تتزايد المؤشرات على أن العالم يتجه نحو عصر التعددية القطبية، أي أفول عهد الهيمنة الأمريكية المنفردة، وتوزع القوة العالمية بين قوى متعددة. نما الاقتصاد الصيني واقترب من حجم اقتصاد الاتحاد الأوروبي، وثلثي الاقتصاد الأمريكي، وباتت الصين رائدة تكنولوجية مخيفة، وضاعفت خلال سنوات قليلة ترسانتها العسكرية النووية، وطورت بإحكام ترسانتها العسكرية التقليدية.
وأثبت الحرب الروسية الأوكرانية الاستعداد الروسي لخوض الحروب في سبيل إعادة رسم الحدود دفاعاً عن مصالحها، كقوة قطبية عالمية. وتوسعت مجموعة البريكس، بمزيد من الدول، لتعزز نظاماً ينافس النظام الغربي المهيمن. وارتفع عدد القوى المتوسطة عالمياً باطراد لافت، سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي أو حتى العسكري، في تحولات تعزز الاقتراب من القطبية المتعددة.
تقف الولايات المتحدة على الجانب الآخر من تلك التحولات ساعية إلى تقويضها، للاحتفاظ بتسيُّدها. وقد تكون السياسة التي اتبعها دونالد ترامب منذ وصوله إلى السلطة، من فرض تعريفات جمركية مرتفعة، على حلفائه وأعدائه، وتخفيض اعتماد حلفائه الغربيين عسكرياً على واشنطن، ومحاولاته السيطرة على فنزويلا وجرينلاند بالقوة، طريقته لإثبات أن العالم لا يزال محكوماً وفق القطبية الأمريكية المطلقة. ولكن هل تعي واشنطن أن الاستنزاف الأمريكي في معركة جانبية مع إيران، من أجل أهداف وطموحات بنيامين نتنياهو، يشكل إنهاكاً لقدراتها، التي تحتاجها لمواجهة أندادها، خصوصاً الصين وروسيا، في معركتها الوجودية؟
تعدُّ إسرائيل المُهندس الرئيسي للحرب الحالية ضد إيران، والتي تخوضها بثمن محدود بسبب شراكتها مع واشنطن. تظهر استطلاعات الرأي في إسرائيل تأييد الحرب على إيران بأغلبية كبيرة، في ظل الشراكة مع واشنطن، بينما يتضاءل ذلك التأكيد كثيراً، في حال شنت إسرائيل الحرب على إيران بمفردها. وتعتقد إسرائيل أن الوقت والفرصة مناسبان حالياً، لاستغلال ضعف إيران للقضاء عليها، بعد حرب غزة، وإضعاف «حزب الله» في لبنان، لتغيير وجهة الشرق الأوسط وتحالفات المنطقة، وفي ظل طموحات نتنياهو الداخلية أيضاً، والمرتبطة بالانتخابات والاحتفاظ بالسلطة.
على الجانب الآخر، تخوض واشنطن هذه الحرب على إيران، دون تقديم مبرر سياسي أو عسكري مقنع داخلياً، أو دعم من الكونجرس، أو مساندة شعبية أمريكية، ودون تفويض من الأمم المتحدة، أو تحالف مع أصدقاء واشنطن. ولم يكن هناك تهديد وشيك بحصول إيران على أسلحة نووية أو شن هجمات على الولايات المتحدة وحلفائها وشركائها في المنطقة. وحسب استطلاع رأي أجرته القناة الثانية عشرة الإسرائيلية نهاية الشهر الماضي، أيدت غالبية كبيرة من الإسرائيليين شنّ هجوم أمريكي إسرائيلي مشترك على إيران، بينما أظهر استطلاع رأي أجرته شبكة CNN مؤخراً، أن 60 في المائة من الأمريكيين يرفضون هذه الحرب، ويطالبون ترامب بالحصول على موافقة الكونجرس على أي تعاون عسكري إضافي. ويشكك العديد من الأمريكيين في جدوى هذه الحرب، خصوصاً داخل تحالف «لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً»(MAGA) ، وفي ظل وعود ترامب لأنصاره بعدم شن حروب جديدة.
لم تنجح واشنطن في تحقيق استراتيجيتها التي تبلورت في عهد الرئيس باراك أوباما في عام 2011 بالاستدارة نحو آسيا، وتخفيف ارتباطاتها بالشرق الأوسط، وذلك لمواجهة الصعود المتسارع للصين، التي تشكل الخطر الأكبر على مستقبل النظام الدولي الأحاديّ القطبية بقيادة واشنطن. ورغم بقاء هذه الاستراتيجية حاضرة في توجهات الإدارات اللاحقة، فقد ذكرت الصين في استراتيجية الأمن القومي للعام الماضي أكثر من أي خصم آخر، إلا أن الولايات المتحدة تتراجع يوماً بعد يوم عن وجودها العسكري وتحالفاتها في آسيا من أجل الشرق الأوسط وحماية إسرائيل.
رغم أنه الهدف المعلن لإسرائيل، واستهل به ترامب أهداف الهجوم على إيران نهاية الشهر الماضي، يتفق المحللون الإسرائيليون والمسؤولون الأمريكيون اليوم على صعوبة إسقاط النظام في إيران. ولجأت الولايات المتحدة، في أعقاب اغتيال المرشد وعدد من القادة الإيرانيين، إلى دعوة الشعب الإيراني للثورة على النظام، وهو ما لم يتحقق أيضاً. وتوجهت واشنطن، ضمن ذات السياق، لتسليح مليشيات كردية شمال العراق لغزو إيران وإسقاط النظام، كما قامت إسرائيل بقصف مواقع حدودية ومواقع شرطية وعسكرية على طول الحدود الشمالية بين إيران والعراق لتمهيد الطريق لتلك المليشيات.
يأتي ذلك على الرغم من اتفاق عديد من خبراء مراكز التفكير الأمريكية على أن انهيار النظام في إيران من دون ترتيب سياسي واضح، سيتسبب بـ «زعزعة الاستقرار» في المنطقة، ويشكل خطرًا كبيرًا على المصالح الأمريكية. في تحليل حديث لبروكنجز، جرى التحذير من أن تغيير النظام هو «أخطر» نقطة ضعف في الحرب، لأن السيناريوهات المحتملة كلها سيئة، ويصف بروكنجز هذا المسار بأنه قد يقود إلى نتيجة خاسرة للجميع. كما يعتقد مجلس العلاقات الخارجية CFR أن الآثار الفورية لانهيار النظام قد تكون «شديدة الإشكال»، حيث ستشعل اضطرابات عابرة للحدود، أو نزعات انفصالية، تضر بالجوار الخليجي والإقليمي، وبأمن واقتصاد المنطقة، وتشكل السيناريو الأصعب على الولايات المتحدة. وترى كذلك مؤسسة RAND أن أي انهيار غير منظم في إيران لا يهدد فقط ميزان القوى، بل أيضاً التجارة والطاقة والاستقرار الإقليمي، وهي ملفات تمس مباشرة المصالح الأمريكية وحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة. ورغم وجود مراكز أمريكية تدعم سقوط النظام في إيران، وإن كانت محدودة مقارنة بالتوجه السابق، مثل معهد واشنطن القريب من إسرائيل، إلا أن تلك المراكز لا تقدم رؤية واضحة لنتائج ذلك الانهيار على المنطقة وعلى مصالح واشنطن.
طلبت الولايات المتحدة من إسرائيل مؤخراً وقف ضرب البنية التحتية للطاقة في إيران، خصوصًا منشآت النفط، وهي المرة الأولى التي تضغط فيها واشنطن على إسرائيل لوقف نوع محدد من الهجمات منذ بداية هذه الحرب. وقصفت إسرائيل عشرات مستودعات الوقود الإيرانية، الأمر الذي أثار حفيظة واشنطن. فقد تخرج إيران بعد هذه الحرب، بعد أن تجنبت لعقود خوض صراع مباشر مع أمريكا وإسرائيل أكثر تصميمًا على التسليح النووي لردع أي اعتداءات مستقبلية عليها من قبل إسرائيل.
عملت دول الخليج خلال السنوات الأخيرة على خفض التوتر مع إيران، بعد سنوات من توتر العلاقات، ولا ترغب في تجديد تلك التوترات. وترغب تلك الدول في الحفاظ على الاستقرار السياسي، الذي يوفر لها الأمان الاقتصادي، ويشكل المستقبل المنشود لتلك الدول.
جاء قرار الحكومة البريطانية إلغاء خطط إرسال حاملة الطائرات برنس أوف ويلز إلى الشرق الأوسط، واختيار لندن لمشاركة محدودة في الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، بعد نشرها لطائرات Typhoon وF-35، وإرسال المدمرة HMS Dragon، القادرة على اعتراض الصواريخ الباليستية.
وهناك معارضة سياسية داخل بريطانيا لتوسيع المشاركة في الحرب، مطلع الشهر الجاري، شهدت قبرص أول استهداف صاروخي إيراني، لقاعدة عسكرية بريطانية فوق أراضيها، والذي أعقبه غضب شعبي، وخرج الرئيس القبرصي بتصريحات تؤكد أن بلاده لا تشارك بأية عمليات عسكرية مرتبطة بالحرب في إيران، كما طرح وزير الخارجية القبرصي ضرورة إعادة النظر في ترتيبات لهذه القواعد البريطانية على المدى الطويل. ورغم طلب واشنطن المساعدة من الحلفاء الغربيين في هذه الحرب على إيران، اختار معظمهم عدم المشاركة في هجوم عسكري مباشر، وكانت بريطانيا الأكثر تعاوناً، واختار عدد من الدول الأوروبية تدخلاً دفاعياً محدوداً كفرنسا، بينما رفضت إسبانيا تماماً التعاون مع واشنطن في الحرب. وترفض الأحزاب اليسارية في تلك البلدان مشاركة حكوماتهم في هذه الحرب، كما تشير استطلاعات الرأي في دول الاتحاد الأوروبي إلى معارضة الأغلبية لمشاركة بلدانهم في دعم إسرائيل في هذه الحرب، وهو ما يعكس أيضاً رأي غالبية البريطانيين.
تكبّدت الاقتصادات الأوروبية خسائر فادحة بعد انقطاع مصادر الطاقة الروسية، في أعقاب حرب أوكرانيا، وقد تتفاقم بسبب الأزمة الحالية. وفي ظل تعزز الشكوك الأوروبية حول التزام الولايات المتحدة تجاه القارة العجوز، قد تصبح روسيا المستفيد الأول من جميع هذه التطورات، خصوصاً أن الولايات المتحدة رفعت العقوبات عن السفن الروسية المتجهة إلى الهند، وعن الفرع الألماني لشركة روسنفت، عملاق النفط الروسي. فهل أدركت واشنطن أن حماية إسرائيل باتت تشكل عبئا استراتيجيا ثقيلا عليها؟
{ أكاديمية فلسطينية مختصة
في العلاقات الدولية

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك