العدد : ١٧٥٣٢ - الثلاثاء ٢٤ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٥ شوّال ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٣٢ - الثلاثاء ٢٤ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٥ شوّال ١٤٤٧هـ

مقالات

نهاية الحرب... وماذا بعد؟

بقلم: سميرة بن رجب

الأحد ٢٢ مارس ٢٠٢٦ - 02:00

اختلفت‭ ‬الرؤى‭ ‬الاستشرافية‭ ‬حول‭ ‬احتمالات‭ ‬سبل‭ ‬انتهاء‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬ضد‭ ‬إيران،‭ ‬والاستشراف‭ ‬عادة‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬معقدًا،‭ ‬عندما‭ ‬يتحمل‭ ‬التحليل‭ ‬الجيوسياسي‭ ‬عدة‭ ‬سيناريوهات‭ ‬والتنبؤ‭ ‬بالنتائج،‭ ‬وما‭ ‬سنناقشه‭ ‬هو‭ ‬رؤية‭ ‬تحليلية‭ ‬لسيناريوهات‭ ‬محتملة،‭ ‬وليس‭ ‬تنبؤًا‭ ‬بالمستقبل‭.‬

ولأن‭ ‬التحولات‭ ‬الكبرى‭ ‬لا‭ ‬تحدث‭ ‬بين‭ ‬ليلة‭ ‬وضحاها،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬سنوات،‭ ‬لذلك‭ ‬يهمنا‭ ‬جميعًا‭ ‬معرفة‭ ‬الرؤية‭ ‬الاستشرافية‭ ‬لنهاية‭ ‬الحرب‭ ‬القائمة‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬منذ‭ ‬28‭ ‬فبراير‭ ‬2026،‭ ‬والسيناريوهات‭ ‬المحتملة‭ ‬لما‭ ‬بعد‭ ‬الحرب،‭ ‬لأنها‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬أمننا‭ ‬ومعيشتنا،‭ ‬وفي‭ ‬التحولات‭ ‬المستقبلية،‭ ‬التي‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬بداية‭ ‬النهاية‮»‬‭ ‬للنظام‭ ‬الإقليمي‭ ‬القائم‭. ‬ولا‭ ‬نعني‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬المنطقة‭ ‬ستختفي،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬قواعد‭ ‬اللعبة‭ ‬التي‭ ‬اعتدنا‭ ‬عليها‭ ‬عقودًا‭ ‬أصبحت‭ ‬تحت‭ ‬الضغط‭ ‬وقد‭ ‬تتغير‭ ‬جذريًّا‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬القادمة‭.‬

إذن؛‭ ‬استنتاج‭ ‬رؤية‭ ‬متوازنة‭ ‬حول‭ ‬سيناريوهات‭ ‬محتملة‭ ‬لنهاية‭ ‬الحرب‭ ‬الدائرة‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإسرائيل‭ ‬وبين‭ ‬إيران،‭ ‬واعتمادًا‭ ‬على‭ ‬المعلومات‭ ‬المتاحة،‭ ‬سيعكس‭ ‬التعقيدات‭ ‬الموجودة‭ ‬في‭ ‬المشهد،‭ ‬وتباين‭ ‬الرؤى،‭ ‬وتشابك‭ ‬المصالح‭ ‬بين‭ ‬الأطراف‭ ‬المختلفة؛‭ ‬وتناقضات‭ ‬تشمل‭ ‬الفجوة‭ ‬العميقة‭ ‬بين‭ ‬تصريحات‭ ‬ترامب‭ ‬المهمة‭ ‬حول‭ ‬ربط‭ ‬انتهاء‭ ‬الحرب‭ ‬بـ«شعور‭ ‬في‭ ‬أعماقه‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬يعكس‭ ‬غياب‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬أو‭ ‬التعتيم‭ ‬على‭ ‬أمر‭ ‬ما،‭ ‬وبين‭ ‬تحليل‭ ‬الخلافات‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬حول‭ ‬أهداف‭ ‬الحرب،‭ ‬حيث‭ ‬تسعى‭ ‬إسرائيل‭ ‬لإسقاط‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬بينما‭ ‬تريد‭ ‬واشنطن‭ ‬نصرًا‭ ‬سريعًا‭ (‬bbc‭.‬com‭/‬arabic‭/‬articles‭/‬ce8n73zyl4zo‭). ‬

يضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬محاولات‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬لتجنب‭ ‬الانزلاق‭ ‬إلى‭ ‬الحرب‭ ‬مع‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الشراكة‭ ‬الأمنية‭ ‬مع‭ ‬أمريكا،‭ ‬رغم‭ ‬مؤشرات‭ ‬التصعيد‭ ‬الميداني‭ ‬وليس‭ ‬التهدئة،‭ ‬وتقديرات‭ ‬استمرار‭ ‬الحرب‭ ‬أسابيع‭ ‬أو‭ ‬أشهرا،‭ ‬مع‭ ‬خطر‭ ‬إغلاق‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭. ‬

إن‭ ‬هذه‭ ‬التناقضات‭ ‬والتعقيدات‭ ‬تجعل‭ ‬تصور‭ ‬النهاية‭ ‬الواحدة‭ ‬لهذه‭ ‬المواجهة‭ ‬غير‭ ‬مرجحة،‭ ‬بل‭ ‬يمكن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬سيناريوهات‭ ‬تتداخل‭ ‬فيها‭ ‬العوامل‭ ‬العسكرية‭ ‬والسياسية‭ ‬والاقتصادية‭.‬

 

سيناريو‭ ‬‮«‬الانتصار‭ ‬المحدود‮»‬‭ ‬

والانسحاب‭ ‬الأمريكي‭ ‬التدريجي

هذا‭ ‬السيناريو‭ ‬يستند‭ ‬إلى‭ ‬الرغبة‭ ‬الأمريكية‭ ‬الواضحة‭ ‬في‭ ‬عدم‭ ‬الانجرار‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬طويلة‭ ‬ومكلفة،‭ ‬كما‭ ‬ذكرنا‭ ‬في‭ ‬مقالات‭ ‬سابقة،‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يرجح‭ ‬إعلان‭ ‬‮«‬نصر‭ ‬استراتيجي‮»‬‭ ‬يسمح‭ ‬ببدء‭ ‬مفاوضات‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬قوة‭. ‬

العقبة‭ ‬الكبرى‭ ‬أمام‭ ‬هذا‭ ‬السيناريو‭ ‬هي‭ ‬إسرائيل؛‭ ‬إذ‭ ‬تعتبر‭ ‬حكومة‭ ‬نتنياهو‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬‮«‬فرصة‭ ‬تاريخية‮»‬‭ ‬لإسقاط‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬بالكامل‭. ‬وإذا‭ ‬قررت‭ ‬أمريكا‭ ‬الانسحاب‭ ‬فقد‭ ‬تجد‭ ‬إسرائيل‭ ‬نفسها‭ ‬وحيدة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬تحاول‭ ‬تل‭ ‬أبيب‭ ‬التحسب‭ ‬له‭ ‬منذ‭ ‬الآن‭ ‬عبر‭ ‬تعزيز‭ ‬سيطرتها‭ ‬على‭ ‬الجهد‭ ‬الجوي‭.‬

 

سيناريو‭ ‬‮«‬الاستنزاف‭ ‬المتبادل‮»‬‭ ‬

وتوسع‭ ‬رقعة‭ ‬الحرب

وهو‭ ‬سيناريو‭ ‬أشرنا‭ ‬إليه‭ ‬سابقًا،‭ ‬الذي‭ ‬يُرَجّح‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬فشل‭ ‬محاولات‭ ‬تحقيق‭ ‬نصر‭ ‬حاسم‭ ‬سريع‭ ‬تحول‭ ‬المواجهة‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬استنزاف‭ ‬إقليمية‭ ‬واسعة؛‭ ‬ولكن‭ ‬لربما‭ ‬يكون‭ ‬التحدي‭ ‬الرئيسي‭ ‬أمام‭ ‬هذا‭ ‬السيناريو‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الاستنزاف‭ ‬سيشمل‭ ‬الجميع،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تحقيق‭ ‬أهداف‭ ‬استراتيجية‭ ‬واضحة‭.‬

والسيناريو‭ ‬الأهم‭ ‬الذي‭ ‬نرمي‭ ‬إلى‭ ‬الحديث‭ ‬حوله‭ ‬هو‭ ‬سيناريو‭ ‬‮«‬إعادة‭ ‬الرسم‭ ‬الإقليمي‮»‬‭ ‬عبر‭ ‬تغيير‭ ‬النظام‭.‬

وهو‭ ‬السيناريو‭ ‬الذي‭ ‬تريده‭ ‬إسرائيل‭ ‬ويخشاه‭ ‬الجميع،‭ ‬ويُبنى‭ ‬على‭ ‬فرضية‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬نقطة‭ ‬الانهيار‭ ‬الداخلي‭ ‬في‭ ‬إيران،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬استمرار‭ ‬الضغط‭ ‬العسكري‭ ‬والاقتصادي‭ ‬بهدف‭ ‬خلق‭ ‬ظروف‭ ‬مواتية‭ ‬لانتفاضة‭ ‬شعبية‭ ‬تطيح‭ ‬بالنظام‭. ‬تتضمن‭ ‬الخطة،‭ ‬كما‭ ‬كشف‭ ‬مسؤولون،‭ ‬استخدام‭ ‬أنشطة‭ ‬سرية‭ ‬ودعم‭ ‬مجموعات‭ ‬معارضة،‭ ‬بل‭ ‬حتى‭ ‬فكرة‭ ‬إشراك‭ ‬الأكراد،‭ ‬التي‭ ‬رفضوها‭ ‬حاليًّا‭ (‬وكالات‭ ‬أنباء‭).‬

إن‭ ‬التحدي‭ ‬الرئيسي‭ ‬أمام‭ ‬هذه‭ ‬الفرضية،‭ ‬حتى‭ ‬الآن،‭ ‬هو‭ ‬تماسك‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني،‭ ‬الذي‭ ‬يبدو‭ ‬قادرًا‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬الحرب،‭ ‬رغم‭ ‬الضربات‭ ‬الموجعة‭ ‬التي‭ ‬تلقاها؛‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬سيطرة‭ ‬الأجهزة‭ ‬الأمنية‭ ‬على‭ ‬الشارع‭ ‬بيد‭ ‬من‭ ‬حديد،‭ ‬ما‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬تحرك‭ ‬شعبي‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬غياب‭ ‬دعم‭ ‬خارجي‭ ‬سيكون‭ ‬‮«‬انتحاريًّا‮»‬‭.. ‬علمًا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التحدي‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬ينتفي‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬لحظة‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬استمرار‭ ‬التصعيد‭ ‬الحربي‭ ‬والدمار‭. ‬

الأمر‭ ‬الأخطر‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬السيناريو‭ ‬يحمل‭ ‬في‭ ‬طياته‭ ‬خطر‭ ‬انهيار‭ ‬الدولة‭ ‬الإيرانية‭ ‬بالكامل،‭ ‬ما‭ ‬يخلق‭ ‬فراغًا‭ ‬داخل‭ ‬إيران‭ ‬قد‭ ‬تملؤه‭ ‬قوى‭ ‬لا‭ ‬ترغب‭ ‬بها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬واسرائيل،‭ ‬وفراغًا‭ ‬في‭ ‬النفوذ‭ ‬الأمني‭ ‬الحديدي‭ ‬الذي‭ ‬تفرضه‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬وهذا‭ ‬يمثل‭ ‬كابوسًا‭ ‬أمنيًّا‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭.‬

رغم‭ ‬ذلك،‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬نتنياهو‭ ‬يصر‭ ‬على‭ ‬تشجيع‭ ‬الإيرانيين‭ ‬‮«‬للنزول‭ ‬إلى‭ ‬الشارع‮»‬،‭ ‬ووعده‭ ‬بـ‮«‬مفاجآت‭ ‬خاصة»؛‭ ‬ولربما‭ ‬اغتيال‭ ‬علي‭ ‬لاريجاني‭ ‬وقيادات‭ ‬الباسيج‭ ‬يوم‭ ‬الثلاثاء‭ ‬17‭ ‬مارس‭ ‬2026‭ ‬كان‭ ‬إحدى‭ ‬هذه‭ ‬المفاجآت‭ ‬التي‭ ‬وعد‭ ‬بها‭. ‬ومن‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى،‭ ‬هناك‭ ‬استياء‭ ‬شعبي‭ ‬متصاعد‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬بسبب‭ ‬الظروف‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المتردية،‭ ‬لكن‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬‮«‬الاستياء‮»‬‭ ‬و«الانتفاضة‮»‬‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬واسعة‭.‬

 

رؤية‭ ‬شاملة‭: ‬كيف‭ ‬تنتهي‭ ‬الحرب؟

بالعودة‭ ‬إلى‭ ‬تحليلاتنا‭ ‬السابقة‭ ‬حول‭ ‬تناقض‭ ‬الموقف‭ ‬الأمريكي‭ ‬ومعضلة‭ ‬‮«‬الفوضى‭ ‬المدمرة‮»‬،‭ ‬أرى‭ ‬أن‭ ‬نهاية‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬لن‭ ‬تكون‭ ‬حاسمة‭ ‬أو‭ ‬واضحة؛‭ ‬والسيناريو‭ ‬الأكثر‭ ‬ترجيحًا‭ ‬هو مزيج‭ ‬من‭ ‬السيناريوهين‭ ‬الأول‭ ‬والثاني؛‭ ‬أي‭ ‬انتصارًا‭ ‬محدودًا‭ ‬تعلنه‭ ‬أمريكا‭ ‬يسمح‭ ‬لها‭ ‬بالانسحاب‭ ‬التدريجي،‭ ‬تاركةً‭ ‬وراءها‭ ‬منطقة‭ ‬مشتعلة‭ ‬تدير‭ ‬إسرائيل‭ ‬وإيران‭ ‬وحلفاؤها‭ (‬أذرعها‭) ‬دوامة‭ ‬استنزاف‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد‭.‬

أما‭ ‬العوامل‭ ‬الحاسمة‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تُرَجّح‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬فهي،‭ ‬أولا‭: ‬قدرة‭ ‬إيران‭ ‬على‭ ‬الصبر‮ ‬واستمرار‭ ‬تهديدها‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭ ‬والملاحة‭ ‬الدولية؛‭ ‬ثانيا‭: ‬قدرة‭ ‬إسرائيل‭ ‬على‭ ‬مواصلة‭ ‬الحرب‭ ‬وحدها إذا‭ ‬انسحبت‭ ‬أمريكا،‭ ‬وهو‭ ‬احتمال‭ ‬تبدو‭ ‬إسرائيل‭ ‬قلقة‭ ‬منه‭ ‬ولا‭ ‬بد‭ ‬أنها‭ ‬تستعد‭ ‬له؛‭ ‬وثالثا‭: ‬حسابات‭ ‬دول‭ ‬الخليج التي‭ ‬تتحرك‭ ‬بحذر‭ ‬شديد‭ ‬لتجنب‭ ‬الانزلاق‭ ‬في‭ ‬الحرب،‭ ‬مع‭ ‬إعادة‭ ‬تقييم‭ ‬علاقتها‭ ‬الأمنية‭ ‬مع‭ ‬واشنطن‭.‬

الخلاصة،‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬نشهد‭ ‬‮«‬نهاية‮»‬‭ ‬تقليدية‭ ‬للحرب،‭ ‬بل‭ ‬تحولها‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬الصراع‭ ‬المفتوح‭ ‬وغير‭ ‬المعلن،‭ ‬إذ‭ ‬يُعاد‭ ‬رسم‭ ‬خريطة‭ ‬المنطقة،‭ ‬ليس‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬خطط‭ ‬مرسومة‭ ‬بدقة،‭ ‬بل‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬قدرة‭ ‬كل‭ ‬طرف‭ ‬على‭ ‬فرض‭ ‬وقائع‭ ‬جديدة‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬وتحمّل‭ ‬كلفة‭ ‬استمرار‭ ‬المواجهة‭.‬

والسؤال‭ ‬الجوهري‭ ‬هنا‭: ‬هل‭ ‬نحن‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬متقدمة‭ ‬من‭ ‬مشروع‭ ‬‮«‬إعادة‭ ‬رسم‭ ‬خريطة‭ ‬المنطقة‮»‬‭ ‬عبر‭ ‬نظرية‭ ‬‮«‬الفوضى‭ ‬الخلاقة‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬التبشير‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2006؟‭ ‬

نعم؛‭ ‬بإعادة‭ ‬الأحداث‭ ‬الجارية‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬إلى‭ ‬سياقها‭ ‬الفكري‭ ‬والتاريخي‭ ‬الأوسع‭ ‬فإن‭ ‬إحداثيات‭ ‬الحرب‭ ‬الدائرة‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المشروع‭ ‬بات‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬‮«‬ذروة‭ ‬المواجهة‮»‬،‭ ‬ولكن‭ ‬المرحلة‭ ‬الأخيرة‭ ‬ستحددها‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬الفوضى،‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬لم‭ ‬يثبت‭ ‬بعد‭.‬

والسؤال‭ ‬الآخر‭: ‬هل‭ ‬المنطقة‭ ‬تتجه‭ ‬نحو‭ ‬‮«‬المشروع‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬الكبير»؟

لطالما‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬خيوط‭ ‬واضحة‭ ‬تربط‭ ‬‮«‬مشروع‭ ‬إعادة‭ ‬رسم‭ ‬خريطة‭ ‬المنطقة‮»‬‭ ‬بالمحافظين‭ ‬الجدد‭(‬Neoconservatives‭) ‬،‭ ‬ولكن‭ ‬قد‭ ‬تثبت‭ ‬الأحداث‭ ‬الجارية‭ ‬أن‭ ‬تَبَنّي‭ ‬إدارة‭ ‬بوش‭ ‬الابن‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مجرد‭ ‬رد‭ ‬فعل‭ ‬على‭ ‬أحداث‭ ‬11‭ ‬سبتمبر،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬رؤية‭ ‬استراتيجية‭ ‬شاملة‭ ‬عبر‭ ‬إسقاط‭ ‬الأنظمة‭ ‬‮«‬المعادية‮»‬،‭ ‬وزرع‭ ‬أنظمة‭ ‬‮«‬موالية‮»‬،‭ ‬وتفتيت‭ ‬التهديدات‭ ‬المركزية‮ ‬لضمان‭ ‬تفوق‭ ‬إسرائيلي‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭.‬

إذن؛‭ ‬ما‭ ‬نراه‭ ‬الآن‭ ‬قد‭ ‬يكون‮ «‬المرحلة‭ ‬الأخيرة‮»‬‭ ‬من‭ ‬مشروع‭ ‬‮«‬إعادة‭ ‬الرسم‮»‬،‭ ‬لكن‭ ‬مع‭ ‬تعديل‭ ‬جوهري‭ ‬في‭ ‬الأدوات‭ ‬والشركاء،‭ ‬بدءًا‭ ‬بإسرائيل‭ ‬كعقل‭ ‬مدبر‭ ‬وليس‭ ‬مجرد‭ ‬حليف،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬خطاب‭ ‬نتنياهو‭ ‬أمام‭ ‬الكونجرس،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يعكس‭ ‬رؤية‭ ‬إسرائيلية‭ ‬واضحة‭ ‬باغتنام‭ ‬الفرصة‭ ‬التاريخية،‭ ‬وسعيه‭ ‬لاستغلال‭ ‬فرصة‭ ‬وجود‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬الحالي‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬استخدامه‭ ‬كأداة؛‭ ‬وصولا‭ ‬إلى‭ ‬استهداف‭ ‬‮«‬العمق‭ ‬العربي‮»‬‭ ‬كجزء‭ ‬من‭ ‬الخطة‭ ‬لحرق‭ ‬الجسور،‭ ‬وإشراك‭ ‬العرب‭ ‬في‭ ‬تحالف‭ ‬أمني‭ ‬عسكري‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل،‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يُدعى‭ ‬‮«‬الناتو‭ ‬العربي‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬طالما‭ ‬حلمت‭ ‬به‭ ‬تل‭ ‬أبيب‭.‬

أما‭ ‬التعقيدات‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬أقل‭ ‬وضوحًا‭ ‬فيمكن‭ ‬إيجازها‭ ‬في‭ ‬الآتي‭: ‬أولا‭: ‬عدم‭ ‬تطابق‭ ‬المصالح‭ ‬الأمريكية‭ ‬والإسرائيلية‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬‮«‬تشكّل‭ ‬نظام‭ ‬دولي‭ ‬جديد‮»‬‭ ‬تواجه‭ ‬فيها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬أولويات‭ ‬كبرى‭ (‬الصين،‭ ‬روسيا،‭ ‬الاقتصاد‭)‬؛‭ ‬بجانب‭ ‬ما‭ ‬تشكّله‭ ‬الفوضى‭ ‬الكاملة‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬من‭ ‬عبء‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تحمله‭ ‬الآن،‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يدفع‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬إلى‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬حماية‭ ‬من‭ ‬الصين‭ ‬أو‭ ‬روسيا،‭ ‬وهذا‭ ‬ضد‭ ‬المصالح‭ ‬الأمريكية،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نتجاهل‭ ‬الانقسام‭ ‬الداخلي‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬ترامب‭ ‬بين‭ ‬تيار‭ ‬يريد‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬الحروب،‭ ‬وتيار‭ ‬يريد‭ ‬إكمال‭ ‬المشروع،‭ ‬وما‭ ‬يشكله‭ ‬من‭ ‬صراع‭ ‬معطِّل‭ ‬لأي‭ ‬خطة‭ ‬واضحة‭. ‬ثانيا‭: ‬المخاوف‭ ‬غير‭ ‬المعلنة‭ ‬من‭ ‬سيناريو‭ ‬‮«‬الانهيار‮»‬‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬الحرب‭. ‬وثالثاً‭: ‬الصمود‭ ‬غير‭ ‬المتوقّع‭ ‬لإيران‭ ‬حتى‭ ‬الآن،‭ ‬رغم‭ ‬الضربات‭ ‬القاسية،‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬استهداف‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬وإسرائيل،‭ ‬ما‭ ‬يعقد‭ ‬المعادلة،‭ ‬ويُعَد‭ ‬مؤشر‭ ‬مقلق‭ ‬لما‭ ‬بعد‭ ‬الانهيار‭.‬

إن‭ ‬مشروع‭ ‬‮«‬تغيير‭ ‬خريطة‭ ‬المنطقة‮»‬‭ ‬أصبح‭ ‬يستند‭ ‬إلى‭ ‬تاريخ‭ ‬فكري‭ ‬وسياسي‭ ‬حقيقي،‭ ‬وقد‭ ‬يكون‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬الآن‭ ‬هو‭ ‬التقاطع‭ ‬الخطير بين‭ ‬رغبة‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬إنهاء‭ ‬الحرب‭ ‬وإكمال‭ ‬المشروع،‭ ‬ورغبة‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬نصر‭ ‬سريع،‭ ‬ورغبة‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬البقاء‭. ‬أما‭ ‬النتيجة‭ ‬فليست‭ ‬بالضرورة‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬كما‭ ‬خطط‭ ‬له‭ ‬أحد‭ ‬الأطراف‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المعادلة‭.‬

لذلك‭ ‬قد‭ ‬يعتبر‭ ‬السيناريو‭ ‬الأكثر‭ ‬احتمالا‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬إسرائيل‭ ‬التي‭ ‬تملك‭ ‬مشروعًا‭ ‬استراتيجيا‭ ‬لإنهاء‭ ‬الصراع‭ ‬عبر‭ ‬إعادة‭ ‬رسم‭ ‬الخريطة،‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬دفع‭ ‬ترامب‭ ‬لتنفيذ‭ ‬مشروعها،‭ ‬لكنها‭ ‬الآن‭ ‬قد‭ ‬تفقد‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬مسارها،‭ ‬وأن‭ ‬الفوضى‭ ‬قد‭ ‬تصبح‭ ‬واقعا،‭ ‬و«إعادة‭ ‬الرسم‮»‬‭ ‬قد‭ ‬تتم،‭ ‬لكن‭ ‬ليس‭ ‬بالضرورة‭ ‬بالطريقة‭ ‬التي‭ ‬رسمها‭ ‬المحافظون‭ ‬الجدد‭ ‬في‭ ‬أوراقهم؛‭ ‬أي‭ ‬لن‭ ‬تكون‭ ‬هذه‭ ‬الخريطة‭ ‬القادمة‭ ‬مرسومة‭ ‬بطريقة‭ ‬محكمة‭.‬

وما‭ ‬نشهده‭ ‬الآن‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬المنطقة‭ ‬في‮ ‬ذروة‭ ‬الفوضى قبل‭ ‬أن‭ ‬تتشكل‭ ‬ملامح‭ ‬أي‭ ‬نظام‭ ‬جديد‭. ‬والفرق‭ ‬بين‭ ‬‮«‬الفوضى‭ ‬الخلاقة‮»‬‭ ‬و‮«‬الفوضى‭ ‬المدمرة‮»‬‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الأولى‭ ‬تخضع‭ ‬لسيطرة‭ ‬واضعها،‭ ‬والثانية‭ ‬تخرج‭ ‬عن‭ ‬السيطرة‭ ‬وتأكل‭ ‬الجميع‭.‬

وأخيرًا،‭ ‬لربما‭ ‬نتمكن‭ ‬في‭ ‬مقالات‭ ‬قادمة‭ ‬من‭ ‬وضع‭ ‬تصور‭ ‬فكري‭-‬علمي‭ ‬حول‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬رسم‭ ‬خريطة‭ ‬المنطقة‮»‬‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬الأدبيات‭ ‬الفكرية‭ ‬والسياسية‭ ‬لأصحاب‭ ‬المشروع،‭ ‬الذي‭ ‬سينقل‭ ‬الاستشراف‭ ‬من‭ ‬التحليل‭ ‬النظري‭ ‬إلى تصور‭ ‬ملموس‭.. ‬وهذا‭ ‬ليس‭ ‬وعدًا،‭ ‬ولكنه‭ ‬احتمالٌ‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬عدة‭ ‬عوامل‭.‬

 

sr@sameerarajab‭.‬net

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا