كلما نستقبل شهر رمضان المبارك هذا الشهر الفضيل تعود بنا الذاكرة نحن جيل النصف الثاني من خمسينيات القرن الماضي إلى ذلك الزمن الجميل زمن البساطة والإمكانيات المتواضعة والعلاقات الاجتماعية المشتركة في البيت العود الذي يحتضن أكثر من عائلة تحت سقف واحد في كنف الجدة التي تدير أمور البيت والجد رب الأسرة والمسؤول الأول عن رعاية الجميع زمن الترابط والتواصل بين أبناء الأحياء الشعبية والبيوت المفتوحة أمام الجميع.
ففي ذلك الزمان وقبل حلول شهر رمضان المبارك بأيام مع نهاية شهر شعبان يستعد الجميع كبارا وصغارا لاستقبال الشهر الفضيل بدءا بالعادات المرتبطة برمضان حيث تبدأ الأسرة استعداداتها بإخراج قدور الهريس من المطابخ في انتظار مرور الصفافير على الأحياء الشعبية والفرجان لتنظيفها وتلميعها تمهيدا لاستخدامها في إعداد وجبة الفطور الرمضاني الرئيسية الهريس أما نحن الصغار فقد كنا نخرج قبل ثلاثة أو أربعة أيام من حلول شهر رمضان نجوب زرانيق ودواعيس أحيائها الشعبية الضيقة والأحياء القريبة مع طبولنا البدائية التي جهزناها بأنفسها خصيصا لهذه المناسبة الروحية والدينية المباركة مرددين الأناشيد المرتبطة برمضان والتي حفظها الأطفال جيلا بعد جيل نتغنى بها مرحبين ومستبشرين بقدوم الشهر الفضيل «حياك الله يا رمضان يا بو القرع والبيديان» حتى وقت متأخر من الليل في ظل الإضاءة المتواضعة.
أما الأسرة ومع بداية شهر رمضان المبارك فقد كانت تستقبل الشهر بالشراكة العائلية والإعداد لوجبة الفطور المشتركة التي تجمع أكثر من عائلة واحدة حول سفرة واحدة لتناول هذه الوجبة المكونة من الثريد والهريس والمحلبية وهي الوجبة الرمضانية الشعبية الموحدة لجميع العائلات البحرينية الغنية والفقيرة على حد سواء حيث تبدأ النسوة بعد صلاة الفجر بخبازة خبز الرقاق على التاوة مستخدمين سعف النخيل كوقود حتى شروق الشمس بعدها يتم إعداد وجبة الهريس المرتبطة برمضان وبقية متطلبات المائدة الرمضانية في ظل الإمكانيات المحدودة حسب احتياجات الأسرة لا تبذير ولا مبالغة.
وقبل مدفع الإفطار «الواردة» كما نسميها تدب الحركة في أحيائنا وفرجاننا وتتحول إلى خلية نحل نتنقل نحن الأطفال من بيت إلى بيت في الحي لتبادل الأطباق الرمضانية المعروفة في ظاهرة اجتماعية تجسد الترابط الاجتماعي والعلاقة الحميمة بين العائلات البحرينية في أبهى صورها.
وبعد الإفطار يخرج الأطفال من البيوت لممارسة الألعاب المرتبطة بهذا الشهر بعد أن تجردوا من خوف الظلام في أجواء آمنة بفضل شهر رمضان المبارك، أما المسحر فيجول الأحياء الشعبية ليلا متنقلا من مكان إلى آخر مرددا الأناشيد الرمضانية لإيقاظ الأهالي لتناول وجبة السحور استعدادا للصيام.
وما أحلى ليلة النصف من رمضان بالنسبة إلى أطفال الحي فهي ليلة القرقاعون وما أدراك ما القرقاعون والتي ينتظرها الأطفال فهي ليلة التقرقع والمرور من بيت إلى بيت مرددين الأناشيد المرتبطة بهذه الليلة حيث تخرج ربات البيوت لتوزيع المكسرات والحلاوة على الأطفال في الأكياس المعلقة بالرقبة حتى وقت متأخر من الليل.
ومع قرب نهاية الشهر الفضيل وبدء العد التنازلي لانتهاء هذا الشهر المبارك وقبل السحور تخرج الأهالي رجالا ونساء كبارا وصغارا لتوديع هذا الشهر الفضيل حامدين الله على نعمه داعين المولى العلي القدير أن يتقبل منهم صيامهم وقيامهم مع بدء الاستعدادات لاستقبال عيد الفطر المبارك.
أما اليوم ومع تطور الحياة وتبدل نمط العيش فقد اختفت هذه المظاهر الرمضانية إلا من رحم ربي وتحول هذا الشهر الفضيل إلى مناسبة للإهدار والمبالغة في الاستهلاك الذي تحدثنا عنه في أكثر من مناسبة وأكثر من مقال.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك