حين تشتد الأجواء من حول أي مجتمع، تظهر معادنه. والبحرين في هذه المرحلة أظهرت ما عرفه أهلها دائما، أن انتماءهم لوطنهم أعمق من أي شيء يمكن أن يزعزعه. لم تكن هذه المرة الأولى التي تمر فيها هذه الأرض بما يستدعي الثبات، وفي كل مرة كانت الإجابة واحدة.. البحرين أولاً، وفي هذا الاختيار تختصر الحكاية.
خرجت قبل العيد لأشتري ما يحتاجه البيت، وفي ذهني شيء واحد: إن كان هناك خطر ستنبِّهني صافرات الإنذار. هذه الثقة الهادئة، بأن هناك من يسهر حتى تنام البحرين وتمضي في يومها، هي نفسها التي جعلت البحرينيين يختارون الحياة على الخوف، والوطن على كل ما سواه. كان الناس يمشون ويشترون ويتحدثون، لا متجاهلين ما يجري، بل واعين به ومصرّين على أن يمضي يومهم كما اعتادوا.
البحرين وصلت إلى هذه اللحظة بوعيٍ متراكم وقيمٍ راسخة؛ أرضها تسع الجميع، وما يجمع أهلها أعظم مما يفرقهم.
تلك القيم تجذّرت في البيوت، وعاشت في تفاصيل الحياة، فصارت واقعًا معيشا لا حبراً على ورق.
ولأكون صادقة، فأنا لا أتحدث من بعيد. أنا من عائلة بحرينية شيعية، وأخواتي متزوجات من أسر سنية. هذا المشهد يتكرر في بيوت كثيرة في البحرين، ويعبّر عن طبيعتها كما عشناها. عائلاتنا اختلطت وتصاهرت منذ سنوات طويلة، وعشنا هذا القرب في أفراحنا وأحزاننا وموائدنا، قبل أن يُقال عنه شيء أو يُكتب. هذا ما تربّينا عليه، أن نكون متماسكين، روحاً واحدة لا تنفصل.
استمر هذا القرب لأن هناك من حافظ عليه داخل البيوت. المرأة البحرينية كانت دائماً هي الخيط الذي يجمع. في هذه الأيام كما في غيرها، أبقت بيتها دافئاً حين كانت الأجواء مشحونة، وأطعمت أسرتها وطمأنت أطفالها، وحرصت على أن تبقى الحياة في مسارها. لم تنتظر أحداً يخبرها كيف تتصرف، واصلت دورها بهدوء لا يُرى لكن أثره يُحس في كل زاوية من البيت.
الوطن الذي صمد اليوم هو الوطن الذي سيبني غداً. الوحدة التي رأيناها ضربت جذورها عميقاً في هذه الأرض. والأمم لا تنهض بالثروات والإمكانات وحدها، الناس الذين آمنوا بوطنهم وأثبتوا ذلك حين كان العالم من حولهم مشتعلاً هم من يصنعون النهضة الحقيقية.
الأرض التي يحميها أهلها بوعيهم قبل سلاحهم، أرض لا تُكسر. وهذا ما رأيته في بلدي، ولا أزال أراه. رأيته في الصافرة التي منحتني الثقة للخروج، وفي القرارات التي أبقت الأمور في مسارها، وفي الكوادر والأسرة والمرأة التي حافظت على دفء هذا الوطن. كل هؤلاء يزرعون في هذه الأرض شيئاً لا يُرى لكنه لا يموت. فليكن ما نزرعه وفاءً يليق بها.
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك