واشنطن - (د ب أ): تحولت باكستان على مدار الأسابيع الماضية إلى فاعل أساسي على الساحة الدولية، كوسيط «غير متوقع»- ولكن لا غنى عنه - في المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، حيث استضافت محادثات رفيعة المستوى في إسلام آباد، ونقلت مقترحات بين الجانبين في إطار السعي للتوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار وإنهاء الحرب.
ويعتقد جوشوا كورلانتزيك- زميل أول لشؤون جنوب شرق آسيا وجنوب آسيا في مجلس العلاقات الخارجية، الأمريكي- أن دور باكستان في المفاوضات يمثل تحولا لافتا بالنسبة الى البلاد، التي «لطالما عانت من عزلة إقليمية، واضطرابات داخلية»، مع وجود تهديد مستمر بإمكانية اندلاع حرب مع الهند المجاورة. ولم يكن لدى باكستان سوى عدد محدود من الشركاء الحقيقيين، أبرزهم الصين، التي تدين لها بنحو 70 مليار دولار، إلى جانب سجل طويل من برامج الإنقاذ المالي مع صندوق النقد الدولي يمتد لعقود.
ويقول كورلانتزيك في تحليل نشره مجلس العلاقات الخارجية: إن الخبراء دأبوا على مدار عقود على وصف باكستان بأنها «دولة فاشلة»، مشيرا إلى ما اسماه «ضعف الأمن النووي» الذي أثار مخاوف من إمكانية وقوع بعض الأسلحة النووية في أيدي جماعات إرهابية.
كما دعمت باكستان عودة حركة طالبان إلى حكم أفغانستان، ولكن سرعان ما ثارت خلافات مع الحكومة في كابول، واندلعت مواجهات بينها وبين حليفها السابق في وقت سابق العام الجاري.
ولكن الحال قد تغير بشكل قوي لصالح باكستان، حيث شرعت إسلام آباد في ممارسة نفوذ إقليمي ودولي متزايد، وأصبحت محل اهتمام دول عدة حول العالم، وقد «حققت نجاحا ملحوظا كوسيط رئيسي بين أمريكا وإيران، إذ تمكنت من تحقيق ما عجز عنه دبلوماسيون من دول غنية ومنظمات دولية كبرى لنحو خمسة عقود، وهو الجمع بين واشنطن وطهران في محادثات مباشرة. كما لعبت دورا في التوصل إلى وقف إطلاق النار الأخير في لبنان. وعلى الصعيد الإقليمي، عززت باكستان موقعها كشريك مهم، حيث عملت على الانخراط مع دول آسيا الوسطى الحبيسة عبر توفير منافذ تصدير بحرية، ومع دول جنوب شرق آسيا التي شهدت زيادة في حجم التبادل التجاري، فضلا عن تعزيز علاقاتها مع دول الشرق الأوسط، إذ وقعت اتفاق دفاع رئيسي مع السعودية في عام 2025، وعمّقت علاقتها مع تركيا ومصر «بل جرت مناقشات حول تشكيل نوع من التكتل الأمني الرباعي يضم مصر وباكستان والسعودية وتركيا». ويرى كورلانتزيك أن واشنطن تسعى إلى مزيد من التقارب مع إسلام آباد رغم التاريخ المعقد بين البلدين. فقد شهدت العلاقات بينهما، التي كانت قوية نسبيا عقب هجمات 11 سبتمبر (2001)، تدهورا سريعا في العقد التالي. ووصفَت مجلة «ذا أتلانتيك» باكستان في عام 2011 بأنها «الحليف من الجحيم»، مشيرة إلى إيوائها -عن علم أو غير علم- لزعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، وإلى الدور المزعوم لجهاز استخباراتها في دعم جماعات إرهابية. كما أوقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المساعدات العسكرية لباكستان خلال ولايته الأولى، واعتبرها لا تبذل جهدا كافيا في مكافحة الإرهاب. وبدأت الإدارة الأمريكية تنظر إلى باكستان باعتبارها دولة قادرة على الربط بين جنوب آسيا والشرق الأوسط، إلى جانب الديمقراطيات المتقدمة. كما تمتلك باكستان موارد مهمة من العناصر الأرضية النادرة، وبدأت بالفعل تصديرها إلى الولايات المتحدة.
وأيضا يبدو أن إدارة ترامب تتجه نحو التقارب مع باكستان في ظل تدهور العلاقات مع الهند، التي كانت شهدت تحسنا على مدى أكثر من عقدين. كانت العلاقات بين نيودلهي وواشنطن قد تراجعت إلى أدنى مستوياتها بسبب الرسوم الجمركية المرتفعة التي فرضتها الإدارة الأمريكية على الهند، والقيود الجديدة على تأشيرات العمل «إتش 1- ب»، والغضب الأمريكي من مشتريات الهند من النفط الروسي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك