو التخطيط قبل الحمل، لأن بعض أدوية التصلب يجب إيقافها قبل الحمل بفترة، وبعضها قد يكون أكثر أمانًا من غيره حسب الحالة. بعد الولادة قد ترتفع احتمالية الانتكاسة، لذلك نضع خطة واضحة للرضاعة، العودة للعلاج، والمتابعة بالرنين إذا لزم الأمر. الرضاعة الطبيعية قد تكون ممكنة في كثير من الحالات، لكن القرار يعتمد على نشاط المرض ونوع العلاج المطلوب بعد الولادة.
الرسالة الأهم للمريضات: الحمل ليس ممنوعًا، لكنه يجب أن يكون حملًا مخططًا له طبيًا. ومع المتابعة الصحيحة يمكن لكثير من النساء المصابات بالتصلب المتعدد الحمل والولادة بأمان.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك