في السنوات الأخيرة، شهدنا تطورًا ملحوظًا في فهم وعلاج السمنة، وهو ما انعكس على ظهور أدوية حديثة تستهدف آليات متقدمة تتحكم في الجوع والشبع. ومن هذا المنطلق أوضحت البروفيسور دلال الرميحي استشاري الغدد الصماء والسكري بمستشفى عوالي أن من بين هذه التطورات، يبرز الاهتمام الحالي بأدوية فموية جديدة تعمل بآلية مشابهة لهرمون طبيعي في الجسم يُعرف بـ GLP-1، مشيرة إلى الدور المهم الذي يلعبه في تنظيم الشهية ومستويات السكر.
وأكدت بروفيسور الرميحي على أن هذا التقدم لا يمثل مجرد إضافة دوائية، بل خطوة نحو زيادة الخيارات العلاجية بطريقة أكثر مرونة وتناسب احتياجات المرضى المختلفة.
مشددة على أن السمنة لم تعد تُصنّف كمسألة نمط حياة فقط، بل هي مرض مزمن معقد تتداخل فيه عوامل وراثية، وهرمونية وبيئية وسلوكية. هذا الفهم الحديث يفرض علينا كمجتمع وكقطاع صحي أن نبتعد عن الوصمة المرتبطة بالوزن، وأن نتعامل مع السمنة كما نتعامل مع أي مرض مزمن آخر يحتاج إلى تقييم وعلاج طويل الأمد مع الاعتماد على علاجات تستند على دعم علمي وطبي مبني على الأدلة.
وأضافت بروفيسور الرميحي، تعتمد هذه الأدوية الجديدة على محاكاة تأثير هرمون GLP-1، حيث تعمل على تقليل الشهية، وزيادة الإحساس بالشبع، وإبطاء إفراغ المعدة، مما يساعد الشخص على تقليل كمية الطعام بشكل طبيعي. وقد أظهرت الدراسات أن هذا النهج يمكن أن يؤدي إلى فقدان وزن ملحوظ عند استخدامه ضمن خطة علاجية متكاملة.
وأظهرت الدراسات الحديثة على الدواء الفموي الجديد Orforglipron نتائج واعدة في إنقاص الوزن وتحسين المؤشرات الأيضية. وقد بينت التجارب السريرية أن استخدامه المنتظم يمكن أن يؤدي إلى فقدان وزن ملحوظ عند دمجه مع نمط حياة صحي، إلى جانب تحسن في مستويات السكر في الدم وبعض عوامل الخطورة القلبية، مما يعزز مكانته كخيار علاجي جديد ضمن علاج السمنة كمرض مزمن.
فيما يتعلق ببيانات الدراسات، فقد شملت التجارب السريرية على Orforglipron أكثر من 3,000 شخص من البالغين الذين يعانون من السمنة أو زيادة الوزن. وأظهرت النتائج أن المرضى الذين استخدموا الدواء حققوا فقدانًا في الوزن يتراوح في المتوسط بين نحو 10% إلى 15% من وزن الجسم خلال فترة تمتد إلى 36–52 أسبوعًا. كما لوحظ تحسن في مستويات سكر الدم وعوامل الخطورة القلبية، وكانت الآثار الجانبية في الغالب خفيفة إلى متوسطة ومحصورة بشكل رئيسي في أعراض الجهاز الهضمي مثل الغثيان واضطرابات المعدة، وغالبًا ما تكون مؤقتة وتتحسن مع الاستمرار على العلاج.
وما يميز الدواء الجديد (Orforglipron) أوضحت البروفيسور الرميحي عدة نقاط منها، سهولة استخدامه، إذ يمكن تناوله في أي وقت خلال اليوم دون الحاجة إلى الارتباط الصارم بتوقيت معين أو اشتراطات معقدة مرتبطة بالطعام، وهو ما قد يسهم في تحسين التزام المرضى بالعلاج. كما أن توفره على شكل أقراص فموية يجعله خيارًا مفضلًا لدى شريحة من المرضى الذين يفضلون تجنب الحقن. وقد تم اعتماد هذا النوع من العلاجات في الولايات المتحدة الأمريكية ودولة الإمارات العربية المتحدة، ما يعكس ثقة الجهات التنظيمية بفعاليته وسلامته ضمن الاستخدام الطبي المنضبط.
إن توفر خيارات علاجية متعددة، سواء كانت حقنًا أو أقراصًا، يمنح الأطباء والمرضى فرصة لتخصيص العلاج بشكل أفضل، وهو ما يُعد جوهر الطب الحديث. فليس هناك حل واحد يناسب الجميع، بل رحلة علاجية تختلف من شخص لآخر، تتطلب المتابعة والتقييم المستمر.
واختتمت موجهة رسالة مهمة، أن السمنة مرض يستحق العلاج بعناية ومن دون وصمة. ومع التقدم العلمي المستمر، أصبح لدينا أدوات أكثر فاعلية لدعم المرضى في هذه الرحلة. إلا أن النجاح الحقيقي يكمن في الجمع بين العلاج الدوائي وتغيير نمط الحياة، للوصول إلى نتائج مستدامة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك