يشكّل الخطاب الإعلامي العربي تجاه ما تواجهه دول مجلس التعاون من عدوان إيراني صريح ومباشر، اختباراً حقيقياً لقدرة المنظومة الإعلامية العربية على التوفيق بين متطلبات الأمن القومي واعتبارات التوازن السياسي، في ظل تصاعد حدة الضربات الإيرانية وما رافقها من تداعيات إقليمية معقدة. ويكشف تحليل مضمون التغطيات الصادرة عن وكالات الأنباء الرسمية عن وجود اتجاهين رئيسيين: خطاب خليجي موحّد يتسم بالوضوح والحزم، مقابل خطاب عربي متباين يتراوح بين الإدانة الصريحة والدعوة إلى التهدئة وضبط النفس.
ففي دول مجلس التعاون الخليجي، اتسم الخطاب الإعلامي بدرجة عالية من الاتساق، حيث ركّز على تأطير الضربات الإيرانية باعتبارها «انتهاكاً صارخاً للسيادة» وتهديداً مباشراً للأمن الإقليمي، واستند هذا الخطاب إلى مرتكزات قانونية وإنسانية، أبرزها الاحتفاظ بحق الرد وفق القانون الدولي، وحماية المدنيين والمنشآت الحيوية، ما أسهم في بناء سردية إعلامية متماسكة تستهدف كسب التأييد الدولي والإقليمي.
في المقابل، عكست التغطيات الإعلامية في عدد من الدول العربية الأخرى نمطاً أكثر حذراً، حيث جرى توصيف الأحداث في إطار «التصعيد الإقليمي» بدلاً من «الاعتداء المباشر»، مع التركيز على الدعوة إلى الحلول الدبلوماسية، ويعكس هذا التوجه اعتبارات داخلية وإقليمية، من بينها توازنات سياسية معقدة، وارتباطات اقتصادية، وحسابات تتعلق بالاستقرار الداخلي.
هذا التباين في الخطاب الإعلامي العربي لا يعكس فقط اختلافاً في التقدير السياسي، بل يكشف أيضاً عن فجوة بين وحدة الموقف المبدئي المتمثل في رفض انتهاك السيادة، وتعدد أنماط التعبير الإعلامي عنه. ففي حين نجحت وسائل الإعلام الخليجية في توحيد الرسالة وتكثيفها، بقيت الساحة الإعلامية العربية الأوسع عرضة لتعدد السرديات، وهو ما أضعف نسبياً من فاعلية الرسالة العربية الجماعية على المستوى الدولي.
مع ذلك، يمكن القول إن الأداء الإعلامي الخليجي حقق مكسباً مهماً عبر تثبيت سردية قانونية وإنسانية متماسكة للأزمة، غير أن التحدي الاستراتيجي يكمن في توسيع نطاق هذا الخطاب ليشمل بيئات إعلامية عربية مختلفة، بما يضمن تقليص فجوات التفسير والتأويل. ويبرز هنا دور التنسيق الإعلامي العربي المشترك في إنتاج محتوى موحّد متعدد اللغات، قادر على مخاطبة الرأي العام الدولي وتعزيز مشروعية الموقف الخليجي.
في المحصلة، يتحدد مستقبل الخطاب الإعلامي العربي في هذه الأزمة بمدى قدرته على التحول من حالة التباين إلى إطار تكاملي، يوازن بين الخصوصيات الوطنية ومتطلبات الأمن الإقليمي.
ويبقى لمنظمة التعاون الإسلامي وجامعة الدول العربية في هذه الأزمة دوراً محورياً على مستوى إدارة الخطاب عبر تفعيل آليات التنسيق الإعلامي والدبلوماسي تحت مظلتهما، بما يسهم في تقليص فجوة التباين العربي، وتعزيز فاعلية الاستجابة الجماعية في مواجهة التحديات الإقليمية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك