من المؤكد أن الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران ستكون منعطفا تاريخيا ذا آثار بعيدة على كل الأصعدة: الدولي والإقليمي والاقتصادي والقانوني.
فهي حرب لم يعد من الممكن النظر إليها بوصفها عمليات عسكرية محدودة المدى تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران بهدف تدمير برنامجها النووي وما تمتلكه من صواريخ باليستية مستعينة في تحقيق هدفها بأفضل ما لديها من أسلحة فائقة التطور استطاعت بها اغتيال رأس الدولة الإيرانية وقياداتها العسكرية العليا في دقائق معدودة بينما اقتصر دفاع إيران على نوع أو اثنين من الأسلحة التقليدية المألوفة التي رغم محدوديتها أثبتت أن بإمكانها أن تغير مسارات الحرب وتحدث أضرارًا بالغة بمصالح الخصم: كالمسيرات والصواريخ الباليستية.
لكن إيران لجأت إلى سلوك عدواني في المجال الاقتصادي يضر بمصالح جميع الأطراف لتعويض افتقادها السلاح المتطور المكافئ؛ فأغلقت مضيق هرمز في وجه السفن الأمريكية والأوروبية وهو ما سيلحق أضرارا فادحة بالاقتصاد والتجارة العالميين، ولن تكون الدولتان المعتديتان بمأمن من هذه الأضرار بل ستطول دولا عديدة خارج حلبة الصراع. لكن المؤكد أن الحرب ستضطر دولا كثيرة إلى إعادة النظر في سياستها التي تنتهجها وأثبتت الحرب مساوئها الخطيرة.
بالنسبة إلى الرئيس الأمريكي، لا أحد بمقدوره أن يعرف على وجه الدقة واليقين ما الذي يهدف إلى تحقيقه ترامب من حربه على إيران! في البدء صرح بأن هدفه منها تدمير البرنامج النووي الإيراني ثم أعلن بعد ذلك بأيام أنه يرمى إلى تدمير القدرات الصاروخية الباليستية والبحرية لإيران والقضاء نهائيا على قدرتها في تطوير أسلحة نووية، ثم عدل تصريحاته وأعلن أن هدفه هو إيقاف ما تقدمه إيران من دعم مادي وعسكري لأذرعها المنتشرة في المنطقة أي من الجماعات والمليشيات المسلحة المنتمية إليها.
ثم زعم بعد ذلك أن الهدف الأوسع من حربه هو حماية الولايات المتحدة وحلفائها من هجمات إيران المحتملة! وفي لقاء آخر صرح بأن نية حكومته الحقيقية هي إسقاط نظام الملالي! وها هو ذا الآن يطلب من الدول الأوروبية أعضاء حلف الناتو إرسال قواتهم إلى الخليج لتأمين مضيق هرمز بعد أن أغلقته إيران أمام سفنهم والدفاع عما لديهم من مصالح في المنطقة ضد الصواريخ الإيرانية، ثم عدل خطابه وقال: «لا حاجة بنا إلى أي مساعدة من أوروبا أو غيرها فنحن أكبر قوة عظمى في العالم!».
لن يقدم ترامب على إنزال قواته على الأرض الإيرانية إذ لم يعد يعرف ما الذي يرمى إليه من هذه الحرب، وخاصة أن إيران رغم ما لحقها من خسائر جمة تؤثر فيما يبدو استمرارية الحرب وخاصة أن تضاريسها المتشابكة والمعقدة ليس من اليسير على ترامب ونتنياهو فك شفرتها للكشف عما قد تخفيه من أسلحة إيرانية. يضاف إلى ذلك أن قرارات ترامب المدمرة من شأنها أن تعرض بلاده ومصالحها الوطنية في أنحاء العالم لموجات انتقامية محتملة من الإرهاب.
أما إسرائيل فتبرر هجماتها على إيران بهدفها الأزلي: «حماية إسرائيل مما قد تستشعر منه تهديدا لوجودها»، لأنها موقنة أن وجودها في الأصل غير مشروع.
وبالنسبة إلى إيران فإنها بضربها جيرانها في الخليج بدعوى تدمير القواعد الأمريكية التي تنطلق منها الطائرات الأمريكية لضرب طهران فإنها بذلك قد خاطرت بزعزعة التوازن الهش الذي ترسخ تدريجيا في المنطقة على مر الزمن. بل إن سلطنة عمان الدولة الصديقة لها التي بذلت جهوداً كبيرة للتوصل إلى اتفاق كان من شأنه تفادى الهجوم الأمريكي لم تنج من صواريخها! ومن غير المرجح أن تلتزم سلطنة عمان الصمت إزاء إغلاق مضيق هرمز الذي تتقاسم السيطرة عليه مع إيران.
وبالنظر إلى الوضع الداخلي في إيران فإن اغتيال المرشد الروحي علي خامنئي لإيران وكبار قادتها العسكريين بسهولة منقطعة النظير يكشف عن خلل أمنى رهيب في جهازها العسكري والأمني، وهو خلل يعزوه المراقبون في جانب كبير منه إلى الطابع الاستبدادي المقيت لحكومة الملالي.
مما لا شك فيه أن الحرب الدائرة ستدخل المنطقة في حالة من المجهول، ولا يزال من المبكر التنبؤ بنتائجها سواء على إيران أو منطقة الخليج. هل سينهار نظام الملالي ومعه الحرس الثوري؟ وهل يمتلك نظامها الموارد الكافية للصمود والبقاء في هذه الحرب؟
{ أستاذ فلسفة اللغة والأدب الفرنسي
بكلية الآداب - جامعة حلوان

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك