في رسالة تشجيعية أرسلتها أخصائية التغذية العلاجية أميرة المخرف عبر «الخليج الطبي» مبينة أن ما نمر اليوم كمجتمع بحريني وخليجي بفترة صعبة واستثنائية، مؤكدة أن القلق الذي يشعر به كثيرون منا ليس ضعفاً، بل استجابة إنسانية طبيعية لظروف غير طبيعية. واضافت ان ما يصاحب هذه الفترات عادةً من اضطراب في النوم، وتغيّر في الروتين اليومي، وتراجع في مستوى الحركة والنشاط البدني، وهي تغييرات تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تُراكم ضغطاً بيولوجياً حقيقياً على الجسم. في مثل هذه الأوقات، كثيراً ما يتحول الطعام إلى ملاذ ليس جوعاً، بل تهدئةً للنفس. وهذا بالضبط ما كشفته لنا جائحة كورونا.
ماذا قالت الأرقام؟
خلال سنوات الجائحة، كشفت دراسة بحرينية أن أكثر من 63.5% من البالغين زادوا عدد وجباتهم اليومية مع ارتفاع ملحوظ في استهلاك الوجبات السريعة. وعلى مستوى المنطقة، أظهرت دراسة أن 39.1% لم يمارسوا أي نشاط بدني، و63% عانوا من اضطرابات النوم، وأن 30% زاد وزنهم خلال الجائحة.. الفئات الأكثر عرضةً كانت النساء، ومن يعانون من سمنة مسبقة، وأصحاب الحالات النفسية كالاكتئاب. لكن الأخطر ما جاء بعد انتهاء الجائحة: انتهت الجائحة، ولم تنتهِ السمنة بل تفاقمت لدى كثيرين. رصدت الدراسات اللاحقة زيادةً ملحوظة في محيط الخصر، ومقاومة الأنسولين، وارتفاع ضغط الدم، وهي من مؤشرات المتلازمة الأيضية التي تمهّد لأمراض أكثر خطورة، حيث إن السمنة مرتبطة بأكثر من 195 اضطراباً صحياً موثّقاً، من أمراض القلب والسكري إلى السرطانات وأمراض الكبد.
الحلقة المفرغة بين الأكل العاطفي والسمنة: كيف يحدث هذا؟
الأمر ليس ضعفاً في الإرادة، هي تغييرات فيزيولوجية، حيث تبدأ الحلقة بالتوتر والقلق وقلة النوم وانعدام الحركة، وبالتالي يرتفع الكورتيزول — هرمون التوتر — ويدفع الجسم نحو خيارات عالية السكر والدهون كاستجابة بيولوجية دفاعية. هذه الوجبات السريعة والسناكات المصنّعة تُحفز بدورها نظام اللذة في الدماغ وتولّد رغبةً متصاعدة في تكرار هذا النوع من الأطعمة. الأكل المتكرر لهذه الخيارات يؤدي إلى تغيرات أيضية تراكمية وسعرات مرتفعة. ثم تأتي المرحلة الأكثر إشكالية: هذه التغييرات الأيضية والهرمونية تُخلّ بمعدلات السكر في الدم وهرمونات الجوع والشبع، فيصبح الشخص «جائعاً دائماً» حتى بعد الأكل. والنتيجة حلقة لا تنتهي: سعرات مرتفعة، واختلال أيضي وهرموني، وزيادة وزن متصاعدة.
كيف نكسر الحلقة؟
الخبر الجيد أن التدخل في أي نقطة من هذه الحلقة يؤثر في بقية حلقاتها. الخطوة الأولى والأكثر أثراً هي استعادة الروتين اليومي: وقت نوم منتظم، وأوقات محددة للحركة ولو كانت بسيطة مثل المشي، لأن النوم الكافي والحركة يخفّضان الكورتيزول ويُعيدان ضبط هرمونات الجوع والشبع. الخطوة الثانية هي الاعتماد بصورة رئيسية على وجبات منزلية متوازنة وتقليل الوصول إلى الأطعمة المصنّعة والوجبات السريعة خلال الأوقات العصيبة تحديداً، لأن هذا يُقلّل من تحفيز نظام اللذة في الدماغ ويكسر دورة الإفراط في تناول هذه الأطعمة.
ومن المهم أن نتذكر أننا لسنا مضطرين لمواجهة هذه التحديات وحدنا. إذا لاحظت أن القلق والتوتر باتا يسيطران على يومك وأن عاداتك الغذائية ونمط حياتك بدأ بالتأثر بشكل ملحوظ فإن التواصل مع مختص — سواء كان طبيباً أو أخصائيا نفسيا أو أخصائي تغذية — قد يكون الفارق الحقيقي لتحصل على الدعم المناسب لحماية صحتك على المدى البعيد.
ما تعلّمناه من جائحة كورونا لا يزال ذا صلة اليوم، في كل موجة من موجات الضغط التي يمر بها مجتمعنا. فهم الآلية البيولوجية وراء الأكل العاطفي ليس ترفاً فكرياً، هو الخطوة الأولى نحو حماية صحتنا وصحة عائلاتنا ومجتمعنا في الأوقات الأصعب.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك