حوادث كثيرة تمر عليّ كل سنة، معظمها تذهب في طي النسيان، وتخرج من ذاكرتي نهائياً، ومنها مازلت أتذكرها وكأنها وقعت بالأمس بسبب أنها فريدة وغريبة في آنٍ واحد، أو أنها نتيجة لشدة وطأتها عليّ شخصياً وعلى المجتمع البشري بشكل عام.
فقد كنتُ خارجاً من المسجد بعد تأدية صلاة العصر في عام 1991، وإذا بالسماء ملبدة بالغيوم الكثيفة والسحب المطرية، ولكنها لم تكن الغيوم والسحب الطبيعية التي تعودنا عليها عند هطول المطر. فقد تحولت السماء كلها إلى كومة كبيرة ثقيلة من السحب الرمادية السوداء المظلمة، وتحول النهار ليلاً، حتى إن الرؤية قد تأثرت على الأرض بسبب هذه السحب الداكنة المظلمة. وفجأة أحسست وأنا واقف خارج المسجد بنزول قطراتٍ غليظة وكثيفة من السماء مخلوطة بالجسيمات الدقيقة السوداء، فانكشفت هذه القطرات على القميص الأبيض الذي كنتُ ارتديه، إذ تلطخ ببقعِ المطر الدخاني الأسود الدهني اللزج الملمس.
ففي تلك الحقبة الزمنية، وفي ذلك الوقت، شهد العالم مشهداً كارثياً عظيماً لم يشهده أي إنسان من قبل قط، ولا أظن أن التاريخ سيشهد مستقبلاً مثل هذا الكرب العقيم، وهذه الظاهرة الغريبة والفريدة من نوعها. فأثناء حرب تحرير الكويت من 22 يناير حتى نوفمبر 1991، أَحرقتْ القوات العراقية الغازية لدولة الكويت أكثر من 600 بئر نفطي، واستمر الحريق عدة أشهر كئيبة ومؤلمة، فتحولت تلك المنطقة المحترقة إلى جحيم سحيق على الأرض، وشُوهد لهبها الأسود القاتم الذي ضرب عنان السماء عبر الأقمار الصناعية، وبلغت تأثيراتها من الأمطار الدهنية السوداء إلى مسافات بعيدة جداً، حيث تم مشاهدتها ورصدها في جبال الهيمالايا في الهند، كما كونت ظاهرة أخرى تاريخية هي البحيرات النفطية في وسط الصحراء الكويتية.
واليوم مع هذه الحرب الكابوسية التي نشهدها في منطقتنا من هجوم أمريكي إسرائيلي على إيران، واعتداءات إيرانية على دول الخليج، فقد وجدنا أنفسنا أمام مشاهد ومظاهر مشابهة لما وقع في الكويت، ولو أنها أقل وطأة وشدة من الطامة الكبرى الصحية والبيئية التي وقعت في الكويت. فالبترول الخام الذي يحترق مباشرة من الآبار، أو خزانات النفط، أو غيرهما بشكل غير مقنن مباشرة في الهواء الطلق، ينتج منه الدخان الأسود، أو الجسيمات الدقيقة، الذي هو عبارة عن كربون أسود، ومواد هيدروكربونية غير محترقة، ورماد، وأكاسيد بعض الفلزات الثقيلة السامة والمسرطنة مثل النيكل والفانيديوم. كذلك فإن البترول المشتعل تنبعث منه غازات أكاسيد النيتروجين، وأول أكسيد الكربون، وثاني أكسيد الكربون، وثاني أكسيد الكبريت، وبعض المركبات العطرية متعددة الحلقات التي من أخطرها البنزوبيرين (أ) المسبب للسرطان.
وجميع هذه الملوثات السامة والخطرة تنطلق إلى الغلاف الجوي السفلي، فمنها ما يصطدم مع بعضه، فيصبح وزنه ثقيلاً، وتنزل على الأرض كترسبات جافة تتكون من هذه الجسيمات السوداء التي تحتوي على سطحها ملوثات مسرطنة.
والبعض الآخر الأخف وزناً يسير في الاتجاهات العلوية حتى يختلط مع ماء السماء في السحب، وينهمر علينا كترسبات رطبة، تكون عادة سوداء ودهنية، وقد تكون حمضية في الوقت نفسه بسبب وجود الأحماض فيها كحمض الكبريتيك، والكربونيك، والنيتريك.
وهذه الترسبات الجافة والرطبة تنزل على الأرض، وعلى المسطحات المائية، وعلى المناطق الصحراوية، فتصبح مع الوقت جزءاً من السلسلة الغذائية التي يكون البشر في نهايتها، فتتلوث أعضاء أجسامهم ويتعرضون لشتى أنواع الأمراض العقيمة التي لا يعلم عنها إلا الله. كما أن هذه التسربات نتعرض لها مباشرة فنستنشقها مع الهواء الجوي، ونُصاب بالالتهابات الرئوية وغيرها من أمراض الجهاز التنفسي، إضافة إلى الإصابة بالحساسية من هذه الملوثات الغريبة على الهواء الجوي.
ونظراً إلى خطورة هذه الأمطار السوداء على الصحة العامة وصحة البيئة بشكلٍ عام، التي نزلت عدة مرات على إيران أثناء هذه الحرب، فقد نظمت منظمة الصحة العالمية مؤتمراً صحفياً في 10 مارس، تحدث فيها الناطق الرسمي باسم المنظمة «كريستيان لندمير» (Christian Lindmeier).
وقد وردت النقاط الآتية المهمة في هذا المؤتمر الصحفي:
أولاً: الأمطار السوداء حدث واقعي يمكن ان يحدث أثناء الحرب الجارية.
ثانياً: هذه الأمطار تحدث بعد احتراق النفط وانبعاث الأدخنة السوداء من أي مصدر كان، سواء كان آبارا نفطية، أو خزانات للنفط، أو حرائق في مصانع تكرير النفط.
ثالثاً: هذه الأدخنة السوداء المنبعثة من حرق النفط تلوث الهواء الجوي وتدهور جودة الهواء، ثم تنطلق إلى أعالي السماء فتختلط بالماء في الغيوم وتسقط أمطاراً سوداء وحمضية.
رابعاً: هذه الأدخنة والترسبات السوداء الجافة والرطبة لها تأثيرات حادة ومزمنة على صحة الإنسان والحياة الفطرية وأمن وسلامة مكونات بيئتنا.
فهناك تأثيرات قصيرة المدى بسبب التعرض المباشر للأمطار واستنشاق هذه الأدخنة السوداء وإصابة الجهاز التنفسي بأضرار جسيمة والتهابات حادة، كما أنها تدخل في أعماق الرئتين ثم تنتقل إلى مجرى الدم فتدخل في كل خلية من خلايا أجسامنا. وفي المقابل هناك تأثيرات طويلة المدى من حيث إن هذه الأدخنة المسرطنة والأمطار المشبعة بالسموم تنزل على التربة، والمسطحات المائية، والأشجار والأعشاب فتصبح مع الوقت جزءاً من مكوناتها، فتتضرر منها الحياة الفطرية البرية والبحرية، ثم الإنسان الذي يكون على رأس الهرم الغذائي، وقد يسقط في شباك الأمراض المستعصية على العلاج كالسرطان.
خامساً: تنصح منظمة الصحة العالمية بأنه في مثل هذه الحالات على الجميع البقاء في منازلهم وإغلاق الأبواب والنوافذ لمنع دخول هذه الأدخنة إلى المنزل. وإذا كان لا بد من الخروج فيجب ارتداء الكمامات المناسبة، إضافة إلى غسل الخضراوات والفواكه جيداً قبل الأكل.
ismail.almadany@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك