كم هو ضعيف الإنسان أمام ما يجري في هذا العالم، يرى الألم ولا يملك إيقافه، ويسأل ولا يجد جوابًا. تمرُّ صور كثيرة وتترك في النفس أثرًا لا يزول سريعًا، وتبقى أشياء كثيرة بلا تفسير وبلا حل. وحين يبلغ الإنسان هذا الحد من العجز، لا يجد أمامه إلا أن يرفع يديه إلى من بيده كل شيء. وفي هذه الليالي المباركة من رمضان يهدأ القلب حين يقف بين يدي الله ويضع عنده ما أثقله، مطمئنًا أن ما يجري كله تحت عين رب رحيم.
في هذا القرب تمتلئ النفس بشيء من السكينة يعيد إليها توازنها. لا تختفي هموم العالم، ولا تتوقف الأحداث من حولنا، غير أن الإنسان يشعر أن داخله أصبح أكثر قدرة على الاحتمال.
بين ثنايا هذه الليالي يكتشف الإنسان أن العالم أعقد من أن يُفهم كله دفعة واحدة. تمرّ أشياء كثيرة أمامنا ولا نجد لها تفسيرًا واضحًا. ومع الوقت يهدأ ذلك الإلحاح على فهم كل شيء، ويقترب المرء من معنى التواضع أمام ما لا نحيط به علمًا.
ومع امتداد السهر في ذكر الله في هذه الأيام، يمرّ في الخاطر كم تتغير نظرتنا إلى تفاصيل حياتنا الصغيرة حين ننظر إليها بهدوء؛ فكأن النفس تهمس بمعنى تلك الآية:
(وإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها).
في لحظات السكون يظهر عتب هادئ على النفس. كم من أمور ضخمناها في أيام سابقة، وتركناها تأخذ من حياتنا أكثر مما تستحق. شغلنا بها تفكيرنا، وربما أرهقنا بها من حولنا، ثم نكتشف بعد حين أنها كانت أصغر بكثير مما ظننا، وأن ما بدا في وقته ثقيلاً لم يكن في حقيقته إلا عابرًا في طريق الأيام. عندها يدرك الإنسان كم يبدل الهدوء نظرتنا إلى الأشياء، وكم يخفف عن النفس حين نراها من مسافة أهدأ.
وسط هذا التأمل يعود السؤال: كيف يصل البشر إلى هذه الدرجة من القسوة؟ الحروب في الغالب لا تبدأ دفعة واحدة. هي تتشكل ببطء، حين تتسع رغبات الامتلاك والهيمنة على حساب الآخرين، حتى يجد الناس أنفسهم داخل صراع لم يختاروه ولم يصنعوه.
ربما لأن القلب حين يتصلب ببطء، لا يشعر بلحظة فقدانه الرحمة. عندها ندرك أن السلام ليس حالة تأتي وحدها، إنما معنى يحتاج دائمًا إلى من يحرسه.
في البحرين تربّينا على السلام وأحببناه حتى أصبح نهج حياة. في المنطقة الواحدة تتجاور بيوت عائلاتنا على اختلاف مشاربها؛ سنّي وشيعي، ومسيحي وهندوسي وبوذي، يعيشون جنبًا إلى جنب ويتبادلون الود في تفاصيل الحياة اليومية.
ومع الأيام يتضح أن هذا القرب بين الناس نعمة من الله تستحق أن تُصان، وأن يبقى المجتمع وفيًّا لها كما عرفها عبر السنين.
السلام في حياة الشعوب قيمة عظيمة، يزداد تعلق الناس بها كلما اقتربوا من رؤية الألم. لذلك تتجه الدعوات إلى الله تعالى أن يديم الطمأنينة على بلادنا وعلى العالم، وأن يبقى السلام حاضرًا في حياة البشر كما دعت إليه الرسالات السماوية عبر التاريخ.
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك