العدد : ١٧٥٢٩ - السبت ٢١ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٢ شوّال ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٢٩ - السبت ٢١ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٢ شوّال ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

حرية الرأي والتعبير في زمن الحرب

بقلم: د. بدر محمد عادل

السبت ٢١ مارس ٢٠٢٦ - 02:00

تشكل‭ ‬حرية‭ ‬الرأي‭ ‬والتعبير‭ ‬أهم‭ ‬ملامح‭ ‬النظام‭ ‬الديمقراطي‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬دولة‭ ‬وتعتبر‭ ‬من‭ ‬ملامح‭ ‬تقدمة،‭ ‬وهو‭ ‬حق‭ ‬أساسي‭ ‬يشكل‭ ‬إحدى‭ ‬الدعائم‭ ‬الجوهرية‭ ‬للمجتمع،‭ ‬فهو‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬المدنية‭ ‬والسياسية‭ ‬التي‭ ‬تحرص‭ ‬الدساتير‭ ‬والمواثيق‭ ‬الدولية‭ ‬على‭ ‬ترسيخه‭ ‬وتعزيزه‭ ‬وحمايته‭ ‬وفق‭ ‬أطر‭ ‬وأحكام‭ ‬محددة،‭ ‬ويمكن‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬السماح‭ ‬بممارسة‭ ‬حرية‭ ‬الرأي‭ ‬والتعبير‭ ‬على‭ ‬المستويين‭ ‬الشخصي‭ ‬والعام،‭ ‬باعتباره‭ ‬حقا‭ ‬وواجبا‭ ‬كفلتهما‭ ‬الدساتير‭ ‬والصكوك‭ ‬الدولية‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء،‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬مبدأ‭ ‬المشروعية‭ ‬أي‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬القانون‭ ‬ووفقاً‭ ‬لضوابطه،‭ ‬وإلا‭ ‬نظر‭ ‬إلى‭ ‬حرية‭ ‬الرأي‭ ‬والتعبير‭ ‬باعتبارها‭ ‬عملاً‭ ‬غير‭ ‬مشروع‭ ‬ومخالف‭ ‬للقانون،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭  ‬حرية‭ ‬الرأي‭ ‬والتعبير‭ ‬ليست‭ ‬مطلقة‭ ‬بل‭ ‬مقيدة‭ ‬بأحكام‭ ‬القانون‭ ‬بمفهومه‭ ‬الواسع‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬الوطني‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬الدولي‭.‬

وهذا‭ ‬المعني‭ ‬ينطبق‭ ‬في‭ ‬الظروف‭ ‬العادية‭ ‬أو‭ ‬الظروف‭ ‬غير‭ ‬العادية،‭ ‬فما‭ ‬بالكم‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الحروب‭ ‬والصراعات‭ ‬والفتن‭ ‬الداخلية‭ ‬التي‭ ‬تؤثر‭ ‬على‭ ‬مقتضيات‭ ‬الأمن‭ ‬الوطني‭ ‬أو‭ ‬تهدد‭ ‬النظام‭ ‬العام‭ ‬بمدلولاته‭ ‬الثلاثة‭ ‬الأمن‭ ‬العام‭ ‬والصحة‭ ‬العامة‭ ‬والسكينة‭ ‬العامة‭.‬

لذا‭ ‬حرص‭ ‬الدستور‭ ‬البحريني‭ ‬على‭  ‬وضع‭ ‬ضوابط‭ ‬وقيود‭ ‬لممارسة‭ ‬حرية‭ ‬الرأي‭ ‬والتعبير‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬نص‭ ‬المادة‭ (‬23‭) ‬بأن‭ ‬يتم‭ ‬ممارستها‭ ‬وفقاً‭ ‬للشروط‭ ‬والأوضاع‭ ‬التي‭ ‬يبينها‭ ‬القانون‭ ‬مع‭ ‬عدم‭ ‬المساس‭ ‬بأسس‭ ‬العقيدة‭ ‬ووحدة‭ ‬الشعب،‭ ‬وبما‭ ‬لا‭ ‬يثير‭ ‬الفرقة‭ ‬أو‭ ‬الطائفية،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬جاء‭ ‬قانون‭ ‬العقوبات‭ ‬البحريني‭ ‬رقم‭ (‬15‭) ‬لسنة‭ ‬1976‭ ‬الذي‭ ‬عاقب‭ ‬على‭ ‬إساءة‭ ‬استخدام‭ ‬وسائل‭ ‬التعبير‭ ‬المختلفة‭ ‬بعقوبات‭ ‬مختلفة‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬السجن‭ ‬عبر‭ ‬إذاعة‭ ‬أخبار‭ ‬أو‭ ‬بيانات‭ ‬أو‭ ‬إشاعات‭ ‬كاذبة‭ ‬أو‭ ‬مغرضة‭ ‬عمدا‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الحرب،‭ ‬أو‭ ‬عمد‭ ‬إلى‭ ‬دعاية‭ ‬مثيرة‭ ‬وكان‭ ‬من‭ ‬شأن‭ ‬ذلك‭ ‬إلحاق‭ ‬الضرر‭ ‬بالاستعدادات‭ ‬الحربية‭ ‬للدفاع‭ ‬عن‭ ‬دولة‭ ‬البحرين‭ ‬أو‭ ‬بالعمليات‭ ‬الحربية‭ ‬للقوات‭ ‬المسلحة‭ ‬أو‭ ‬أثار‭ ‬الفزع‭ ‬بين‭ ‬الناس‭ ‬أو‭ ‬إضعاف‭ ‬الجلد‭ ‬في‭ ‬الأمة‭.‬

فضلاً‭ ‬عن‭  ‬ذلك،‭ ‬إذا‭ ‬ترتب‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النشر‭ ‬اضطراب‭ ‬السلم‭ ‬العام‭ ‬أو‭ ‬الإضرار‭ ‬بالصالح‭ ‬العام‭ ‬أو‭ ‬بالثقة‭ ‬المالية‭ ‬للدولة‭ ‬تأكيداً‭ ‬منه‭ ‬لخطورة‭ ‬العبث‭ ‬بالأمن‭ ‬الوطني‭ ‬تحت‭ ‬أي‭ ‬مقتضى‭ ‬أو‭ ‬حرية‭ ‬،‭ ‬وهذا‭ ‬لا‭ ‬يعتبر‭ ‬مصادرة‭ ‬لحرية‭ ‬الرأي‭ ‬والتعبير‭ ‬أو‭ ‬مخالفة‭ ‬للمعايير‭ ‬الدولية‭ ‬لحقوق‭ ‬الانسان‭ ‬انطلاقاً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الحرية‭ ‬ليس‭ ‬مطلقة‭ ‬بل‭ ‬تخضع‭ ‬لضوابط‭ ‬محددة‭ ‬سلفاً‭ ‬في‭ ‬القانون،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬أبان‭ ‬عنه‭ ‬العهد‭ ‬الدولي‭ ‬الخاص‭ ‬بالحقوق‭ ‬المدنية‭ ‬والسياسية‭ ‬بعد‭ ‬تأكيده‭ ‬صور‭ ‬حرية‭ ‬الرأي‭ ‬والتعبير‭ ‬في‭ ‬الفقرة‭ (‬3‭) ‬من‭ ‬نص‭ ‬المادة‭ (‬19‭) ‬بقولها‭ ‬تستتبع‭ ‬ممارسة‭ ‬الحقوق‭ ‬المنصوص‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬الفقرة‭ ‬2‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المادة‭ ‬واجبات‭ ‬ومسؤوليات‭ ‬خاصة‭ ‬من‭ ‬ضمنها‭ ‬حرية‭ ‬الرأي‭ ‬والتعبير،‭ ‬التي‭ ‬يجوز‭ ‬إخضاعها‭ ‬لبعض‭ ‬القيود،‭ ‬ولكن‭ ‬شريطة‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬محددة‭ ‬بنص‭ ‬القانون‭ ‬وأن‭ ‬تكون‭ ‬ضرورية‭ ‬لاحترام‭ ‬حقوق‭ ‬الآخرين‭ ‬أو‭ ‬سمعتهم،‭ ‬ولحماية‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬أو‭ ‬النظام‭ ‬العام‭ ‬أو‭ ‬الصحة‭ ‬العامة‭ ‬أو‭ ‬الآداب‭ ‬العامة،‭ ‬باعتبار‭ ‬أن‭ ‬حرية‭ ‬الرأي‭ ‬والتعبير‭ ‬في‭ ‬جوهرها‭ ‬كأساس‭ ‬من‭ ‬أسس‭ ‬بناء‭ ‬المجتمع‭ ‬والدولة‭ ‬لا‭ ‬تتوقف‭ ‬عند‭ ‬كونها‭ ‬حقاً‭ ‬للأفراد‭ ‬يجب‭ ‬حمايته‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬واجب‭ ‬يجب‭ ‬القيام‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬ضوابط‭ ‬قانونية‭ ‬تضعها‭ ‬الدولة،‭ ‬بحيث‭ ‬لا‭ ‬تترك‭ ‬ممارسة‭ ‬الحقوق‭ ‬والحريات‭ ‬ومن‭ ‬ضمنها‭ ‬حرية‭ ‬الرأي‭ ‬والتعبير‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬ضابط‭ ‬وخصوصاً‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬الأزمات‭ ‬والكوارث‭ ‬والحروب‭ ‬التي‭ ‬تكون‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬خطر‭ ‬جسيم‭ ‬وحال‭ ‬غير‭ ‬مألوف‭ ‬يقلب‭ ‬الأمور‭ ‬رأساً‭ ‬على‭ ‬عقب‭ ‬وموجهة‭ ‬ضد‭ ‬النظام‭ ‬العام‭ ‬وسير‭ ‬المرافق‭ ‬العامة‭ ‬ويهدد‭ ‬قيام‭ ‬الدولة‭ ‬بوظائفها‭ ‬الحيوية‭ ‬تجاه‭ ‬المجتمع‭ ‬ويزعزع‭  ‬أو‭ ‬يقوض‭ ‬استقرارها‭.‬

‭ ‬إن‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬حق‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬ضوابط‭ ‬للدفاع‭ ‬عن‭ ‬وجودها‭ ‬باعتبار‭ ‬أن‭ ‬بقاء‭ ‬الدولة‭ ‬هو‭ ‬القانون‭ ‬الأسمى‭ ‬الذي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يعلو‭ ‬فوق‭ ‬كل‭ ‬قانون‭ ‬وأن‭ ‬سلامة‭ ‬الدولة‭ ‬فوق‭ ‬كل‭ ‬الاعتبارات‭ ‬ولا‭ ‬ينال‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬حرية‭ ‬الرأي‭ ‬والتعبير‭ ‬في‭ ‬شيء‭ ‬لا‭ ‬من‭ ‬قريب‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬بعيد‭.‬

لذلك‭ ‬كله،‭ ‬يجب‭ ‬على‭ ‬الفرد‭ ‬اليوم‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬حارساً‭ ‬للمعلومة‭ ‬ومسؤولاً‭ ‬عنها،‭ ‬ففي‭ ‬ظل‭ ‬الظروف‭ ‬الراهنة‭ ‬وما‭ ‬شهدته‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬ودول‭ ‬الخليج‭ ‬من‭ ‬اعتداءات‭ ‬غير‭ ‬مسؤولة‭ ‬يتحتم‭ ‬علينا‭ ‬كأفراد‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬ومؤسسات‭ ‬وطنية‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬حراسا‭ ‬للمعلومات،‭ ‬باعتبار‭ ‬أن‭ ‬بقاء‭ ‬الدولة‭ ‬وسلامتها‭ ‬فوق‭ ‬الجميع‭.. ‬حفظ‭ ‬الله‭ ‬مملكتنا‭ ‬وسدد‭ ‬خطى‭ ‬قيادتنا‭ ‬الحكيمة‭ ‬لكل‭ ‬ما‭ ‬فيه‭ ‬الخير‭ ‬للبلاد‭ ‬والعباد‭.‬

 

{ أستاذ‭ ‬القانون‭ ‬العام‭ ‬المشارك

‭-  ‬جامعة‭ ‬البحرين

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا