العدد : ١٧٥٣٠ - الأحد ٢٢ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٣ شوّال ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٣٠ - الأحد ٢٢ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٣ شوّال ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

حين اختاروا الوطن.. البحرين في القلب

بقلم: نبيلة رجب

الأحد ٢٢ مارس ٢٠٢٦ - 02:00

حين‭ ‬تشتد‭ ‬الأجواء‭ ‬من‭ ‬حول‭ ‬أي‭ ‬مجتمع،‭ ‬تظهر‭ ‬معادنه‭. ‬والبحرين‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬أظهرت‭ ‬ما‭ ‬عرفه‭ ‬أهلها‭ ‬دائما،‭ ‬أن‭ ‬انتماءهم‭ ‬لوطنهم‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬شيء‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يزعزعه‭. ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬تمر‭ ‬فيها‭ ‬هذه‭ ‬الأرض‭ ‬بما‭ ‬يستدعي‭ ‬الثبات،‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬كانت‭ ‬الإجابة‭ ‬واحدة‭.. ‬البحرين‭ ‬أولاً،‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الاختيار‭ ‬تختصر‭ ‬الحكاية‭.‬

خرجت‭ ‬قبل‭ ‬العيد‭ ‬لأشتري‭ ‬ما‭ ‬يحتاجه‭ ‬البيت،‭ ‬وفي‭ ‬ذهني‭ ‬شيء‭ ‬واحد‭: ‬إن‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬خطر‭ ‬ستنبِّهني‭ ‬صافرات‭ ‬الإنذار‭. ‬هذه‭ ‬الثقة‭ ‬الهادئة،‭ ‬بأن‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يسهر‭ ‬حتى‭ ‬تنام‭ ‬البحرين‭ ‬وتمضي‭ ‬في‭ ‬يومها،‭ ‬هي‭ ‬نفسها‭ ‬التي‭ ‬جعلت‭ ‬البحرينيين‭ ‬يختارون‭ ‬الحياة‭ ‬على‭ ‬الخوف،‭ ‬والوطن‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬سواه‭. ‬كان‭ ‬الناس‭ ‬يمشون‭ ‬ويشترون‭ ‬ويتحدثون،‭ ‬لا‭ ‬متجاهلين‭ ‬ما‭ ‬يجري،‭ ‬بل‭ ‬واعين‭ ‬به‭ ‬ومصرّين‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يمضي‭ ‬يومهم‭ ‬كما‭ ‬اعتادوا‭.‬

البحرين‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة‭ ‬بوعيٍ‭ ‬متراكم‭ ‬وقيمٍ‭ ‬راسخة؛‭ ‬أرضها‭ ‬تسع‭ ‬الجميع،‭ ‬وما‭ ‬يجمع‭ ‬أهلها‭ ‬أعظم‭ ‬مما‭ ‬يفرقهم‭.‬

‭ ‬تلك‭ ‬القيم‭ ‬تجذّرت‭ ‬في‭ ‬البيوت،‭ ‬وعاشت‭ ‬في‭ ‬تفاصيل‭ ‬الحياة،‭ ‬فصارت‭ ‬واقعًا‭ ‬معيشا‭ ‬لا‭ ‬حبراً‭ ‬على‭ ‬ورق‭.‬

ولأكون‭ ‬صادقة،‭ ‬فأنا‭ ‬لا‭ ‬أتحدث‭ ‬من‭ ‬بعيد‭. ‬أنا‭ ‬من‭ ‬عائلة‭ ‬بحرينية‭ ‬شيعية،‭ ‬وأخواتي‭ ‬متزوجات‭ ‬من‭ ‬أسر‭ ‬سنية‭. ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬يتكرر‭ ‬في‭ ‬بيوت‭ ‬كثيرة‭ ‬في‭ ‬البحرين،‭ ‬ويعبّر‭ ‬عن‭ ‬طبيعتها‭ ‬كما‭ ‬عشناها‭. ‬عائلاتنا‭ ‬اختلطت‭ ‬وتصاهرت‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة،‭ ‬وعشنا‭ ‬هذا‭ ‬القرب‭ ‬في‭ ‬أفراحنا‭ ‬وأحزاننا‭ ‬وموائدنا،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يُقال‭ ‬عنه‭ ‬شيء‭ ‬أو‭ ‬يُكتب‭. ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬تربّينا‭ ‬عليه،‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬متماسكين،‭ ‬روحاً‭ ‬واحدة‭ ‬لا‭ ‬تنفصل‭.‬

استمر‭ ‬هذا‭ ‬القرب‭ ‬لأن‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬حافظ‭ ‬عليه‭ ‬داخل‭ ‬البيوت‭. ‬المرأة‭ ‬البحرينية‭ ‬كانت‭ ‬دائماً‭ ‬هي‭ ‬الخيط‭ ‬الذي‭ ‬يجمع‭. ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬غيرها،‭ ‬أبقت‭ ‬بيتها‭ ‬دافئاً‭ ‬حين‭ ‬كانت‭ ‬الأجواء‭ ‬مشحونة،‭ ‬وأطعمت‭ ‬أسرتها‭ ‬وطمأنت‭ ‬أطفالها،‭ ‬وحرصت‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تبقى‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬مسارها‭. ‬لم‭ ‬تنتظر‭ ‬أحداً‭ ‬يخبرها‭ ‬كيف‭ ‬تتصرف،‭ ‬واصلت‭ ‬دورها‭ ‬بهدوء‭ ‬لا‭ ‬يُرى‭ ‬لكن‭ ‬أثره‭ ‬يُحس‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬زاوية‭ ‬من‭ ‬البيت‭.‬

الوطن‭ ‬الذي‭ ‬صمد‭ ‬اليوم‭ ‬هو‭ ‬الوطن‭ ‬الذي‭ ‬سيبني‭ ‬غداً‭. ‬الوحدة‭ ‬التي‭ ‬رأيناها‭ ‬ضربت‭ ‬جذورها‭ ‬عميقاً‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأرض‭. ‬والأمم‭ ‬لا‭ ‬تنهض‭ ‬بالثروات‭ ‬والإمكانات‭ ‬وحدها،‭ ‬الناس‭ ‬الذين‭ ‬آمنوا‭ ‬بوطنهم‭ ‬وأثبتوا‭ ‬ذلك‭ ‬حين‭ ‬كان‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬حولهم‭ ‬مشتعلاً‭ ‬هم‭ ‬من‭ ‬يصنعون‭ ‬النهضة‭ ‬الحقيقية‭.‬

الأرض‭ ‬التي‭ ‬يحميها‭ ‬أهلها‭ ‬بوعيهم‭ ‬قبل‭ ‬سلاحهم،‭ ‬أرض‭ ‬لا‭ ‬تُكسر‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬رأيته‭ ‬في‭ ‬بلدي،‭ ‬ولا‭ ‬أزال‭ ‬أراه‭. ‬رأيته‭ ‬في‭ ‬الصافرة‭ ‬التي‭ ‬منحتني‭ ‬الثقة‭ ‬للخروج،‭ ‬وفي‭ ‬القرارات‭ ‬التي‭ ‬أبقت‭ ‬الأمور‭ ‬في‭ ‬مسارها،‭ ‬وفي‭ ‬الكوادر‭ ‬والأسرة‭ ‬والمرأة‭ ‬التي‭ ‬حافظت‭ ‬على‭ ‬دفء‭ ‬هذا‭ ‬الوطن‭. ‬كل‭ ‬هؤلاء‭ ‬يزرعون‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأرض‭ ‬شيئاً‭ ‬لا‭ ‬يُرى‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يموت‭. ‬فليكن‭ ‬ما‭ ‬نزرعه‭ ‬وفاءً‭ ‬يليق‭ ‬بها‭.‬

rajabnabeela@gmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا