العدد : ١٧٥٢٥ - الثلاثاء ١٧ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٢٥ - الثلاثاء ١٧ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ رمضان ١٤٤٧هـ

قضايا و آراء

في العشر الأواخر.. دعاء من أجل السلام

بقلم: نبيلة رجب

الثلاثاء ١٧ مارس ٢٠٢٦ - 02:00

كم‭ ‬هو‭ ‬ضعيف‭ ‬الإنسان‭ ‬أمام‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العالم،‭ ‬يرى‭ ‬الألم‭ ‬ولا‭ ‬يملك‭ ‬إيقافه،‭ ‬ويسأل‭ ‬ولا‭ ‬يجد‭ ‬جوابًا‭. ‬تمرُّ‭ ‬صور‭ ‬كثيرة‭ ‬وتترك‭ ‬في‭ ‬النفس‭ ‬أثرًا‭ ‬لا‭ ‬يزول‭ ‬سريعًا،‭ ‬وتبقى‭ ‬أشياء‭ ‬كثيرة‭ ‬بلا‭ ‬تفسير‭ ‬وبلا‭ ‬حل‭. ‬وحين‭ ‬يبلغ‭ ‬الإنسان‭ ‬هذا‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬العجز،‭ ‬لا‭ ‬يجد‭ ‬أمامه‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬يرفع‭ ‬يديه‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬بيده‭ ‬كل‭ ‬شيء‭. ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬الليالي‭ ‬المباركة‭ ‬من‭ ‬رمضان‭ ‬يهدأ‭ ‬القلب‭ ‬حين‭ ‬يقف‭ ‬بين‭ ‬يدي‭ ‬الله‭ ‬ويضع‭ ‬عنده‭ ‬ما‭ ‬أثقله،‭ ‬مطمئنًا‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬كله‭ ‬تحت‭ ‬عين‭ ‬رب‭ ‬رحيم‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬القرب‭ ‬تمتلئ‭ ‬النفس‭ ‬بشيء‭ ‬من‭ ‬السكينة‭ ‬يعيد‭ ‬إليها‭ ‬توازنها‭. ‬لا‭ ‬تختفي‭ ‬هموم‭ ‬العالم،‭ ‬ولا‭ ‬تتوقف‭ ‬الأحداث‭ ‬من‭ ‬حولنا،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الإنسان‭ ‬يشعر‭ ‬أن‭ ‬داخله‭ ‬أصبح‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬الاحتمال‭.‬

بين‭ ‬ثنايا‭ ‬هذه‭ ‬الليالي‭ ‬يكتشف‭ ‬الإنسان‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬أعقد‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يُفهم‭ ‬كله‭ ‬دفعة‭ ‬واحدة‭. ‬تمرّ‭ ‬أشياء‭ ‬كثيرة‭ ‬أمامنا‭ ‬ولا‭ ‬نجد‭ ‬لها‭ ‬تفسيرًا‭ ‬واضحًا‭. ‬ومع‭ ‬الوقت‭ ‬يهدأ‭ ‬ذلك‭ ‬الإلحاح‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬ويقترب‭ ‬المرء‭ ‬من‭ ‬معنى‭ ‬التواضع‭ ‬أمام‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬نحيط‭ ‬به‭ ‬علمًا‭.‬

ومع‭ ‬امتداد‭ ‬السهر‭ ‬في‭ ‬ذكر‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأيام،‭ ‬يمرّ‭ ‬في‭ ‬الخاطر‭ ‬كم‭ ‬تتغير‭ ‬نظرتنا‭ ‬إلى‭ ‬تفاصيل‭ ‬حياتنا‭ ‬الصغيرة‭ ‬حين‭ ‬ننظر‭ ‬إليها‭ ‬بهدوء؛‭ ‬فكأن‭ ‬النفس‭ ‬تهمس‭ ‬بمعنى‭ ‬تلك‭ ‬الآية‭:‬

‭(‬وإن‭ ‬تعدّوا‭ ‬نعمة‭ ‬الله‭ ‬لا‭ ‬تحصوها‭).‬

في‭ ‬لحظات‭ ‬السكون‭ ‬يظهر‭ ‬عتب‭ ‬هادئ‭ ‬على‭ ‬النفس‭. ‬كم‭ ‬من‭ ‬أمور‭ ‬ضخمناها‭ ‬في‭ ‬أيام‭ ‬سابقة،‭ ‬وتركناها‭ ‬تأخذ‭ ‬من‭ ‬حياتنا‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬تستحق‭. ‬شغلنا‭ ‬بها‭ ‬تفكيرنا،‭ ‬وربما‭ ‬أرهقنا‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬حولنا،‭ ‬ثم‭ ‬نكتشف‭ ‬بعد‭ ‬حين‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬أصغر‭ ‬بكثير‭ ‬مما‭ ‬ظننا،‭ ‬وأن‭ ‬ما‭ ‬بدا‭ ‬في‭ ‬وقته‭ ‬ثقيلاً‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬في‭ ‬حقيقته‭ ‬إلا‭ ‬عابرًا‭ ‬في‭ ‬طريق‭ ‬الأيام‭. ‬عندها‭ ‬يدرك‭ ‬الإنسان‭ ‬كم‭ ‬يبدل‭ ‬الهدوء‭ ‬نظرتنا‭ ‬إلى‭ ‬الأشياء،‭ ‬وكم‭ ‬يخفف‭ ‬عن‭ ‬النفس‭ ‬حين‭ ‬نراها‭ ‬من‭ ‬مسافة‭ ‬أهدأ‭.‬

وسط‭ ‬هذا‭ ‬التأمل‭ ‬يعود‭ ‬السؤال‭: ‬كيف‭ ‬يصل‭ ‬البشر‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الدرجة‭ ‬من‭ ‬القسوة؟‭ ‬الحروب‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬لا‭ ‬تبدأ‭ ‬دفعة‭ ‬واحدة‭. ‬هي‭ ‬تتشكل‭ ‬ببطء،‭ ‬حين‭ ‬تتسع‭ ‬رغبات‭ ‬الامتلاك‭ ‬والهيمنة‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الآخرين،‭ ‬حتى‭ ‬يجد‭ ‬الناس‭ ‬أنفسهم‭ ‬داخل‭ ‬صراع‭ ‬لم‭ ‬يختاروه‭ ‬ولم‭ ‬يصنعوه‭.‬

ربما‭ ‬لأن‭ ‬القلب‭ ‬حين‭ ‬يتصلب‭ ‬ببطء،‭ ‬لا‭ ‬يشعر‭ ‬بلحظة‭ ‬فقدانه‭ ‬الرحمة‭. ‬عندها‭ ‬ندرك‭ ‬أن‭ ‬السلام‭ ‬ليس‭ ‬حالة‭ ‬تأتي‭ ‬وحدها،‭ ‬إنما‭ ‬معنى‭ ‬يحتاج‭ ‬دائمًا‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬يحرسه‭.‬

في‭ ‬البحرين‭ ‬تربّينا‭ ‬على‭ ‬السلام‭ ‬وأحببناه‭ ‬حتى‭ ‬أصبح‭ ‬نهج‭ ‬حياة‭. ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬الواحدة‭ ‬تتجاور‭ ‬بيوت‭ ‬عائلاتنا‭ ‬على‭ ‬اختلاف‭ ‬مشاربها؛‭ ‬سنّي‭ ‬وشيعي،‭ ‬ومسيحي‭ ‬وهندوسي‭ ‬وبوذي،‭ ‬يعيشون‭ ‬جنبًا‭ ‬إلى‭ ‬جنب‭ ‬ويتبادلون‭ ‬الود‭ ‬في‭ ‬تفاصيل‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭.‬

ومع‭ ‬الأيام‭ ‬يتضح‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬القرب‭ ‬بين‭ ‬الناس‭ ‬نعمة‭ ‬من‭ ‬الله‭ ‬تستحق‭ ‬أن‭ ‬تُصان،‭ ‬وأن‭ ‬يبقى‭ ‬المجتمع‭ ‬وفيًّا‭ ‬لها‭ ‬كما‭ ‬عرفها‭ ‬عبر‭ ‬السنين‭.‬

السلام‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬الشعوب‭ ‬قيمة‭ ‬عظيمة،‭ ‬يزداد‭ ‬تعلق‭ ‬الناس‭ ‬بها‭ ‬كلما‭ ‬اقتربوا‭ ‬من‭ ‬رؤية‭ ‬الألم‭. ‬لذلك‭ ‬تتجه‭ ‬الدعوات‭ ‬إلى‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬أن‭ ‬يديم‭ ‬الطمأنينة‭ ‬على‭ ‬بلادنا‭ ‬وعلى‭ ‬العالم،‭ ‬وأن‭ ‬يبقى‭ ‬السلام‭ ‬حاضرًا‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬البشر‭ ‬كما‭ ‬دعت‭ ‬إليه‭ ‬الرسالات‭ ‬السماوية‭ ‬عبر‭ ‬التاريخ‭.‬

rajabnabeela@gmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا