كتبتُ هذه الأفكار قبل اندلاع الأحداث الأخيرة المرتبطة بإيران، ثم استبدلتها لاحقًا بمقال آخر تناول الأزمة الراهنة. غير أنني رأيت الآن تأكيد هذا التفكير مجددا، لأنه يطرح قضية تتجاوز أزمة بعينها، وهي ضرورة التعامل مع الأمن الإقليمي بصورة منهجية وشاملة، لا بوصفه مجرد رد فعل على تطورات طارئة. ومع ذلك، فمن الطبيعي أن تفرض التطورات المستقبلية تعديل بعض المقترحات أو تطويرها.
يظل الشرق الأوسط من أكثر مناطق العالم اضطرابًا وتعقيدًا، حيث تتداخل الصراعات الممتدة مع تأثيرات خارجية كبيرة ومتعددة. وخلال السنوات الأخيرة، تزايدت حدة التوترات والنزاعات في المنطقة، في وقت يظل فيه غياب آلية إقليمية فعالة للأمن الجماعي أحد أبرز مظاهر الخلل في النظام الإقليمي. وقد طُرحت في هذا السياق أفكار لإنشاء منظمة أمنية إقليمية للمنطقة العربية.
ورغم جاذبية هذا الطرح من حيث المبدأ، فإن الظروف الراهنة قد لا تسمح بتحقيقه بصورة عملية. فالمنطقة تشهد تصاعدًا في اللجوء إلى القوة، بما في ذلك عبر الحدود، كما توجد توجهات لدى بعض الأطراف لإعادة صياغة التوازنات الإقليمية بطرق قد تفضي إلى تقليص أو تهميش الهوية العربية الغالبة في المنطقة.
إن الوضع الأمني في الشرق الأوسط شديد التعقيد، ولا يمكن تجاهله أو الاكتفاء بردود فعل متفرقة تجاه أزماته المتلاحقة. ومع ذلك، فإن الخيار ليس بين الإهمال أو التسرع في إنشاء منظومة أمنية شاملة للمنطقة بأكملها في ظروف قد لا تكون مواتية للمصالح العربية. والأجدى هو التحرك بقدر من الحكمة والتدرج لتحقيق الأمن والاستقرار على أساس قوة القانون وشرعيته، بدلاً من الاعتماد على الحسابات الأمنية المنفردة أو توازنات القوة المتغيرة.
ومن هذا المنطلق، يبدو أن المدخل الأكثر واقعية في المرحلة الحالية هو بلورة مفهوم عربي للأمن الجماعي أولاً، على أن يتطور تدريجيًا لاحقًا إلى إطار إقليمي أوسع. ويقوم هذا التوجه على البناء على ما هو قائم من مؤسسات وآليات عربية بدلاً من استبدالها، مع تطويرها وتعزيز فاعليتها. ويشمل ذلك طرح مجموعة من الإجراءات العملية على المستوى العربي، مثل تعزيز آليات تجنب الأزمات وإدارتها، وتشجيع تسوية المنازعات بالطرق السلمية، وتطوير التعاون في مجالات الأمن الإقليمي ونزع السلاح النووي إضافة إلى التنسيق في مواجهة الكوارث والأزمات الإنسانية، وقضايا الأمن المائي وأمن الملاحة.
كما يمكن تطوير آليات عملية للتعاون الأمني العربي، من بينها إعداد قراءات استباقية للأزمات المحتملة، وتبادل المعلومات حول المناورات والتحركات العسكرية، وتفعيل قنوات الاتصال المباشر بين القيادات العسكرية والسياسية، بما في ذلك إنشاء خطوط اتصال ساخنة لتجنب سوء التقدير في أوقات الأزمات.
ومن المفيد أيضًا تشجيع الدراسات العربية المشتركة حول قضايا الأمن الإقليمي والوطني بين المؤسسات البحثية والاستراتيجية القائمة، أو التفكير في إنشاء كلية عربية للدراسات الأمنية والدفاعية تسهم في تطوير فهم مشترك للتحديات الأمنية. كما يمكن الاستفادة في هذا السياق من خبرات ترتيبات أمنية قائمة في مناطق أخرى من العالم من حيث آليات بناء الثقة وإدارة الأزمات.
وقد يكون من العملي أن تبدأ هذه الجهود بصيغ ثنائية أو بين عدد محدود من الدول العربية القادرة والراغبة في التحرك بسرعة، على أن يتم توسيع نطاقها تدريجيًا لتشمل الإطار العربي الأوسع.
وفي هذا الإطار، ينبغي أن تظل جامعة الدول العربية نقطة الارتكاز الأساسية في بلورة مفهوم عربي متكامل للأمن، يتم تطويره تدريجيًا. ويمكن أن يقود ذلك في النهاية إلى إنشاء منظمة أمنية للعالم العربي والشرق الأوسط، بما يحافظ على مركزية الهوية العربية في المنطقة مع بحث استيعاب الأطراف الأخرى في إطار متوازن.
ويختلف هذا الطرح عن بعض المبادرات السابقة التي دعت إلى إنشاء منظومة أمن شرق أوسطية تتجاوز البعد العربي أو تهمشه.
فقد أُنشئت جامعة الدول العربية عام 1945 لتكون إطارًا للتنسيق السياسي بين الدول الأعضاء، كما أقرت معاهدة الدفاع العربي المشترك التي تنص على الرد الجماعي على أي اعتداء. غير أن تنفيذ هذه المعاهدة ظل دون مستوى الطموحات بسبب تباين الأولويات الوطنية والخارجية بين الدول الأعضاء.
ونجح مجلس التعاون لدول الخليج العربية في تحقيق قدر من التكامل الأمني بين أعضائه، من خلال مبادرات مثل قوة «درع الجزيرة» والتدريبات العسكرية المشتركة وتبادل المعلومات. ومن ثم، فإن الحفاظ على هذه المؤسسات وتطويرها يظل عنصرًا أساسيًا في أي تصور مستقبلي للأمن الإقليمي.
ومع التمسك بمبدأ التدرج من الإطار العربي إلى الإطار الإقليمي، يصبح من المهم الاستعداد لمرحلة الحوار مع الأطراف غير العربية. ويتطلب ذلك بلورة مجموعة من المبادئ الأساسية للأمن والتعاون الإقليمي، التي ينبغي أن تلتزم بها أي دولة ترغب في المشاركة في بناء منظومة أمن إقليمي.
ومن أهم هذه المبادئ: الالتزام بالقانون الدولي، واحترام سيادة الدول وسلامة أراضيها، وعدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، إضافة إلى تحقيق مبدأ الأمن المتساوي لجميع الدول.
كما يمثل بناء الثقة بين الأطراف عنصرًا أساسيًا في أي منظومة أمنية مستقبلية. ويمكن تحقيق ذلك من خلال إجراءات عملية مثل تجنب الهجمات المفاجئة، والحد من انتشار أسلحة الدمار الشامل، واحترام قواعد القانون الدولي الإنساني، وعدم استهداف الأعيان المدنية أثناء النزاعات.
إن تحقيق الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط يتطلب عملاً جادًا ومتواصلًا يواكب التحولات المتسارعة في المنطقة. وقد أثبتت تجارب السنوات الأخيرة بوضوح أن المخاطر الإقليمية تظل التحدي الأساسي، وأن الاعتماد المفرط على القوى الخارجية في القضايا الأمنية لا يحقق بالضرورة الأمن والاستقرار المنشودين.
ومن هنا، فإن بلورة مفهوم متدرج للأمن يبدأ بالمستوى الوطني، ثم العربي، ثم الإقليمي، تظل ضرورة استراتيجية للحفاظ على أمن المنطقة ومصالح شعوبها.
{ وزير خارجية مصر السابق

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك