العدد : ١٧٥٤٣ - السبت ٠٤ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ شوّال ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٤٣ - السبت ٠٤ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ شوّال ١٤٤٧هـ

أخبار البحرين

الخيانة.. والخروج من المعنى والانتماء

بقلم: سميرة بن رجب

السبت ٠٤ أبريل ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬اللغة،‭ ‬الخيانة‭ ‬هي‭ ‬‮«‬نقض‭ ‬العهد‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬إخلافُ‭ ‬الوعد‮»‬‭ ‬في‭ ‬أعلى‭ ‬درجاته‭. ‬لكن‭ ‬فلسفياً،‭ ‬الخيانة‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬كسر‭ ‬للقاعدة،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬انتهاك‭ ‬لعلاقة‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬الثقة‭ ‬تكون‭ ‬فيها‭ ‬التوقعات‭ ‬متبادلة‭ ‬ومعلنة‭ ‬أو‭ ‬ضمنية‭.‬

يمكن‭ ‬تمييز‭ ‬الخيانة‭ ‬عن‭ ‬الغش‭ ‬والكذب‭ ‬العاديين‭ ‬بأن‭ ‬لها‭ ‬عناصر‭ ‬محددة،‭ ‬أهمها‭ ‬أنها‭ ‬تنطوي‭ ‬على‭ ‬علاقة‭ ‬سابقة‭ ‬بين‭ ‬الطرفين؛‭ ‬وأن‭ ‬تكون‭ ‬انتهاكًا‭ ‬لأمانة‭ ‬أودعت‭ ‬لدى‭ ‬أحد‭ ‬الطرفين‭ ‬بوعي؛‭ ‬وأن‭ ‬تحمل‭ ‬بعدًا‭ ‬وجوديًّا‭ ‬لأنها‭ ‬تمس‭ ‬هوية‭ ‬الخائن‭.‬

أما‭ ‬‮«‬خيانة‭ ‬الوطن‮»‬‭ ‬فهي‭ ‬حالة‭ ‬خاصة؛‭ ‬لأن‭ ‬الوطن‭ ‬ليس‭ ‬طرفًا‭ ‬بشريًّا‭ ‬يمكن‭ ‬مقاضاته،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬مركز‭ ‬انتماء‭ ‬ومعنى‭.. ‬لذلك‭ ‬تعتبر‭ ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬الثقافات‭ ‬أخطر‭ ‬أنواع‭ ‬الخيانة‭.‬

إن‭ ‬مفهوم‭ ‬الوطن‭ ‬يتجاوز‭ ‬التعريفات‭ ‬الجغرافية‭ ‬والقانونية‭.. ‬فهو‭ ‬حقيقة‭ ‬وجودية‭ ‬تلامس‭ ‬أعماق‭ ‬الإنسان،‭ ‬وقيمة‭ ‬أخلاقية‭ ‬تستدعي‭ ‬الالتزام‭ ‬والتضحية،‭ ‬ووحدة‭ ‬جدلية‭ ‬لا‭ ‬تنفصل‭ ‬فيها‭ ‬الجذور‭ ‬عن‭ ‬الأغصان،‭ ‬ولا‭ ‬الماضي‭ ‬عن‭ ‬المستقبل‭.‬

الوطن‭ ‬بهذا‭ ‬المعنى‭ ‬ليس‭ ‬شيئًا‭ ‬نملكه،‭ ‬بل‭ ‬شيئا‭ ‬نكونه،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬المعنى‭ ‬الذي‭ ‬نعطيه،‭ ‬والانتماء‭ ‬الذي‭ ‬نعيه‭ ‬بجذوره‭ ‬وأبعاده‭ ‬الوجدانية‭.‬

إذن؛‭ ‬في‭ ‬بعدها‭ ‬الوجودي‭ ‬تمثل‭ ‬خيانة‭ ‬الوطن‭ ‬لحظة‭ ‬انقطاع‭ ‬حاد‭ ‬عن‭ ‬الجذور؛‭ ‬فالخائن‭ ‬لا‭ ‬يَنقُضُ‭ ‬عهدًا‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يقذف‭ ‬بنفسه‭ ‬خارج‭ ‬المعنى‭ (‬أو‭ ‬خارج‭ ‬الانتماء‭) ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يمنحه‭ ‬هويته‭.‬

في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬الوجود‭ ‬والعدم‮»‬،‭ ‬يشير‭ ‬الفيلسوف‭ ‬الفرنسي‭ ‬جان‭ ‬بول‭ ‬سارتر‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الخيانة‭ ‬هي‭ ‬شكل‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬‮«‬سوء‭ ‬النية‮»‬‭ ‬المتطرف،‭ ‬إذ‭ ‬يختار‭ ‬الإنسان‭ ‬أن‭ ‬يتنصل‭ ‬من‭ ‬حريته‭ ‬في‭ ‬الالتزام،‭ ‬متظاهرًا‭ ‬بأنه‭ ‬مجبرٌ‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬فعل‭.‬

أما‭ ‬في‭ ‬البعد‭ ‬الأخلاقي،‭ ‬فإن‭ ‬الخيانة‭ ‬تواجه‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬الأسئلة‭ ‬الفلسفية‭ ‬الكبرى،‭ ‬وهي‭: ‬هل‭ ‬الخيانة‭ ‬شر‭ ‬مطلق،‭ ‬أم‭ ‬تتحدد‭ ‬بمرجعية‭ ‬الأخلاق؟

من‭ ‬منظور‭ ‬أخلاقي‭ ‬مطلق‭ (‬الأديان‭) ‬فإن‭ ‬الخيانة‭ ‬خطيئة‭ ‬أخلاقية؛‭ ‬لأنها‭ ‬تنتهك‭ ‬قاعدة‭ ‬‮«‬لا‭ ‬تكذب‮»‬‭ ‬و«أوفِ‭ ‬بوعودك‮»‬‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬السياق‭.‬

أما‭ ‬بول‭ ‬ريكور‭ ‬فيذكر‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬الذاكرة،‭ ‬التاريخ،‭ ‬النسيان‮»‬‭ ‬أن‭ ‬‮«‬خيانة‭ ‬الوطن‮»‬‭ ‬تتفرد‭ ‬بين‭ ‬أنواع‭ ‬الخيانة؛‭ ‬لأنها‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬الخيانة‭ ‬الشخصية‭ ‬للآباء‭ ‬والأجداد‭ ‬والمجتمع،‭ ‬والخيانة‭ ‬الميتافيزيقية‭ ‬لانتماء‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬العقد‭.‬

ويقول‭ ‬الفيلسوف‭ ‬الفرنسي‭ ‬إن‭ ‬الوطن‭ ‬هو‭ ‬‮«‬الأرض‭ ‬التي‭ ‬اختارها‭ ‬أجدادنا‭ ‬لتكون‭ ‬قبرًا‭ ‬لهم‮»‬‭. ‬لذلك،‭ ‬خيانته‭ ‬ليست‭ ‬خيانة‭ ‬لمؤسسة‭ ‬أو‭ ‬حكومة،‭ ‬بل‭ ‬خيانة‭ ‬للذاكرة‭ ‬والجسد‭ ‬الجمعي‭ (‬Memory‭, ‬History‭, ‬Forgetting‭/ ‬Paul‭ ‬Ricoeur;‭ ‬The‭ ‬University‭ ‬of‭ ‬Chicago‭ ‬Press‭, ‬2006‭).‬

أما‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬الإسلامي‭ ‬فإن‭ ‬الخيانة‭ (‬بمعنى‭ ‬الغدر‭ ‬ونقض‭ ‬العهد‭) ‬محرمة‭ ‬بنصوص‭ ‬قطعية‭ ‬في‭ ‬ذم‭ ‬الخيانة‭ ‬والخائنين‭ ‬بقوله‭ ‬تعالى‭: ‬‮«‬إِنَّ‭ ‬اللَّهَ‭ ‬لَا‭ ‬يُحِبُّ‭ ‬الْخَائِنِينَ‮»‬‭ (‬الأنفال‭: ‬58‭)‬،‭ ‬و«إِنَّ‭ ‬اللَّهَ‭ ‬لَا‭ ‬يُحِبُّ‭ ‬مَنْ‭ ‬كَانَ‭ ‬خَوَّانًا‭ ‬أَثِيمًا‮»‬‭ (‬النساء‭: ‬107‭)‬،‭ ‬وقوله‭ ‬‮«‬إِنَّ‭ ‬شَرَّ‭ ‬الدَّوَابِّ‭ ‬عِنْدَ‭ ‬اللَّهِ‭ ‬الَّذِينَ‭ ‬كَفَرُوا‭ ‬فَهُمْ‭ ‬لَا‭ ‬يُؤْمِنُونَ‭* ‬الَّذِينَ‭ ‬عَاهَدْتَ‭ ‬مِنْهُمْ‭ ‬ثُمَّ‭ ‬يَنْقُضُونَ‭ ‬عَهْدَهُمْ‭ ‬فِي‭ ‬كُلِّ‭ ‬مَرَّةٍ‭ ‬وَهُمْ‭ ‬لَا‭ ‬يَتَّقُونَ‮»‬‭ (‬الأنفال‭: ‬55‭-‬56‭).‬

هذه‭ ‬النصوص‭ ‬الإلهية‭ ‬تقف‭ ‬سدًّا‭ ‬منيعًا‭ ‬أمام‭ ‬الفلسفات‭ ‬التي‭ ‬بررت‭ ‬الخيانة‭ ‬بنصوص‭ ‬إشكالية‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬أغلبها‭ ‬ذريعة‭ ‬للحركات‭ ‬الدينية،‭ ‬والعلمانية،‭ ‬والبراغماتية،‭ ‬والحزبية‭.. ‬وغيرها،‭ ‬التي‭ ‬خرجت‭ ‬من‭ ‬المعنى‭ ‬والانتماء‭ ‬للأرض‭ ‬والعهد‭ ‬لتبرير‭ ‬مواقف‭ ‬الخيانة،‭ ‬فجاءت‭ ‬عبر‭ ‬التاريخ‭ ‬بالغزاة‭ ‬والمحتلين‭ ‬إلى‭ ‬أرض‭ ‬المسلمين‭.. ‬وأعادت‭ ‬إنتاج‭ ‬الإشكالية‭ ‬في‭ ‬عصرنا‭ ‬هذا‭ ‬الذي‭ ‬يُعاد‭ ‬فيه‭ ‬بناء‭ ‬مفاهيم‭ ‬جديدة‭ ‬للغزو‭ ‬والاحتلال،‭ ‬والإرهاب‭ ‬والدمار،‭ ‬والصراعات‭ ‬والحروب‭ ‬بالوكالة،‭ ‬ونهب‭ ‬ثروات‭ ‬الأمم‭ ‬والشعوب‭.‬

وبعيدًا‭ ‬عن‭ ‬التجريد،‭ ‬فإن‭ ‬الخيانة‭ ‬كتجربة‭ ‬إنسانية‭ ‬تعني‭ ‬تمزق‭ ‬الثقة‭ ‬بين‭ ‬أفراد‭ ‬المجتمع‭ ‬الواحد؛‭ ‬لأن‭ ‬الخيانة‭ ‬لا‭ ‬تُدَمّر‭ ‬العلاقة‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬تدمر‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الثقة‭ ‬أصلا‭.. ‬وإن‭ ‬من‭ ‬يتعرض‭ ‬لعمل‭ ‬الخيانة‭ ‬يعيش‭ ‬حياته‭ ‬مع‭ ‬‮«‬ندبة‭ ‬وجودية‮»‬‭ ‬داخلية،‭ ‬متسائلا‭ ‬عن‭ ‬هويته،‭ ‬وكيف‭ ‬انخدع؟‭ ‬وهل‭ ‬كان‭ ‬يستحق‭ ‬ذلك؟

وبجانب‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬يعيش‭ ‬الخائن‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الغموض‭ ‬الأخلاقي‭ ‬مع‭ ‬ذاته،‭ ‬والانقسام‭ ‬بين‭ ‬التبرير‭ ‬والشعور‭ ‬بالعار‭.‬

لذلك،‭ ‬وكمسألة‭ ‬إنسانية،‭ ‬تم‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالخيانة‭ ‬كواحدة‭ ‬من‭ ‬‮«‬الحالات‭ ‬الحدية‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬هشاشة‭ ‬الإنسان‭ ‬وحريته‭ ‬في‭ ‬آن،‭ ‬وتكشف‭ ‬عن‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬الالتزام،‭ ‬وتناقض‭ ‬ولاءاته‭.. ‬وإن‭ ‬الخيانة‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬فعل،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬نافذة‭ ‬لفهم‭ ‬كيف‭ ‬نبني‭ ‬الثقة‭ ‬وكيف‭ ‬تنهار‭.‬

لذلك‭ ‬تبقى‭ ‬الخيانة‭ ‬سؤالا‭ ‬مفتوحًا‭ ‬حول‭ ‬هشاشة‭ ‬الإنسان‭.. ‬ويبقى‭ ‬في‭ ‬الطرف‭ ‬الآخر‭ ‬الاهتمام‭ ‬ببناء‭ ‬الإنسان‭ ‬بأطره‭ ‬الفكرية‭ ‬والعقائدية،‭ ‬ووعيه،‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬معالجات‭ ‬هذه‭ ‬الهشاشة،‭ ‬التي‭ ‬يتم‭ ‬وضعها‭ ‬على‭ ‬قواعد‭ ‬منيعة،‭ ‬مبكرًا،‭ ‬لتوازن‭ ‬القيم‭ ‬الأخلاقية‭ ‬والروحية‭ ‬والبنيوية‭.‬

 

sr@sameerarajab‭.‬net

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا