العدد : ١٧٥٢٧ - الخميس ١٩ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٣٠ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٢٧ - الخميس ١٩ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٣٠ رمضان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

ذكرياتٌ رمضانية

بقلم: د. نبيل العسومي

الخميس ١٩ مارس ٢٠٢٦ - 02:00

كلما‭ ‬نستقبل‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭ ‬المبارك‭ ‬هذا‭ ‬الشهر‭ ‬الفضيل‭ ‬تعود‭ ‬بنا‭ ‬الذاكرة‭ ‬نحن‭ ‬جيل‭ ‬النصف‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬خمسينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬الزمن‭ ‬الجميل‭ ‬زمن‭ ‬البساطة‭ ‬والإمكانيات‭ ‬المتواضعة‭ ‬والعلاقات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬المشتركة‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬العود‭ ‬الذي‭ ‬يحتضن‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عائلة‭ ‬تحت‭ ‬سقف‭ ‬واحد‭ ‬في‭ ‬كنف‭ ‬الجدة‭ ‬التي‭ ‬تدير‭ ‬أمور‭ ‬البيت‭ ‬والجد‭ ‬رب‭ ‬الأسرة‭ ‬والمسؤول‭ ‬الأول‭ ‬عن‭ ‬رعاية‭ ‬الجميع‭ ‬زمن‭ ‬الترابط‭ ‬والتواصل‭ ‬بين‭ ‬أبناء‭ ‬الأحياء‭ ‬الشعبية‭ ‬والبيوت‭ ‬المفتوحة‭ ‬أمام‭ ‬الجميع‭.‬

ففي‭ ‬ذلك‭ ‬الزمان‭ ‬وقبل‭ ‬حلول‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭ ‬المبارك‭ ‬بأيام‭ ‬مع‭ ‬نهاية‭ ‬شهر‭ ‬شعبان‭ ‬يستعد‭ ‬الجميع‭ ‬كبارا‭ ‬وصغارا‭ ‬لاستقبال‭ ‬الشهر‭ ‬الفضيل‭ ‬بدءا‭ ‬بالعادات‭ ‬المرتبطة‭ ‬برمضان‭ ‬حيث‭ ‬تبدأ‭ ‬الأسرة‭ ‬استعداداتها‭ ‬بإخراج‭ ‬قدور‭ ‬الهريس‭ ‬من‭ ‬المطابخ‭ ‬في‭ ‬انتظار‭ ‬مرور‭ ‬الصفافير‭ ‬على‭ ‬الأحياء‭ ‬الشعبية‭ ‬والفرجان‭ ‬لتنظيفها‭ ‬وتلميعها‭ ‬تمهيدا‭ ‬لاستخدامها‭ ‬في‭ ‬إعداد‭ ‬وجبة‭ ‬الفطور‭ ‬الرمضاني‭ ‬الرئيسية‭ ‬الهريس‭ ‬أما‭ ‬نحن‭ ‬الصغار‭ ‬فقد‭ ‬كنا‭ ‬نخرج‭ ‬قبل‭ ‬ثلاثة‭ ‬أو‭ ‬أربعة‭ ‬أيام‭ ‬من‭ ‬حلول‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭ ‬نجوب‭ ‬زرانيق‭ ‬ودواعيس‭ ‬أحيائها‭ ‬الشعبية‭ ‬الضيقة‭ ‬والأحياء‭ ‬القريبة‭ ‬مع‭ ‬طبولنا‭ ‬البدائية‭ ‬التي‭ ‬جهزناها‭ ‬بأنفسها‭ ‬خصيصا‭ ‬لهذه‭ ‬المناسبة‭ ‬الروحية‭ ‬والدينية‭ ‬المباركة‭ ‬مرددين‭ ‬الأناشيد‭ ‬المرتبطة‭ ‬برمضان‭ ‬والتي‭ ‬حفظها‭ ‬الأطفال‭ ‬جيلا‭ ‬بعد‭ ‬جيل‭ ‬نتغنى‭ ‬بها‭ ‬مرحبين‭ ‬ومستبشرين‭ ‬بقدوم‭ ‬الشهر‭ ‬الفضيل‭  ‬‮«‬حياك‭ ‬الله‭ ‬يا‭ ‬رمضان‭ ‬يا‭ ‬بو‭ ‬القرع‭ ‬والبيديان‮»‬‭ ‬حتى‭ ‬وقت‭ ‬متأخر‭ ‬من‭ ‬الليل‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الإضاءة‭ ‬المتواضعة‭.‬

أما‭ ‬الأسرة‭ ‬ومع‭ ‬بداية‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭ ‬المبارك‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬تستقبل‭ ‬الشهر‭ ‬بالشراكة‭ ‬العائلية‭ ‬والإعداد‭ ‬لوجبة‭ ‬الفطور‭ ‬المشتركة‭ ‬التي‭ ‬تجمع‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عائلة‭ ‬واحدة‭ ‬حول‭ ‬سفرة‭ ‬واحدة‭ ‬لتناول‭ ‬هذه‭ ‬الوجبة‭ ‬المكونة‭ ‬من‭ ‬الثريد‭ ‬والهريس‭ ‬والمحلبية‭ ‬وهي‭ ‬الوجبة‭ ‬الرمضانية‭ ‬الشعبية‭ ‬الموحدة‭ ‬لجميع‭ ‬العائلات‭ ‬البحرينية‭ ‬الغنية‭ ‬والفقيرة‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء‭ ‬حيث‭ ‬تبدأ‭ ‬النسوة‭ ‬بعد‭ ‬صلاة‭ ‬الفجر‭ ‬بخبازة‭ ‬خبز‭ ‬الرقاق‭ ‬على‭ ‬التاوة‭ ‬مستخدمين‭ ‬سعف‭ ‬النخيل‭ ‬كوقود‭ ‬حتى‭ ‬شروق‭ ‬الشمس‭ ‬بعدها‭ ‬يتم‭ ‬إعداد‭ ‬وجبة‭ ‬الهريس‭ ‬المرتبطة‭ ‬برمضان‭ ‬وبقية‭ ‬متطلبات‭ ‬المائدة‭ ‬الرمضانية‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الإمكانيات‭ ‬المحدودة‭ ‬حسب‭ ‬احتياجات‭ ‬الأسرة‭ ‬لا‭ ‬تبذير‭ ‬ولا‭ ‬مبالغة‭.‬

وقبل‭ ‬مدفع‭ ‬الإفطار‭ ‬‮«‬الواردة‮»‬‭ ‬كما‭ ‬نسميها‭ ‬تدب‭ ‬الحركة‭ ‬في‭ ‬أحيائنا‭ ‬وفرجاننا‭ ‬وتتحول‭ ‬إلى‭ ‬خلية‭ ‬نحل‭ ‬نتنقل‭ ‬نحن‭ ‬الأطفال‭ ‬من‭ ‬بيت‭ ‬إلى‭ ‬بيت‭ ‬في‭ ‬الحي‭ ‬لتبادل‭ ‬الأطباق‭ ‬الرمضانية‭ ‬المعروفة‭ ‬في‭ ‬ظاهرة‭ ‬اجتماعية‭ ‬تجسد‭ ‬الترابط‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والعلاقة‭ ‬الحميمة‭ ‬بين‭ ‬العائلات‭ ‬البحرينية‭ ‬في‭ ‬أبهى‭ ‬صورها‭.‬

وبعد‭ ‬الإفطار‭ ‬يخرج‭ ‬الأطفال‭ ‬من‭ ‬البيوت‭ ‬لممارسة‭ ‬الألعاب‭ ‬المرتبطة‭ ‬بهذا‭ ‬الشهر‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تجردوا‭ ‬من‭ ‬خوف‭ ‬الظلام‭ ‬في‭ ‬أجواء‭ ‬آمنة‭ ‬بفضل‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭ ‬المبارك،‭ ‬أما‭ ‬المسحر‭ ‬فيجول‭ ‬الأحياء‭ ‬الشعبية‭ ‬ليلا‭ ‬متنقلا‭ ‬من‭ ‬مكان‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬مرددا‭ ‬الأناشيد‭ ‬الرمضانية‭ ‬لإيقاظ‭ ‬الأهالي‭ ‬لتناول‭ ‬وجبة‭ ‬السحور‭ ‬استعدادا‭ ‬للصيام‭.‬

وما‭ ‬أحلى‭ ‬ليلة‭ ‬النصف‭ ‬من‭ ‬رمضان‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬أطفال‭ ‬الحي‭ ‬فهي‭ ‬ليلة‭ ‬القرقاعون‭ ‬وما‭ ‬أدراك‭ ‬ما‭ ‬القرقاعون‭ ‬والتي‭ ‬ينتظرها‭ ‬الأطفال‭ ‬فهي‭ ‬ليلة‭ ‬التقرقع‭ ‬والمرور‭ ‬من‭ ‬بيت‭ ‬إلى‭ ‬بيت‭ ‬مرددين‭ ‬الأناشيد‭ ‬المرتبطة‭ ‬بهذه‭ ‬الليلة‭ ‬حيث‭ ‬تخرج‭ ‬ربات‭ ‬البيوت‭ ‬لتوزيع‭ ‬المكسرات‭ ‬والحلاوة‭ ‬على‭ ‬الأطفال‭ ‬في‭ ‬الأكياس‭ ‬المعلقة‭ ‬بالرقبة‭ ‬حتى‭ ‬وقت‭ ‬متأخر‭ ‬من‭ ‬الليل‭.‬

ومع‭ ‬قرب‭ ‬نهاية‭ ‬الشهر‭ ‬الفضيل‭ ‬وبدء‭ ‬العد‭ ‬التنازلي‭ ‬لانتهاء‭ ‬هذا‭ ‬الشهر‭ ‬المبارك‭ ‬وقبل‭ ‬السحور‭ ‬تخرج‭ ‬الأهالي‭ ‬رجالا‭ ‬ونساء‭ ‬كبارا‭ ‬وصغارا‭ ‬لتوديع‭ ‬هذا‭ ‬الشهر‭ ‬الفضيل‭ ‬حامدين‭ ‬الله‭ ‬على‭ ‬نعمه‭ ‬داعين‭ ‬المولى‭ ‬العلي‭ ‬القدير‭ ‬أن‭ ‬يتقبل‭ ‬منهم‭ ‬صيامهم‭ ‬وقيامهم‭ ‬مع‭ ‬بدء‭ ‬الاستعدادات‭ ‬لاستقبال‭ ‬عيد‭ ‬الفطر‭ ‬المبارك‭.‬

أما‭ ‬اليوم‭ ‬ومع‭ ‬تطور‭ ‬الحياة‭ ‬وتبدل‭ ‬نمط‭ ‬العيش‭ ‬فقد‭ ‬اختفت‭ ‬هذه‭ ‬المظاهر‭ ‬الرمضانية‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬رحم‭ ‬ربي‭ ‬وتحول‭ ‬هذا‭ ‬الشهر‭ ‬الفضيل‭ ‬إلى‭ ‬مناسبة‭ ‬للإهدار‭ ‬والمبالغة‭ ‬في‭ ‬الاستهلاك‭ ‬الذي‭ ‬تحدثنا‭ ‬عنه‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مناسبة‭ ‬وأكثر‭ ‬من‭ ‬مقال‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا