العدد : ١٧٥٩٣ - الأحد ٢٤ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٩٣ - الأحد ٢٤ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

التبغ وحرق الرئة وغيرها

قبل‭ ‬أن‭ ‬أسرد‭ ‬عليكم‭ ‬وقائع‭ ‬تتعلق‭ ‬بالتبغ‭ ‬والتدخين‭ ‬اعترف‭ ‬بأنني‭ ‬كنت‭ ‬مدخنا‭ ‬شرها‭ ‬لنحو‭ ‬ثلاثين‭ ‬سنة،‭ ‬ثم‭ ‬تُبْت،‭ ‬وثبت‭ ‬الى‭ ‬رشدي‭. ‬استغفر‭ ‬الله‭ ‬فلم‭ ‬تكن‭ ‬توبة‭ ‬نصوحا،‭ ‬لأنني‭ ‬أدخن‭ ‬بضع‭ ‬مرات‭ ‬في‭ ‬السنة‭ (‬من‭ ‬وراء‭ ‬ظهر‭ ‬زوجتي،‭ ‬وتحديدا‭ ‬عندما‭ ‬أكون‭ ‬خارج‭ ‬نطاق‭ ‬تغطيتها‭).‬

وإليكم‭ ‬الحكاية‭ ‬الأولى‭: ‬في‭ ‬مدرسة‭ ‬ثانوية‭ ‬في‭ ‬بلدة‭ ‬القوز‭ ‬السعودية‭ (‬القنفذة‭) ‬تسلل‭ ‬طالب‭ ‬إلى‭ ‬موقف‭ ‬السيارات،‭ ‬وافترش‭ ‬صحيفة‭ ‬وجلس‭ ‬عليها‭ ‬وأشعل‭ ‬سيجارة‭ ‬وهو‭ ‬يحس‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬أمان‭ ‬طالما‭ ‬أنه‭ ‬مختبئ‭ ‬خلف‭ ‬سيارة،‭ ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬أخذ‭ ‬حاجته‭ ‬من‭ ‬النيكوتين‭ ‬والقطران‭ ‬رمى‭ ‬عقب‭ ‬السيجارة‭ ‬أسفل‭ ‬السيارة،‭ ‬ونهض‭ ‬يستكشف‭ ‬الوضع‭ ‬من‭ ‬حوله‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يقرر‭ ‬التوجه‭ ‬الى‭ ‬داخل‭ ‬المدرسة‭. ‬والشائع‭ ‬هو‭ ‬ان‭ ‬السجائر‭ ‬تعدل‭ ‬المزاج‭ ‬وتجعل‭ ‬المدخن‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬استرخاء،‭ ‬ولكن‭ ‬صاحبنا‭ ‬هذا‭ ‬بدأ‭ ‬يولول‭ ‬ويصرخ‭ ‬ويبكي‭. ‬لسوء‭ ‬حظه‭ ‬كانت‭ ‬السيارة‭ ‬التي‭ ‬اختبأ‭ ‬خلفها‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬الإسهال‭ ‬والتبول‭ ‬اللاإرادي‭ ‬بسبب‭ ‬خلل‭ ‬في‭ ‬وظائف‭ ‬المثانة،‭ ‬جعل‭ ‬البنزين‭ ‬يتسرب‭ ‬منها،‭ ‬وبسبب‭ ‬العداء‭ ‬التاريخي‭ ‬بين‭ ‬البترول‭ ‬والنار،‭ ‬اعتبر‭ ‬البنزين‭ ‬وقوع‭ ‬عقب‭ ‬السيجارة‭ ‬عليه‭ ‬نوعا‭ ‬من‭ ‬التحرش‭ ‬والاستخفاف،‭ ‬فـ«شعلل‮»‬‭ ‬الأمور،‭ ‬وشبت‭ ‬النيران‭ ‬في‭ ‬ملابس‭ ‬الطالب‭ ‬والسيارة‭ ‬نفسها‭ ‬وجاء‭ ‬جماعة‭ ‬المطافئ‭ ‬واحتووا‭ ‬الحريق‭ ‬قبل‭ ‬ان‭ ‬يمتد‭ ‬الى‭ ‬بقية‭ ‬السيارات‭ ‬ومباني‭ ‬المدرسة‭. ‬بحسب‭ ‬جميع‭ ‬من‭ ‬شهد‭ ‬الواقعة‭ ‬ان‭ ‬الطالب‭ ‬ضحية‭ ‬عمل‭ ‬إجرامي‭ ‬ولكنه‭ ‬حكى‭ ‬لهم‭ ‬أمر‭ ‬السيجارة،‭ ‬وهو‭ ‬اعتراف‭ ‬سيكلفه‭ ‬كثيرا،‭ ‬لأن‭ ‬عليه‭ ‬دفع‭ ‬قيمة‭ ‬السيارة‭ ‬التي‭ ‬احترقت،‭ ‬فرغم‭ ‬ان‭ ‬السيارة‭ ‬كانت‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬التهاب‭ ‬القولون‭ ‬وتسيُّب‭ ‬المثانة‭ ‬فإن‭ ‬صاحبها‭ ‬سيشطح‭ ‬في‭ ‬تسعيرها‭ ‬كي‭ ‬يقبض‭ ‬تعويضا‭ ‬مجزيا‭.‬

كنت‭ ‬ذات‭ ‬مرة‭ ‬في‭ ‬مطار‭ ‬جدة‭ ‬عائدا‭ ‬الى‭ ‬الدوحة‭ ‬عندما‭ ‬صادفت‭ ‬صديقا‭ ‬لبنانيا،‭ ‬واللبناني‭ ‬إما‭ ‬مدمن‭ ‬تدخين،‭ ‬وبالتحديد‭ ‬سجائر‭ ‬‮«‬مارلبره‮»‬‭ ‬–‭ ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬الاسم‭ ‬الصحيح‭ ‬وليس‭ ‬مارليبوور‭ ‬–‭ ‬وإما‭ ‬تائب‭ ‬عن‭ ‬التدخين‭.. ‬يعني‭ ‬إذا‭ ‬قابلت‭ ‬لبنانيا‭ ‬بالغا‭ ‬راشدا‭ ‬وزعم‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يجرب‭ ‬التدخين‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬لخمس‭ ‬سنوات،‭ ‬فأعلم‭ ‬أنه‭ ‬إما‭ ‬كاذب‭ ‬أو‭ ‬لبناني‭ ‬بالتجنس‭ ‬بالواسطة‭. ‬المهم‭.. ‬قدم‭ ‬لي‭ ‬صاحبي‭ ‬سيجارة،‭ ‬وقبلتها‭ (‬أصبح‭ ‬ضعيف‭ ‬الشخصية‭ ‬عندما‭ ‬أكون‭ ‬على‭ ‬سفر‭ ‬وأمارس‭ ‬التدخين‭ ‬بين‭ ‬الحين‭ ‬والآخر‭ ‬ولكن‭ ‬لم‭ ‬يحدث‭ ‬أن‭ ‬دخنت‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬30‭ ‬سيجارة‭ ‬في‭ ‬السنة‭ ‬الواحدة‭ ‬خلال‭ ‬الـ30‭ ‬سنة‭ ‬الأخيرة‭. ‬اعترف‭ ‬بهذا‭ ‬وأنا‭ ‬مكسوف‭ ‬من‭ ‬نفسي‭). ‬وبينما‭ ‬نحن‭ ‬نتبادل‭ ‬الحديث‭ ‬وقف‭ ‬قربي‭ ‬صبي‭ ‬صغير‭ ‬جدا‭ ‬وانتزع‭ ‬السيجارة‭ ‬من‭ ‬يدي‭ ‬وألقى‭ ‬بها‭ ‬أرضا‭ ‬وفركها‭ ‬بحذائه‭ ‬ثم‭ ‬انصرف‭! ‬سقط‭ ‬فك‭ ‬الزلمي‭ ‬من‭ ‬الدهشة‭ ‬ثم‭ ‬قال‭:‬‭ ‬جعفار‭.. ‬شو‭ ‬ها‭ ‬البرود؟‭.. ‬حيره‭ ‬أمران‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬تعبيره‭: ‬قلة‭ ‬أدب‭ ‬ذلك‭ ‬الطفل‭ ‬وسكوتي‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬فقلت‭ ‬له‭ ‬ان‭ ‬قليل‭ ‬الأدب‭ ‬ذاك‭ ‬هو‭ ‬ولدي‭ ‬لؤي‭ (‬وكان‭ ‬وأمه‭ ‬معي‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الرحلة‭) ‬ويبدو‭ ‬أنه‭ ‬رآني‭ ‬أدخن‭ ‬فقرر‭ ‬تأديبي‭ ‬وأقدم‭ ‬على‭ ‬تلك‭ ‬الخطوة‭ ‬لـ«أتهزأ‮»‬‭ ‬بين‭ ‬جموع‭ ‬المسافرين‭.. ‬عندما‭ ‬عرف‭ ‬الزلمي‭ ‬بحقيقة‭ ‬ما‭ ‬دار‭ ‬هتف‭: ‬ربنا‭ ‬يخلي‭ ‬لك‭ ‬إياه‭ ‬وهرس‭ ‬سيجارته‭ ‬بحذائه‭.‬

قبل‭ ‬سنوات‭ ‬كنا‭ ‬ننتقل‭ ‬الى‭ ‬بيت‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬الدوحة‭ ‬وصعدت‭ ‬الى‭ ‬سطح‭ ‬البيت‭ ‬القديم‭ ‬لأحضر‭ ‬صندوقا‭ ‬به‭ ‬معدات‭ ‬مثل‭ ‬المفكات‭ ‬والمطارق‭ ‬ومفاتيح‭ ‬الحل‭ ‬والربط،‭ ‬كنت‭ ‬أتركه‭ ‬عادة‭ ‬تحت‭ (‬تانك‭) ‬خزان‭ ‬الماء‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬مرفوعا‭ ‬عن‭ ‬سطح‭ ‬السقف‭ ‬بألواح‭ ‬خشبية‭ ‬سميكة،‭ ‬وانحنيت‭ ‬لسحب‭ ‬الصندوق‭ ‬وفوجئت‭ ‬بأنه‭ ‬مغطى‭ ‬بالرماد‭ ‬وبأن‭ ‬الألواح‭ ‬الخشبية‭ ‬التي‭ ‬تسند‭ ‬الخزان‭ ‬محترقة‭ ‬جزئيا‭. ‬ظل‭ ‬ذلك‭ ‬الحادث‭ ‬لغزا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬عاد‭ ‬ولدي‭ ‬غسان‭ ‬في‭ ‬ذات‭ ‬إجازة‭ ‬من‭ ‬جامعته‭ ‬في‭ ‬نيوزلندا‭ ‬وحكى‭ ‬لي‭ ‬كيف‭ ‬أنه‭ ‬سرق‭ ‬مني‭ ‬سيجارة‭ ‬وصعد‭ ‬الى‭ ‬السطح‭ ‬وشفط‭ ‬منها‭ ‬‮«‬نفسا،‭ ‬فأصيب‭ ‬بسعال‭ ‬ديكي،‭ ‬فرمى‭ ‬بالسيجارة‭ ‬أسفل‭ ‬الخزان‭ ‬ولما‭ ‬رأى‭ ‬النيران‭ ‬تشتعل‭ ‬في‭ ‬أوراق‭ ‬متطايرة‭ ‬غادر‭ ‬المكان‭ ‬وظل‭ ‬متوجسا‭ ‬طوال‭ ‬ساعات‭ ‬في‭ ‬انتظار‭ ‬سيارات‭ ‬الإطفاء،‭ ‬ولكن‭ ‬حصل‭ ‬خير‭ ‬ولم‭ ‬يحدث‭ ‬حريق‭. ‬أي‭ ‬حدث‭ ‬حريق‭ ‬محدود‭ ‬وانتهى‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يراه‭ ‬ويحس‭ ‬به‭ ‬أحد‭. ‬والمهم‭ ‬أن‭ ‬غسان‭ ‬عرف‭ ‬ان‭ ‬السجائر‭ ‬لا‭ ‬تحرق‭ ‬فقط‭ ‬الرئة‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬تحرق‭ ‬البيوت‭.... ‬وتوووووووووبة‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا