العدد : ١٧٥٣٤ - الخميس ٢٦ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ شوّال ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٣٤ - الخميس ٢٦ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ شوّال ١٤٤٧هـ

مقالات

الخليج يختبر الإعلام العربي بين التردد وإثبات الموقف

بقلم: د. وجدان فهد

الخميس ٢٦ مارس ٢٠٢٦ - 02:00

يشكّل‭ ‬الخطاب‭ ‬الإعلامي‭ ‬العربي‭ ‬تجاه‭ ‬ما‭ ‬تواجهه‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬من‭ ‬عدوان‭ ‬إيراني‭ ‬صريح‭ ‬ومباشر،‭ ‬اختباراً‭ ‬حقيقياً‭ ‬لقدرة‭ ‬المنظومة‭ ‬الإعلامية‭ ‬العربية‭ ‬على‭ ‬التوفيق‭ ‬بين‭ ‬متطلبات‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬واعتبارات‭ ‬التوازن‭ ‬السياسي،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تصاعد‭ ‬حدة‭ ‬الضربات‭ ‬الإيرانية‭ ‬وما‭ ‬رافقها‭ ‬من‭ ‬تداعيات‭ ‬إقليمية‭ ‬معقدة‭. ‬ويكشف‭ ‬تحليل‭ ‬مضمون‭ ‬التغطيات‭ ‬الصادرة‭ ‬عن‭ ‬وكالات‭ ‬الأنباء‭ ‬الرسمية‭ ‬عن‭ ‬وجود‭ ‬اتجاهين‭ ‬رئيسيين‭: ‬خطاب‭ ‬خليجي‭ ‬موحّد‭ ‬يتسم‭ ‬بالوضوح‭ ‬والحزم،‭ ‬مقابل‭ ‬خطاب‭ ‬عربي‭ ‬متباين‭ ‬يتراوح‭ ‬بين‭ ‬الإدانة‭ ‬الصريحة‭ ‬والدعوة‭ ‬إلى‭ ‬التهدئة‭ ‬وضبط‭ ‬النفس‭.‬

ففي‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي،‭ ‬اتسم‭ ‬الخطاب‭ ‬الإعلامي‭ ‬بدرجة‭ ‬عالية‭ ‬من‭ ‬الاتساق،‭ ‬حيث‭ ‬ركّز‭ ‬على‭ ‬تأطير‭ ‬الضربات‭ ‬الإيرانية‭ ‬باعتبارها‭ ‬‮«‬انتهاكاً‭ ‬صارخاً‭ ‬للسيادة‮»‬‭ ‬وتهديداً‭ ‬مباشراً‭ ‬للأمن‭ ‬الإقليمي،‭ ‬واستند‭ ‬هذا‭ ‬الخطاب‭ ‬إلى‭ ‬مرتكزات‭ ‬قانونية‭ ‬وإنسانية،‭ ‬أبرزها‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بحق‭ ‬الرد‭ ‬وفق‭ ‬القانون‭ ‬الدولي،‭ ‬وحماية‭ ‬المدنيين‭ ‬والمنشآت‭ ‬الحيوية،‭ ‬ما‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬سردية‭ ‬إعلامية‭ ‬متماسكة‭ ‬تستهدف‭ ‬كسب‭ ‬التأييد‭ ‬الدولي‭ ‬والإقليمي‭.‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬عكست‭ ‬التغطيات‭ ‬الإعلامية‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬الأخرى‭ ‬نمطاً‭ ‬أكثر‭ ‬حذراً،‭ ‬حيث‭ ‬جرى‭ ‬توصيف‭ ‬الأحداث‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬‮«‬التصعيد‭ ‬الإقليمي‮»‬‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬‮«‬الاعتداء‭ ‬المباشر‮»‬،‭ ‬مع‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬الدعوة‭ ‬إلى‭ ‬الحلول‭ ‬الدبلوماسية،‭ ‬ويعكس‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬اعتبارات‭ ‬داخلية‭ ‬وإقليمية،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬توازنات‭ ‬سياسية‭ ‬معقدة،‭ ‬وارتباطات‭ ‬اقتصادية،‭ ‬وحسابات‭ ‬تتعلق‭ ‬بالاستقرار‭ ‬الداخلي‭.‬

هذا‭ ‬التباين‭ ‬في‭ ‬الخطاب‭ ‬الإعلامي‭ ‬العربي‭ ‬لا‭ ‬يعكس‭ ‬فقط‭ ‬اختلافاً‭ ‬في‭ ‬التقدير‭ ‬السياسي،‭ ‬بل‭ ‬يكشف‭ ‬أيضاً‭ ‬عن‭ ‬فجوة‭ ‬بين‭ ‬وحدة‭ ‬الموقف‭ ‬المبدئي‭ ‬المتمثل‭ ‬في‭ ‬رفض‭ ‬انتهاك‭ ‬السيادة،‭ ‬وتعدد‭ ‬أنماط‭ ‬التعبير‭ ‬الإعلامي‭ ‬عنه‭. ‬ففي‭ ‬حين‭ ‬نجحت‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬الخليجية‭ ‬في‭ ‬توحيد‭ ‬الرسالة‭ ‬وتكثيفها،‭ ‬بقيت‭ ‬الساحة‭ ‬الإعلامية‭ ‬العربية‭ ‬الأوسع‭ ‬عرضة‭ ‬لتعدد‭ ‬السرديات،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أضعف‭ ‬نسبياً‭ ‬من‭ ‬فاعلية‭ ‬الرسالة‭ ‬العربية‭ ‬الجماعية‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الدولي‭.‬

مع‭ ‬ذلك،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬الأداء‭ ‬الإعلامي‭ ‬الخليجي‭ ‬حقق‭ ‬مكسباً‭ ‬مهماً‭ ‬عبر‭ ‬تثبيت‭ ‬سردية‭ ‬قانونية‭ ‬وإنسانية‭ ‬متماسكة‭ ‬للأزمة،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬التحدي‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬توسيع‭ ‬نطاق‭ ‬هذا‭ ‬الخطاب‭ ‬ليشمل‭ ‬بيئات‭ ‬إعلامية‭ ‬عربية‭ ‬مختلفة،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬تقليص‭ ‬فجوات‭ ‬التفسير‭ ‬والتأويل‭. ‬ويبرز‭ ‬هنا‭ ‬دور‭ ‬التنسيق‭ ‬الإعلامي‭ ‬العربي‭ ‬المشترك‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬محتوى‭ ‬موحّد‭ ‬متعدد‭ ‬اللغات،‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬مخاطبة‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬الدولي‭ ‬وتعزيز‭ ‬مشروعية‭ ‬الموقف‭ ‬الخليجي‭.‬

في‭ ‬المحصلة،‭ ‬يتحدد‭ ‬مستقبل‭ ‬الخطاب‭ ‬الإعلامي‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأزمة‭ ‬بمدى‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬التحول‭ ‬من‭ ‬حالة‭ ‬التباين‭ ‬إلى‭ ‬إطار‭ ‬تكاملي،‭ ‬يوازن‭ ‬بين‭ ‬الخصوصيات‭ ‬الوطنية‭ ‬ومتطلبات‭ ‬الأمن‭ ‬الإقليمي‭.‬

ويبقى‭ ‬لمنظمة‭ ‬التعاون‭ ‬الإسلامي‭ ‬وجامعة‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأزمة‭ ‬دوراً‭ ‬محورياً‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬إدارة‭ ‬الخطاب‭ ‬عبر‭ ‬تفعيل‭ ‬آليات‭ ‬التنسيق‭ ‬الإعلامي‭ ‬والدبلوماسي‭ ‬تحت‭ ‬مظلتهما،‭ ‬بما‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬تقليص‭ ‬فجوة‭ ‬التباين‭ ‬العربي،‭ ‬وتعزيز‭ ‬فاعلية‭ ‬الاستجابة‭ ‬الجماعية‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬التحديات‭ ‬الإقليمية‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا