لقد عكست المواجهات العسكرية بين كلٍّ من الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، التي اندلعت في 28 فبراير 2026م، السمات الثلاث للأزمة: فهي بلا مقدمات، وتطلبت قرارات حاسمة من دول مجلس التعاون في وقت محدود للغاية، مع تضارب المعلومات أو نقصها. من ناحية ثانية، تصنف الأزمة بأنها دولية وفق تعريف المرحوم الأستاذ الدكتور مصطفى علوي، بأنها «موقف ينشأ من احتدام صراع شامل طويل وممتد بين دولتين أو أكثر، وذلك نتيجة سعي أحد الأطراف إلى تغيير التوازن الاستراتيجي القائم، ما يشكل تهديداً جوهرياً لقيم وأهداف ومصالح الخصم، الذي يتجه للمقاومة، ويستمر هذا الموقف فترة زمنية محدودة نسبياً، يتخللها لجوء الأطراف إلى القوة العسكرية، كما ينتهي هذا الموقف إلى إفراز نتائج مهمة تؤثر في النظام الفرعي القائم»؛ وهو تعريف يعكس السياسات الإيرانية.
إذ سعت إيران بالفعل إلى تغيير توازن القوى الإقليمي، تارة من خلال الثورة الإيرانية في عام 1979م، وتارة أخرى من خلال حرب الثماني سنوات مع العراق 1980-1981م، وتضمنت السيناريو الراهن ذاته من خلال العمل على دفع دول الخليج العربي لأن تكون طرفاً في تلك الحرب، وصولاً إلى المراوغة بشأن برنامجها النووي من خلال توقيع الاتفاق النووي في عام 2015م بهدف رفع العقوبات الأمريكية عنها، رغبةً في توظيف ملايين الدولارات في تنفيذ مشروعها الإقليمي المهيمن، والذي استهدف تغيير توازن القوى الإقليمي، وهو ما يعد تهديداً للأمن الإقليمي والعالمي على حدٍّ سواء.
ومع أهمية ما سبق، ومع مخاطر وتداعيات الأزمة، حيث تصاعد الرد الإيراني الممنهج على أراضي دول الخليج العربي منذ الساعات الأولى، من الأهداف الأمريكية إلى الموانئ الخليجية، ثم المنشآت الحيوية ومنشآت الطاقة، ثم المرافق المدنية مثل المطارات والمساكن، فإن مملكة البحرين ودول مجلس التعاون أدارت الأزمة بمهارة انطلاقاً من ثلاث حقائق. الأولى: الخبرة التراكمية لهذه الدول في مواجهة أزمات أمنية إقليمية. فدول الخليج تقع ضمن محيط إقليمي يتسم بحالة من التأزيم المزمن، بدءاً بمحاولات إيران لتصدير ثورتها إلى الخليج، ومروراً بالحرب مع العراق، وانتهاءً بمشروع إقليمي إيراني تجاوز كافة المواثيق الدولية ومبادئ القانون الدولي، الداعية إلى احترام سيادة الدول واستقلالها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. والثانية: استنفاد دول الخليج العربي لكافة السُبُل لترشيد سلوك النظام الإيراني، الذي ظل معلناً ثوابته تجاه المنطقة، ومجملها تعزيز الهيمنة الإقليمية، ولم يكن الأمر قط محل خلاف بين جناحي حكمه الإصلاحي والمحافظ. والثالثة: حقيقة تم تغييبها أو تجاهلها من قِبَل النظام الإيراني، وهي أن أمن الخليج العربي هو شأن عالمي، فأمن العالم يبدأ من الخليج لأسباب عديدة.
تأسيساً على ما سبق، فقد تميزت إدارة دول مجلس التعاون لهذه الأزمة بخمس سمات - أو بالأحرى مسارات متوازية ومتكاملة. أولاً: دور القائد خلال الأزمة. فتلاحم القائد والشعب في دول مجلس التعاون نموذجٌ يحتذى به، لما له من أثر كبير في بث الطمأنينة في المجتمع، ودعم مؤسساته العسكرية والأمنية، وهو ما تجلى في زيارة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم القائد الأعلى للقوات المسلحة حفظه الله ورعاه، لسلاح الجو الملكي البحريني، وتأكيد جلالته أن «مملكة البحرين -ولله الحمد- اليوم أكثر اتحاداً وأكثر قوة، وتقف صفاً واحداً حول راية الوطن العزيز». هذا فضلاً عن زيارة جلالته لوزارة الداخلية، حيث أثنى جلالته على «التكاتف والعمل المشترك والتنسيق المستمر بين وزارة الداخلية وقوة دفاع البحرين والحرس الوطني، ومختلف الأجهزة العسكرية والأمنية، لما لذلك من دور محوري في تعزيز منظومة الأمن الوطني وترسيخ ركائز الاستقرار». ثانياً: مهارة الأجهزة الأمنية والعسكرية في إدارة هذه الأزمة، وليس ذلك بمستغرب. فدول مجلس التعاون نفذت عدداً كبيراً من «تمرينات المحاكاة» للتعامل مع حالات الطوارئ والأزمات، كما قدمت للعالم نموذجاً ودروساً مستفادة خلال إدارتها الناجحة لأزمة كورونا.
ولعل ما يميز جهود هذه الدول في الأزمة الراهنة هي الجهود المضاعفة لحماية مؤسسات الدولة ومواطنيها والمقيمين فيها، لضمان تسيير الحياة اليومية، وفي الوقت ذاته الذود عن منشآت الدولة الحيوية. وثالثاً: إدانة الهجمات الإيرانية على أراضيها بشكل جماعي من خلال مجلس التعاون، وأيضاً على المستوى الفردي، وتأكيد أن هذه الاعتداءات هي انتهاك جسيم لمبادئ الأمم المتحدة والقانون الدولي، مع نجاحها في تدويل هذه الإدانات باستصدار القرار الأممي رقم 2817، بتأييد 135 عضواً في منظمة الأمم المتحدة، وقدمته مملكة البحرين نيابةً عن دول مجلس التعاون والأردن، وقد اعتبر القرار أن الهجمات الإيرانية على دول الخليج العربي انتهاكٌ للقانون الدولي، وتهديدٌ خطيرٌ للسلام والأمن الدوليين. وفي ضوء هذا القرار، توالت الإدانات الدولية لإيران، ما زاد من عزلتها الدولية دبلوماسياً. ورابعاً: تجلّى التضامن الخليجي في أسمى مضامينه بتسخير المملكة العربية السعودية لمطاراتها وموانئها البديلة بعيداً عن مضيق هرمز لأشقائها من دول مجلس التعاون دعماً للتجارة البحرية، وتأكيد سلطنة عمان أن موانئها جاهزة للغرض ذاته، وذلك على سبيل المثال لا الحصر، مما يؤكد حقيقةً مفادها أن التكامل الخليجي يجسد الهدف والمصير الواحد لدول تربطها أواصر تاريخية وجغرافية واجتماعية وثقافية، في تشابك لا مثيل له في مناطق أخرى من العالم. وخامساً: الرسالة الخليجية الموحدة إلى العالم، إذ لوحظ أن كافة مندوبي دول مجلس التعاون في المحافل الدولية كانوا متحدثين باسم بلادهم ودول المجلس معاً، ما عزز المساعي الدبلوماسية الخليجية في تلك المحافل، وأثمرت تأييدا دوليا كبيرا لحق هذه الدول في الدفاع عن نفسها، مع إدانة وشجب الاعتداءات الإيرانية غير المبررة على أراضي دول لطالما سعت إلى الوساطة النزيهة في خلافات إيران مع القوى الدولية، ولم تكن قط من دعاة الحروب.
تؤكد دول الخليج العربي مجدداً قدرتها على التعامل مع الأزمات بكافة أبعادها: الأمنية والسياسية، والاقتصادية والبيئية والإعلامية، وتقدم للعالم مجدداً نموذجاً يحتذى به في كيفية مواجهة آثار الاعتداءات الإيرانية، وسلامة وانتظام عمل مؤسساتها، لتبقى هذه الدول واحة أمن وأمان للمواطن والمقيم على حدٍّ سواء.
{ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية بمركز «دراسات»

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك