تشكل حرية الرأي والتعبير أهم ملامح النظام الديمقراطي في أي دولة وتعتبر من ملامح تقدمة، وهو حق أساسي يشكل إحدى الدعائم الجوهرية للمجتمع، فهو من أهم حقوق الإنسان المدنية والسياسية التي تحرص الدساتير والمواثيق الدولية على ترسيخه وتعزيزه وحمايته وفق أطر وأحكام محددة، ويمكن من خلالها السماح بممارسة حرية الرأي والتعبير على المستويين الشخصي والعام، باعتباره حقا وواجبا كفلتهما الدساتير والصكوك الدولية على حد سواء، وذلك في إطار مبدأ المشروعية أي في إطار القانون ووفقاً لضوابطه، وإلا نظر إلى حرية الرأي والتعبير باعتبارها عملاً غير مشروع ومخالف للقانون، إذ إن حرية الرأي والتعبير ليست مطلقة بل مقيدة بأحكام القانون بمفهومه الواسع سواء كانت على الصعيد الوطني أو على الصعيد الدولي.
وهذا المعني ينطبق في الظروف العادية أو الظروف غير العادية، فما بالكم في زمن الحروب والصراعات والفتن الداخلية التي تؤثر على مقتضيات الأمن الوطني أو تهدد النظام العام بمدلولاته الثلاثة الأمن العام والصحة العامة والسكينة العامة.
لذا حرص الدستور البحريني على وضع ضوابط وقيود لممارسة حرية الرأي والتعبير في ضوء نص المادة (23) بأن يتم ممارستها وفقاً للشروط والأوضاع التي يبينها القانون مع عدم المساس بأسس العقيدة ووحدة الشعب، وبما لا يثير الفرقة أو الطائفية، ومن ثم جاء قانون العقوبات البحريني رقم (15) لسنة 1976 الذي عاقب على إساءة استخدام وسائل التعبير المختلفة بعقوبات مختلفة تصل إلى السجن عبر إذاعة أخبار أو بيانات أو إشاعات كاذبة أو مغرضة عمدا في زمن الحرب، أو عمد إلى دعاية مثيرة وكان من شأن ذلك إلحاق الضرر بالاستعدادات الحربية للدفاع عن دولة البحرين أو بالعمليات الحربية للقوات المسلحة أو أثار الفزع بين الناس أو إضعاف الجلد في الأمة.
فضلاً عن ذلك، إذا ترتب على هذا النشر اضطراب السلم العام أو الإضرار بالصالح العام أو بالثقة المالية للدولة تأكيداً منه لخطورة العبث بالأمن الوطني تحت أي مقتضى أو حرية ، وهذا لا يعتبر مصادرة لحرية الرأي والتعبير أو مخالفة للمعايير الدولية لحقوق الانسان انطلاقاً من أن هذه الحرية ليس مطلقة بل تخضع لضوابط محددة سلفاً في القانون، وهذا ما أبان عنه العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بعد تأكيده صور حرية الرأي والتعبير في الفقرة (3) من نص المادة (19) بقولها تستتبع ممارسة الحقوق المنصوص عليها في الفقرة 2 من هذه المادة واجبات ومسؤوليات خاصة من ضمنها حرية الرأي والتعبير، التي يجوز إخضاعها لبعض القيود، ولكن شريطة أن تكون محددة بنص القانون وأن تكون ضرورية لاحترام حقوق الآخرين أو سمعتهم، ولحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة، باعتبار أن حرية الرأي والتعبير في جوهرها كأساس من أسس بناء المجتمع والدولة لا تتوقف عند كونها حقاً للأفراد يجب حمايته فقط، بل هي واجب يجب القيام به في ضوء ضوابط قانونية تضعها الدولة، بحيث لا تترك ممارسة الحقوق والحريات ومن ضمنها حرية الرأي والتعبير من دون ضابط وخصوصاً في وقت الأزمات والكوارث والحروب التي تكون الدولة في مواجهة خطر جسيم وحال غير مألوف يقلب الأمور رأساً على عقب وموجهة ضد النظام العام وسير المرافق العامة ويهدد قيام الدولة بوظائفها الحيوية تجاه المجتمع ويزعزع أو يقوض استقرارها.
إن هذا هو حق الدولة في وضع ضوابط للدفاع عن وجودها باعتبار أن بقاء الدولة هو القانون الأسمى الذي يجب أن يعلو فوق كل قانون وأن سلامة الدولة فوق كل الاعتبارات ولا ينال ذلك من حرية الرأي والتعبير في شيء لا من قريب أو من بعيد.
لذلك كله، يجب على الفرد اليوم أن يكون حارساً للمعلومة ومسؤولاً عنها، ففي ظل الظروف الراهنة وما شهدته مملكة البحرين ودول الخليج من اعتداءات غير مسؤولة يتحتم علينا كأفراد من جهة ومؤسسات وطنية من جهة أخرى أن نكون حراسا للمعلومات، باعتبار أن بقاء الدولة وسلامتها فوق الجميع.. حفظ الله مملكتنا وسدد خطى قيادتنا الحكيمة لكل ما فيه الخير للبلاد والعباد.
{ أستاذ القانون العام المشارك
- جامعة البحرين

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك