اختلفت الرؤى الاستشرافية حول احتمالات سبل انتهاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، والاستشراف عادة ما يكون معقدًا، عندما يتحمل التحليل الجيوسياسي عدة سيناريوهات والتنبؤ بالنتائج، وما سنناقشه هو رؤية تحليلية لسيناريوهات محتملة، وليس تنبؤًا بالمستقبل.
ولأن التحولات الكبرى لا تحدث بين ليلة وضحاها، بل تمتد سنوات، لذلك يهمنا جميعًا معرفة الرؤية الاستشرافية لنهاية الحرب القائمة في الخليج العربي منذ 28 فبراير 2026، والسيناريوهات المحتملة لما بعد الحرب، لأنها تؤثر في أمننا ومعيشتنا، وفي التحولات المستقبلية، التي تشير إلى «بداية النهاية» للنظام الإقليمي القائم. ولا نعني هنا أن المنطقة ستختفي، بل إن قواعد اللعبة التي اعتدنا عليها عقودًا أصبحت تحت الضغط وقد تتغير جذريًّا خلال السنوات القادمة.
إذن؛ استنتاج رؤية متوازنة حول سيناريوهات محتملة لنهاية الحرب الدائرة في الخليج بين الولايات المتحدة وإسرائيل وبين إيران، واعتمادًا على المعلومات المتاحة، سيعكس التعقيدات الموجودة في المشهد، وتباين الرؤى، وتشابك المصالح بين الأطراف المختلفة؛ وتناقضات تشمل الفجوة العميقة بين تصريحات ترامب المهمة حول ربط انتهاء الحرب بـ«شعور في أعماقه»، الذي يعكس غياب الاستراتيجية أو التعتيم على أمر ما، وبين تحليل الخلافات الأمريكية الإسرائيلية حول أهداف الحرب، حيث تسعى إسرائيل لإسقاط النظام الإيراني بينما تريد واشنطن نصرًا سريعًا (bbc.com/arabic/articles/ce8n73zyl4zo).
يضاف إلى ذلك محاولات دول الخليج لتجنب الانزلاق إلى الحرب مع الحفاظ على الشراكة الأمنية مع أمريكا، رغم مؤشرات التصعيد الميداني وليس التهدئة، وتقديرات استمرار الحرب أسابيع أو أشهرا، مع خطر إغلاق مضيق هرمز.
إن هذه التناقضات والتعقيدات تجعل تصور النهاية الواحدة لهذه المواجهة غير مرجحة، بل يمكن الحديث عن سيناريوهات تتداخل فيها العوامل العسكرية والسياسية والاقتصادية.
سيناريو «الانتصار المحدود»
والانسحاب الأمريكي التدريجي
هذا السيناريو يستند إلى الرغبة الأمريكية الواضحة في عدم الانجرار إلى حرب طويلة ومكلفة، كما ذكرنا في مقالات سابقة، ما قد يرجح إعلان «نصر استراتيجي» يسمح ببدء مفاوضات من موقع قوة.
العقبة الكبرى أمام هذا السيناريو هي إسرائيل؛ إذ تعتبر حكومة نتنياهو هذه الحرب «فرصة تاريخية» لإسقاط النظام الإيراني بالكامل. وإذا قررت أمريكا الانسحاب فقد تجد إسرائيل نفسها وحيدة، وهو ما تحاول تل أبيب التحسب له منذ الآن عبر تعزيز سيطرتها على الجهد الجوي.
سيناريو «الاستنزاف المتبادل»
وتوسع رقعة الحرب
وهو سيناريو أشرنا إليه سابقًا، الذي يُرَجّح في حال فشل محاولات تحقيق نصر حاسم سريع تحول المواجهة إلى حرب استنزاف إقليمية واسعة؛ ولكن لربما يكون التحدي الرئيسي أمام هذا السيناريو هو أن الاستنزاف سيشمل الجميع، من دون تحقيق أهداف استراتيجية واضحة.
والسيناريو الأهم الذي نرمي إلى الحديث حوله هو سيناريو «إعادة الرسم الإقليمي» عبر تغيير النظام.
وهو السيناريو الذي تريده إسرائيل ويخشاه الجميع، ويُبنى على فرضية الوصول إلى نقطة الانهيار الداخلي في إيران، من خلال استمرار الضغط العسكري والاقتصادي بهدف خلق ظروف مواتية لانتفاضة شعبية تطيح بالنظام. تتضمن الخطة، كما كشف مسؤولون، استخدام أنشطة سرية ودعم مجموعات معارضة، بل حتى فكرة إشراك الأكراد، التي رفضوها حاليًّا (وكالات أنباء).
إن التحدي الرئيسي أمام هذه الفرضية، حتى الآن، هو تماسك النظام الإيراني، الذي يبدو قادرًا على إدارة الحرب، رغم الضربات الموجعة التي تلقاها؛ إضافة إلى سيطرة الأجهزة الأمنية على الشارع بيد من حديد، ما يشير إلى أن أي تحرك شعبي في ظل غياب دعم خارجي سيكون «انتحاريًّا».. علمًا أن هذا التحدي من الممكن أن ينتفي في أي لحظة في حال استمرار التصعيد الحربي والدمار.
الأمر الأخطر هو أن هذا السيناريو يحمل في طياته خطر انهيار الدولة الإيرانية بالكامل، ما يخلق فراغًا داخل إيران قد تملؤه قوى لا ترغب بها الولايات المتحدة واسرائيل، وفراغًا في النفوذ الأمني الحديدي الذي تفرضه إيران في العراق، وهذا يمثل كابوسًا أمنيًّا للولايات المتحدة.
رغم ذلك، لا يزال نتنياهو يصر على تشجيع الإيرانيين «للنزول إلى الشارع»، ووعده بـ«مفاجآت خاصة»؛ ولربما اغتيال علي لاريجاني وقيادات الباسيج يوم الثلاثاء 17 مارس 2026 كان إحدى هذه المفاجآت التي وعد بها. ومن ناحية أخرى، هناك استياء شعبي متصاعد في إيران بسبب الظروف الاقتصادية المتردية، لكن الفجوة بين «الاستياء» و«الانتفاضة» لا تزال واسعة.
رؤية شاملة: كيف تنتهي الحرب؟
بالعودة إلى تحليلاتنا السابقة حول تناقض الموقف الأمريكي ومعضلة «الفوضى المدمرة»، أرى أن نهاية هذه الحرب لن تكون حاسمة أو واضحة؛ والسيناريو الأكثر ترجيحًا هو مزيج من السيناريوهين الأول والثاني؛ أي انتصارًا محدودًا تعلنه أمريكا يسمح لها بالانسحاب التدريجي، تاركةً وراءها منطقة مشتعلة تدير إسرائيل وإيران وحلفاؤها (أذرعها) دوامة استنزاف طويلة الأمد.
أما العوامل الحاسمة التي قد تُرَجّح هذا المشهد فهي، أولا: قدرة إيران على الصبر واستمرار تهديدها لدول الخليج والملاحة الدولية؛ ثانيا: قدرة إسرائيل على مواصلة الحرب وحدها إذا انسحبت أمريكا، وهو احتمال تبدو إسرائيل قلقة منه ولا بد أنها تستعد له؛ وثالثا: حسابات دول الخليج التي تتحرك بحذر شديد لتجنب الانزلاق في الحرب، مع إعادة تقييم علاقتها الأمنية مع واشنطن.
الخلاصة، قد لا نشهد «نهاية» تقليدية للحرب، بل تحولها إلى مرحلة جديدة من الصراع المفتوح وغير المعلن، إذ يُعاد رسم خريطة المنطقة، ليس بناءً على خطط مرسومة بدقة، بل بناءً على قدرة كل طرف على فرض وقائع جديدة على الأرض، وتحمّل كلفة استمرار المواجهة.
والسؤال الجوهري هنا: هل نحن في مرحلة متقدمة من مشروع «إعادة رسم خريطة المنطقة» عبر نظرية «الفوضى الخلاقة» التي تم التبشير بها في عام 2006؟
نعم؛ بإعادة الأحداث الجارية في المنطقة إلى سياقها الفكري والتاريخي الأوسع فإن إحداثيات الحرب الدائرة في الخليج تشير إلى أن المشروع بات في مرحلة «ذروة المواجهة»، ولكن المرحلة الأخيرة ستحددها القدرة على التحكم في الفوضى، وهو أمر لم يثبت بعد.
والسؤال الآخر: هل المنطقة تتجه نحو «المشروع الإسرائيلي الكبير»؟
لطالما كانت هناك خيوط واضحة تربط «مشروع إعادة رسم خريطة المنطقة» بالمحافظين الجدد(Neoconservatives) ، ولكن قد تثبت الأحداث الجارية أن تَبَنّي إدارة بوش الابن هذا المشروع لم يكن مجرد رد فعل على أحداث 11 سبتمبر، بل كان رؤية استراتيجية شاملة عبر إسقاط الأنظمة «المعادية»، وزرع أنظمة «موالية»، وتفتيت التهديدات المركزية لضمان تفوق إسرائيلي غير مسبوق.
إذن؛ ما نراه الآن قد يكون «المرحلة الأخيرة» من مشروع «إعادة الرسم»، لكن مع تعديل جوهري في الأدوات والشركاء، بدءًا بإسرائيل كعقل مدبر وليس مجرد حليف، وهذا ما جاء في خطاب نتنياهو أمام الكونجرس، الذي كان يعكس رؤية إسرائيلية واضحة باغتنام الفرصة التاريخية، وسعيه لاستغلال فرصة وجود الرئيس الأمريكي الحالي الذي يمكن استخدامه كأداة؛ وصولا إلى استهداف «العمق العربي» كجزء من الخطة لحرق الجسور، وإشراك العرب في تحالف أمني عسكري مع إسرائيل، أو ما يُدعى «الناتو العربي» الذي طالما حلمت به تل أبيب.
أما التعقيدات التي تجعل هذا المشهد أقل وضوحًا فيمكن إيجازها في الآتي: أولا: عدم تطابق المصالح الأمريكية والإسرائيلية في مرحلة «تشكّل نظام دولي جديد» تواجه فيها الولايات المتحدة أولويات كبرى (الصين، روسيا، الاقتصاد)؛ بجانب ما تشكّله الفوضى الكاملة في الشرق الأوسط من عبء لا تستطيع الولايات المتحدة تحمله الآن، ما قد يدفع دول الخليج إلى البحث عن حماية من الصين أو روسيا، وهذا ضد المصالح الأمريكية، من دون أن نتجاهل الانقسام الداخلي في إدارة ترامب بين تيار يريد الخروج من الحروب، وتيار يريد إكمال المشروع، وما يشكله من صراع معطِّل لأي خطة واضحة. ثانيا: المخاوف غير المعلنة من سيناريو «الانهيار» في نهاية الحرب. وثالثاً: الصمود غير المتوقّع لإيران حتى الآن، رغم الضربات القاسية، وقدرتها على استهداف دول الخليج وإسرائيل، ما يعقد المعادلة، ويُعَد مؤشر مقلق لما بعد الانهيار.
إن مشروع «تغيير خريطة المنطقة» أصبح يستند إلى تاريخ فكري وسياسي حقيقي، وقد يكون ما يحدث الآن هو التقاطع الخطير بين رغبة إسرائيل في إنهاء الحرب وإكمال المشروع، ورغبة ترامب في نصر سريع، ورغبة إيران في البقاء. أما النتيجة فليست بالضرورة أن تكون كما خطط له أحد الأطراف في هذه المعادلة.
لذلك قد يعتبر السيناريو الأكثر احتمالا هو أن إسرائيل التي تملك مشروعًا استراتيجيا لإنهاء الصراع عبر إعادة رسم الخريطة، نجحت في دفع ترامب لتنفيذ مشروعها، لكنها الآن قد تفقد السيطرة على مسارها، وأن الفوضى قد تصبح واقعا، و«إعادة الرسم» قد تتم، لكن ليس بالضرورة بالطريقة التي رسمها المحافظون الجدد في أوراقهم؛ أي لن تكون هذه الخريطة القادمة مرسومة بطريقة محكمة.
وما نشهده الآن هو أن المنطقة في ذروة الفوضى قبل أن تتشكل ملامح أي نظام جديد. والفرق بين «الفوضى الخلاقة» و«الفوضى المدمرة» هو أن الأولى تخضع لسيطرة واضعها، والثانية تخرج عن السيطرة وتأكل الجميع.
وأخيرًا، لربما نتمكن في مقالات قادمة من وضع تصور فكري-علمي حول مفهوم «رسم خريطة المنطقة» كما هو في الأدبيات الفكرية والسياسية لأصحاب المشروع، الذي سينقل الاستشراف من التحليل النظري إلى تصور ملموس.. وهذا ليس وعدًا، ولكنه احتمالٌ يعتمد على عدة عوامل.
sr@sameerarajab.net

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك