أول امرأة بحرينية تتقلد منصب مديرة قسم للحاسب الآلي في القطاع المصرفي وتدير ناديا روتاريا عربيا.. صاحبة أول مشروع لتعليم الطبخ للأطفال بالمملكة.. حاصلة على تكريم الشيخة حصة بنت خليفة آل خليفة عن تطوعها في برنامج إنجاز البحرين وعلى شهادة الكوتشينج من جامعة أكسفورد.. مدربة محترفة واستشارية في تطوير القيادات.. محاربة السرطان.. البطلة ريم منصور مرهون لــ«أخبار الخليج»:

فلسفتي في الحياة مقولة «أحببت نفسي فاكتفيت» وأتمنى إصدار كتاب حولها
المرض منحني التفاؤل والصبر وطاقة أكبر للعمل والإنجاز
قررت استئصال الثديين وعشت أصعب ثمانية أشهر في أمريكا بمفردي
أصعب تحدٍ كان عودتي إلى البحرين بعد سنوات من نشأتي بالخارج
تربيت على مبدأ القومية العربية وعلى أنه لا فرق بين الطوائف

تقول العالمة والأديبة الألمانية روث ويستهايمر: «طريقنا ليس سهلا.. بل هو درب جبلي مليء بالصخور.. لكن كل خطوة إلى الأمام تقربنا من القمة»!
نعم، الاستمرار هو ما يصنع الوصول إلى النجاح الذي لا يأتي بسهولة، فالصعوبات جزء طبيعي من أي رحلة، والمعاناة ليست نهاية الطريق، بل بداية وإنارة لمسار آخر مليء بالأمل، فما أجمل التجارب المريرة حين تتحول إلى طاقة إيجابية محفزة على الإنجاز والتميز والتألق.
محاربة السرطان ريم منصور مرهون، كان الألم بالنسبة لها منبعا للعطاء، واختبارا للروح وللصمود وللشجاعة، وحافزا لكسر العجز، فعلى الرغم من قسوة رحلة المرض، فإنها مثلت تحديا كبيرا واجهته بكل قوة وإصرار على المواصلة.
لا شك أن السرطان رحلة قاسية قد يسلب شعرك ووزنك وصحتك وابتسامتك لكنه لا يسلب الروح والقلب، وهذا ما حدث فعليا مع هذه المرأة البطلة التي صنعت من محنتها منحة، فكانت أول بحرينية تتقلد منصب مديرة قسم الحاسب الآلي في القطاع المصرفي، هذا فضلا عن احترافها مجال التدريب القيادي.
فكيف كانت رحلة قمة العطاء والصراع من أجل البقاء؟
هذا ما سنجيب عليه في الحوار التالي:
كيف أثرت نشأتك على مسيرتك؟
لقد كانت ولادتي ونشأتي خارج البحرين، وذلك بصحبة الوالد الذي كان يعمل مستشارا ثقافيا ويتنقل كثيرا بحكم عمله، حيث ولدت في دولة الكويت، وعند عمر خمس سنوات انتقلنا إلى العراق، ومكثنا هناك حوالي عامين، ونظرا الى ظروف الحرب آنذاك توجهنا إلى العيش بالقاهرة مدة عشر سنوات، حيث أتممت هناك مرحلة الدراسة المرحلة الإعدادية، بعد ذلك عدنا إلى مملكة البحرين.
بماذا أفادك هذا التنقل؟
لا شك أن التنقل بين أكثر من دولة في فترة النشأة أكسبني قيما جميلة أهمها احترام الآخر والتعايش معه والتحلي بالمرونة والاستمتاع باستكشاف الثقافات المختلفة والتعلم السريع الأمر الذي أحدث بداخلي نضجا مبكرا والتفكير في فلسفة الوجود، وقد أتقنت اللغة العربية وعشقتها منذ نعومة أظافري ويرجع الفضل في ذلك إلى أستاذ اللغة العربية بمدرستي بالقاهرة ومن ثم تميزت في مادة التعبير، وبدأت أدون في الصف الأول الاعدادي بعض الخواطر والمشاعر والمواقف، كما كنت أهوى الاستماع إلى الموسيقى والتعمق في القرآن الكريم وفي معانيه، وساعدتني على ذلك صديقتي حفيدة الشيخ محمد متولي الشعراوي، رحمه الله، فضلا عن والدي الذي يتمتع بثقافة واسعة في مختلف المجالات، ويمكن القول بأن مرحلة وجودي في القاهرة كانت من أجمل مراحل حياتي، إلى أن واجهت أهم تحد عند العودة إلى الوطن.
وما هو ذلك التحدي؟
حين عدت إلى البحرين عشت حياة مختلفة تماما في كل شيء، في اللغة، والعادات والتقاليد، وحجم الانفتاح وغيرها، الأمر الذي مثل بالنسبة لي نقلة مهمة في مشواري منحتني قدرا كبيرا من المرونة والتقبل والرضا وعدم التفرقة بين طائفة وأخرى، باختصار نشأت على ما يسمى القومية العربية، ورغم انتمائي الى المذهب الشيعي، فإنني نشأت في عائلة ترفض التعصب والتمييز وتحترم الجميع والاختلاف، ويرجع الفضل في ذلك إلى والدي الذي زرع في نفوس عائلته تلك القيم الجميلة والذي كان لي دوما الأب والصديق في ذات الوقت.
عقب التخرج؟
بعد التخرج في الجامعة عملت في المجال المصرفي مدة عشرين عاما، وكنت أول بحرينية تتقلد منصب مدير إدارة الحاسب الآلي في هذا القطاع، وقد كافحت وبذلت كل الجهد حتى أصل إلى أعلى المراتب حتى انني حرمت من معايشة طفولة ابني في مرحلة ما، وهنا قررت الاستقالة خوفا من فشلي كأم وزوجة، وضحيت بترقية وزيادة في الراتب بنسبة كبيرة ومغرية، ثم تقاعدت وافتتحت مشروعا خاصا لتعليم الأطفال الطبخ وكان الأول من نوعه في المملكة، وبعد عامين تركته لشريكتي حين اكتشفت إصابتي بمرض السرطان، وكنت قد انخرطت في العمل التطوعي من خلال جمعيتي الطفل والأمومة والبحرين للمعوقين، وكان ذلك كان بمثابة تهيئة لأصعب امتحان في الحياة.
حدثينا عن تجربة السرطان؟
لقد كان مرض السرطان هدية عيد ميلادي الأربعين، حيث تم التشخيص في مملكة البحرين، وقد سافرت إلى الولايات المتحدة الأمريكية لبدء رحلة العلاج والتي مثلت بالنسبة لي تجربة فارقة، وكان ذلك بعد دراستي في جامعة البحرين تخصص علوم الحاسب الآلي، وقررت هناك استئصال الثديين، وعشت اصعب ثمانية أشهر في حياتي وبمفردي، حيث تركت ابنائي في رعاية زوجي ووالدتي، وأجريت العديد من الفحوصات ويمكن القول بأن هذه التجربة لم تقلب حياتي رأسا على عقب كما يعتقد البعض بل أعادتني إلى نفسي الأصلية، وقد جاء قرار التقاعد في عام 2020، أي بعد الإصابة بمرض السرطان بثلاث سنوات.
كيف أعادك السرطان إلى نفسك؟
إصابتي بمرض السرطان كانت بالنسبة لي بداية جديدة لاكتشاف نفسي والتعرف عليها وفهمها أكثر، والأهم حبها، الأمر الذي افتقدته وسط زحمة الحياة وضغوطات العمل، فقد أخطأت كثيرا حين أهملت نفسي ولم أهتم بصحتي النفسية، سنوات طوال، ومن هنا جاء المرض ليمثل لي تأملية وقفة مع النفس، ولله الحمد سخر لي الله سبحانه وتعالى كل الدعم من الأهل وجهة عملي، وهو ما دفعني للعطاء مدة ثلاث سنوات بعد الإصابة بكامل طاقتي، بل كانت من أجمل سنوات الإنجاز في حياتي.
لماذا؟
وكأن المرض كان دافعا وحافزا للعطاء بدرجة أكبر، ورغم صعوبة ومرارة التجربة، فإنني كنت دائما أشعر بالتفاؤل، وأن غدا سوف يكون أفضل، ولم يحدث قط أن ندبت حظي أو استنكرت إصابتي، بل تقبلت الأمر بكل سعة صدر وبصبر جميل، ولله الحمد نجحت في أصعب اختبار وضعني فيه القدر وبامتياز مع مرتبة الشرف.
بعد التقاعد؟
بعد التقاعد قررت العمل في مجال التدريب، وحصلت على شهادتي مدرب وكوتشينج محترف، وعلى شهادة من جامعة أكسفورد في تطوير القيادة النسائية، ودخلت هذا القطاع من أوسع أبوابه كمحترفة في معهد البحرين للدراسات المصرفية والمالية في قسم الإدارة والقيادة، وكانت بداية قوية، وواصلت مشواري بكل قوة وكفاءة.
أصعب قرار؟
يمكن القول بأن قرار التقاعد بعد مشوار طويل من الكفاح والنجاح كان أصعب قرار، فالتضحية بمنصب مرموق وبمرتب مغر ليس بالأمر السهل، وكذلك السفر لتلقي العلاج في الخارج وبمفردي كان من أقسى التجارب، ولكني لم أندم ولله الحمد على أي قرار اتخذته مهما واجهت من ورائه من صعوبات.
أجمل الإنجازات؟
كم أنا سعيدة للغاية كوني أول امرأة بحرينية تدير ناديا روتاريا عربيا «نادي روتاري سيف البحرين»، كذلك حصولي على تكريم من سمو الشيخة حصة بنت خليفة آل خليفة عن تطوعي في برنامج إنجاز البحرين من أجمل الإنجازات، وكان ذلك بمناسبة المرأة البحرينية.
أهم درس علمتك إياه الحياة؟
أهم درس علمتني إياه الحياة وتجاربها هو حكمة تقول «أحببت نفسي فاكتفيت» هذا فضلا عن القناعة التامة بأن كل شيء من حولنا متغير، وعلى المرء أن يتقبل التحديات، وأن يحلم ولا يتوقف عن تحقيق أحلامه، وشخصيا لو كانت حياتي وردية لما كانت لدي أحلام جديدة، وكم أتمنى أن أكون أحد المتحدثين في برنامج «تيد توك» واشارك الجمهور مباشرة في قصة حياتي لعل الآخرين يستفيدون منها، وبذلك أكون قد وفرت على البعض قسطا كبيرا من المعاناة التي مررت عبر مسيرتي، وكلي أمل في إصدار كتاب من تأليفي يلخص تجربتي تحت عنوان «أحببت نفسي فاكتفيت» وهو مشروع حلمي القادم الذي سأسعي بكل جهد واجتهاد لتحقيقه بمشيئة الله سبحانه وتعالى.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك