نعيش هذه الأيام أجواء حرب من نوع خاص، يتم فيها تهديد القاصي والداني بشرا كانوا أو مؤسسات أو حتى طواحين هواء، هي حرب نشبت فعلا. واقع الحال أن لا أحد أبلغنا حتى ساعة كتابة هذه السطور بالأهداف الحقيقية لهذه الحرب ولم نطلع على خطتها ومسالكها وتعقيداتها.
المدهش فيما نحن بصدده أن من يقودون الحرب هددوا بمحو دولة، إلا أن الجنرالات خرجوا منددين بغباء الفكرة معددين مخاطر تنفيذها. حدث بالفعل في تاريخ الأزمات والنزاعات أن وقع اختيار هذا المشهد وانتهى باتخاذ القيادة السياسية قرار الحرب. كانت النتائج في معظم هذه الحالات كارثية.
غريب شكل الحرب الناشبة حاليا، ومسارها بالمناسبة أشد غرابة. إيران دولة بحجم متوسط وموقع حساس في حالة حرب مع قطب دولي أعظم في المساحة وتعداد السكان والموقع الفريد وفي القوة المادية والعسكرية والاستخباراتية وكفاءة الأجهزة العاملة في مجالات التكنولوجيا المتقدمة وفي تنوع الحلفاء، هنا كان ولا يزال موطن الخطأ الجسيم.
يبدو الآن واضحا أن الطرف الأقوى بين الطرفين اللذين توافقا على شن الحرب لم يبذل جهدا يذكر لتعبئة وحشد الطاقات اللازمة للدفاع عن أراضي وشعوب الدول الحليفة. عدنا نسأل مع السائلين، نسأل هل صحيح، وهو في غالبه صحيح، أن دولة صغيرة جدا، وهي بالفعل أصغر بألفي كيلومتر مربع عن مساحة ولاية نيوجيرسي الأمريكية، هي التي، «جرجرت» أو جرت الدولة الأعظم حجما وقوة نحو حرب في الإقليم متعددة الأبعاد والأهداف.
إن صح هذا الأمر وتحققت الجرجرة فلماذا لم ننتبه، وإذا انتبه البعض منا فلماذا لم نبذل جهدًا حقيقيًا وقويًا في سبيل تعطيل نشوب هذه الحرب أو منع نشوبها نهائيًا.
نسأل هنا لماذا لم تتقدم، حتى الآن، دولة عربية أو مجموعة دول في الإقليم بخطة جديدة تعوض العرب عن سنوات عديدة من رفض فكرة إقامة منظومة أمن جماعي عربي، أم أن هناك من فكر وهناك من رفض الفكرة؟
أليس هذا هو حالنا منذ أن توافقنا على أن نكون عربا، وقد حدث، ثم على أن نتكامل اقتصاديا، ثم على أن نتكامل أمنيًا. ولم يحدث؟
نعود لنسأل مع السائلين، وأكثرهم من الشباب، هل صحيح أن أحدًا مجهول الاسم والصفة بحث واستقصى فاكتشف أن عبارات مثل العروبة، والقومية العربية، والوحدة العربية، قد خلت منها في السنوات الأخيرة أغلب الكتابات الصحفية والخطابات السياسية في عالمنا «العربي». البعض منا راح يحمل هذا الوضع مسؤولية حالات الانفراط في أغلب دولنا، ومسؤولية تجميد الجامعة العربية أو شل ما تبقى لها من أنشطة.
آخرون بيننا ألقوا باللوم على بعض الدول العربية التي برفضها أو تلكؤها أو عجزها عن تقديم بديل شجعت إسرائيل على الاستمرار في تحدى كل العرب وصولا إلى إعلان خطتها توسيع مساحة الدولة العبرية وتثبيت دعائم هيمنة جديدة في الإقليم.
ألح نتنياهو وجماعته «الإرهابية» على ضرورة شن حرب «مشتركة» لتحقيق هذا الهدف، وكنا على علم بما يجرى. بلغنا أيضا أن عديد جنرالات البنتاجون والصحفيين وبعض صانعي الرأي من الذين انتقلوا من علاقة الولاء لإسرائيل إلى حال الدفع للتخلص من هيمنة إسرائيل على عملية صنع القرار الأمريكي، واحتلالها مكانة الدولة الأحق باستغلال إمكانات أمريكا لتحقيق هدف الهيمنة على المنطقة العربية، لم يغب عن أذهان هؤلاء، وأبرزهم الصحفي الأشهر تاكر كارلسون المسيحي المحافظ، والأكاديمي المرموق جيفري ساكس وعالم السياسة البارز والمخضرم جون ميرشايمر وكلاهما يهوديان، أن إسرائيل تسعى بكل نفوذها وأموال أثرياء اليهود لتنتهز ما اعتبرته فرصتها الأخيرة في تجنيد البيت الأبيض لخدمة مصالحها وشن حروبها.
لم نفعل شيئا. تابعنا الانقسام داخل حركة «ماجا»، الحركة التي حملت ترامب إلى البيت الأبيض، ولم نفعل شيئا.
كانت فعلا فترة مثيرة تلك التي شهدت ضغوطا قوية لحث الرئيس ترامب على إعلان نيته المشاركة بقوة أمريكا في حرب حقيقية ومدمرة تقودها إسرائيل ضد إيران.
لاحظنا أن أغلب هذه الضغوط لم تكن معلنة، ولعل هذا الغموض هو الذي دفع بكثير من الدبلوماسيين الأجانب والصحفيين المصنفين مؤخرا تحت صفة «الأحرار» يميلون إلى الاعتقاد أن الرئيس ترامب خضع خلال المرحلة السابقة مباشرة على الحرب لعمليات ابتزاز أو إغراءات أو عقوبات مادية هائلة.
قيل من ناحية أخرى إن كثيرين من بين من نصحوا الرئيس ترامب بعدم الذهاب إلى حرب أشاروا إلى العواقب السيئة لمثل هذا التدخل في عام انتخابات وعلى الاقتصاد العالمي، فضلا عما قد يصيب الاقتصاد الأمريكي ومنطقة الخليج بالذات من أضرار وخسائر جسيمة.
كل هذه الاعتبارات يمكن أن تفسر تأخر ترامب في قبول العرض (أو الفرض) الإسرائيلي بشن الحرب. تفسر أيضا مظاهر تسرعه المبالغ فيه لإنهاء الحرب أو الخروج منها بإعلانات انتصار متعددة، ولكن وهمية في غالب الأحوال.
نقترب من الأسبوع الخامس للحرب ومازالت الدولة الأقوى تسلحا والأعظم إمكانات ومكانات بعيدة عن الخروج منها منتصرة. عدد أكبر من علماء السياسة والمؤرخين ينضم الآن إلى قائمة طويلة من المؤمنين بأن الولايات المتحدة دخلت مرحلة الانحدار التي كانت مصيرا لعديد الإمبراطوريات التاريخية.
جدير بنا قبل أن ننتقل إلى مرحلة أخرى في حرب إسرائيل وأمريكا ضد إيران أن ننتهز الفرصة لنعلن فيما تبقى لنا من مساحة أهم الآثار التي رأت أوساط متخصصة أن الحرب خلفتها بالفعل أو سوف تخلفها سواء على الدول والشعوب المعنية بها كما على الشعوب والدول غير المعنية أيضا.
مرة أخرى تتعرض سمعة أمريكا للضرر الشديد والاحتمال أقوى بأننا سنكون بين شهود على كارثة اقتصادية تصيب الولايات المتحدة في وقت تحتفل فيه بمرور 250 عاما على استقلالها، وشهود على كوارث متنوعة الجسامة في مختلف أنحاء العالم.
أسباب كثيرة منها حركة «ماجا» صادفت ظروف الذهاب نحو الحرب لتثير معها واحدة من أهم القضايا السياسية الراهنة في الولايات المتحدة، وهى قضية نقص في ولاء قطاع مهم من الشعب الأمريكي لوطنه، المقصود هنا هو القطاع الصهيوني داخل الطائفة اليهودية وداخل بعض أتباع الكنيسة الإنجيلية.
تطرح الحرب للمرة الأولى نقاشا واسعا في العالم العربي بشكل عام حول معنى وفعالية نظم التحالفات السياسية التي نشأت في المنطقة أو ورثتها عن مرحلة تاريخية سابقة على الاستقلال.
فجرت الحرب وتوابعها بعث تطور «إيماني» بالغ الخطورة هو المتعلق بعودة انتشار المعتقد الديني أو اللاديني المرتبط بأساطير بعضها موروث عن فلسفات وعقائد دينية والبعض الآخر عائد إلى اجتهادات حديثة. يتصدر هذه التوجهات تطور تحت عنوان «نهاية الزمن» ومعه أو قريب منه «القيامة في حياتنا» و«ظهور المسيح». تطور يكشف عن جهود لصهينة العقل الشرق أوسطي.
السؤال المهم هذه الأيام يتعلق باختلاف وجهات النظر حول مستقبل الحرب. إيران ليست العراق المنبسط جغرافيا وطهران ليست بغداد القريبة من كل المرافئ والطرق. معروف أيضا أن إيران أمة بعقيدة وتاريخ ولدى مقاتليها ميول عقدية استشهادية. معروف كذلك أن شعوب المنطقة باستثناء شعب إسرائيل تسعى لمحو وصمة الإرهاب التي اختلقتها إسرائيل في أعقاب تنفيذ جريمة تدمير برجي نيويورك.
مع استمرار الحرب أسابيع أخرى وليس شهورا يُحتمل أن نشهد تحولات في خريطة الحرب في المنطقة ترسمها «مقاومات» جديدة دفاعا عن حق الشعوب الشرق الأوسطية، في مقدمتها الشعوب العربية، والشعب الفلسطيني الواقع تحت احتلال الإسرائيليين، في الحرية، وهذه الشعوب في تزايد وتصاعد في ضوء ما توضحه لنا الأطماع التوسعية لخريطة نتنياهو للشرق الأوسط الجديد.
{ كاتب ومحلل سياسي

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك