منذ أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، بدا الشرق الأوسط كأنه خرج من هوامش تلك الحرب الكبرى، ليدخل سلسلة طويلة من الحروب الأصغر، لكنها لم تكن أهون فتكًا ولا أقل عمقًا في آثارها. فمن حرب 1948 التي رافقت قيام إسرائيل إلى حروب 1956 و1967 و1973، ومن الحرب الأهلية اللبنانية إلى الحرب العراقية- الإيرانية، ومن غزو العراق للكويت إلى الغزو الأمريكي للعراق، ومن الحروب التي أعقبت انتفاضات العقد الماضي إلى النزاعات المستمرة في أكثر من ساحة، يتكشف تاريخ المنطقة الحديث كأنه نهر متدفق من الصراعات. حروب تنتهي لتفسح المجال لأخرى، وأزمات تهدأ قليلًا لتعاود الاشتعال بصورة أشد. وفي كل مرة يتجدد السؤال القديم: لماذا تبدو هذه المنطقة أكثر قابلية من غيرها للاشتعال؟، ولماذا تتكرر فيها الحروب، حتى في الدول التي اعتقد كثيرون أنها دخلت زمن الاستقرار والتنمية؟
ليس لتلك المعضلة سبب واحد ولا تفسير سهل. فالشرق الأوسط تحكمه شبكة كثيفة من العوامل التاريخية والجيوسياسية والاقتصادية والثقافية، التي تفاعلت عبر عقود طويلة لتخلق ما يمكن وصفه بقابلية بنيوية للصراع. لقد نشأ النظام الإقليمي في صورته الحديثة في أعقاب انهيار الدولة العثمانية، حين رُسمت الحدود السياسية في كثير من الأحيان بقرارات سياسية أكثر مما تشكلت عبر تطور اجتماعي طبيعي.
ومع أن الدول التي نشأت في ذلك السياق اكتسبت لاحقًا مؤسسات حديثة، فإن فكرة الدولة الوطنية نفسها بقيت في حالات عديدة أقل رسوخًا مما هي عليه في مناطق أخرى. ظلت الدولة محاطة بهويات متعددة، دينية ومذهبية وقومية وقبلية، تتداخل أحيانًا وتتصادم أحيانًا أخرى. وفي مثل هذه البيئات، يصبح الاستقرار السياسي هَشًّا، ويغدو الانتقال من التوتر إلى الصراع أمرًا أقرب مما يتصور كثيرون.
وقد التقط عدد من كبار المفكرين هذه المفارقة مبكرًا. فقد كتب المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي مرة أن الشرق الأوسط هو «منطقة تعاني فائضًا في التاريخ والأيديولوجيا، ولذلك فإنها موقع تتقاطع فيه خطوط الزلازل التاريخية»، وأن ما يبدو فيها استقرارًا ليس سوى استراحة قصيرة بين هزتين. لم يكن توينبي يقصد بذلك قدَرًا ثقافيًا ثابتًا، بل بنية تاريخية معقدة تتراكم فيها التوترات السياسية والجيوسياسية حتى تصبح قابلة للانفجار عند أول صدمة. وإذا كان هذا الوصف قد صيغ قبل عقود، فإن مسار الأحداث منذ منتصف القرن العشرين ما زال يُقدم له برهان متكرر.
في قلب هذه البنية المضطربة يقع الصراع العربي- الإسرائيلي، الذي لم يكن مجرد نزاع حدودي تقليدي، بل هو محور يعاد حوله تشكيل ميزان القوى في المنطقة بأسرها. فقد أدت إقامة إسرائيل إلى سلسلة من الحروب، لكنها في الوقت ذاته كشفت هشاشة النظام الإقليمي نفسه. فوجود دولة نشأت قسرًا في سياق صراع تاريخي مع محيطها لم يكن فقط سببًا مباشرًا لاندلاع حروب متكررة، بل أصبح أيضًا عاملًا دائمًا يعيد إنتاج مناخ الصراع ويغذيه. ومع مرور الزمن، تحول هذا النزاع إلى عقدة مركزية تتشابك عندها الحسابات المحلية والإقليمية والدولية، بحيث بات أي توتر فيه قابلًا لأن يتوسع سريعًا ويتحول إلى أزمة أوسع.
غير أن الحروب في الشرق الأوسط لم تعد منذ عقود مجرد صراعات بين دول. فابتداء من سبعينيات القرن الماضي، بدأت الحروب الأهلية تشق طريقها إلى قلب المشهد الإقليمي. كانت الحرب اللبنانية مثالًا مبكرًا على هذا التحول، حين تداخلت الانقسامات الطائفية مع التدخلات الخارجية لتخلق حربًا طويلة معقدة. ثم جاءت حروب العراق بعد عام 2003، لتكشف كيف يمكن لانهيار الدولة أن يفتح الباب أمام تفكك السلطة وظهور المليشيات المسلحة. وبعد عام 2011، اتخذت هذه الظاهرة أبعادًا أكثر اتساعًا، حين تحولت الانتفاضات السياسية في بعض البلدان إلى حروب متعددة الأطراف كما حدث في سوريا واليمن وليبيا.
هذا التحول من الحروب التقليدية إلى الحروب الأهلية والمليشياوية لم يكن حادثًا عارضًا، بل نتيجة طبيعية لضعف المؤسسات السياسية في عدد من الدول. فحين تعجز الدولة عن احتكار القوة وعن إدارة التنافس السياسي بآليات سلمية، يتحول الصراع السياسي إلى صراع مسلح. وحين يترافق ذلك مع تدخلات إقليمية ودولية، تصبح الحرب المحلية جزءًا من منافسة أوسع، فتتحول الدول إلى ساحات صراع بالوكالة بين قوى أكبر.
ولا يقل العامل الاقتصادي أهمية عن هذه العوامل. فالشرق الأوسط يقع فوق أحد أكبر مخازن الطاقة في العالم، وهو ما جعله، منذ منتصف القرن العشرين، ساحة تنافس دائم بين القوى الكبرى. وتلك القوى لن تتوقف أبدًا عن استخدام القوة بأساليب متعددة لكي تحقق مصالحها، لذلك، فهي لا تتورع عن انتهاز هذا الضعف البنيوي لتشعل الحرب لحصد المزيد من النفوذ والمكاسب.
وإذا نظرنا إلى الحرب التي تعصف بالمنطقة اليوم، فإنها لا تبدو حدثًا معزولًا بقدر ما تبدو امتدادًا لهذا السياق الطويل. فهي تنفجر في النقطة ذاتها التي ظلت لعقود بؤرة التوتر الإقليمي، وتتحرك داخل شبكة التوازنات نفسها التي كثيرًا ما حولت النزاعات المحلية إلى أزمات إقليمية واسعة.
إن هذه الحرب، مهما بدت فريدة في لحظتها الراهنة، تعكس في جوهرها ذلك المزيج القديم من الصراع الجيوسياسي، والهشاشة المؤسسية، والتنافس الإقليمي والدولي، وهواجس الأيدولوجيا وفوائض التاريخ، التي جعلت المنطقة مرارًا مسرحًا لانفجارات كبرى.
ولا شك أن إيجاد تسوية عادلة ودائمة للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي شرط أساسي لخفض مستوى التوتر البنيوي في المنطقة لأن استمرار هذا الصراع لا يغذى الحروب المباشرة فحسب، بل يمد أيضًا الخطاب السياسي بطاقة دائمة من التعبئة والاحتقان.
لذلك فإنه من دون معالجة الجذور العميقة للصراعات، ستظل المنطقة، كما وصفها بعض المؤرخين، تقف فوق خطوط زلازل تاريخية لا تهدأ.
{ كاتب وباحث إعلامي

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك